المحكمة تقضي بسجن 3 فتيات من فرقة "بوسي ريوت" لمدة سنتين

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/592462/

انتهت في موسكو يوم 17 أغسطس/آب محاكمة الفتيات الثلاث من أعضاء فرقة "بوسي ريوت"( Pussy Riot) التي تحولت إلى رمز للمواجهة التقليدية العنيفة بين تيارين في المجتمع الروسي. وقضت الم

قضت محكمة خاموفنيتشيسكي في موسكو يوم 17 أغسطس/آب بسجن كل من ناديجدا تولوكونيكوفا ويكاترينا ساموتسيفيتش وماريا ألوخينا من اعضاء فرقة "بوسي ريوت"( Pussy Riot) لمدة سنتين بتهمة إثارة الشغب والتحريض على الكراهية الدينية. وقد تحولت المحاكمة إلى رمز للمواجهة التقليدية العنيفة بين تيارين في المجتمع الروسي.

ويرى البعض أن روسيا يجب أن تسيرعلى طريق الديمقراطية والحريات على الطراز الاوروبي ويؤدي في آخر المطاف إلى اندماجها مع الاسرة الأوروبية والأوراطلسية وقبولها بقيمها، ويرى آخرون أن روسيا لها طريق مميزة وديمقراطية خاصة بها تنبثق من تأريخها وتقاليدها الوطنية.

وبدأت القصة في 21 فبراير/شباط حين دخلت مجموعة من اربع فتيات يضعن الاقنعة على وجوههن الى كاتدرائية المسيح  المخلص بموسكو ثم صعدن إلى منبر الخطابة (أمفون) في الكاتدرائية حيث ركعن وبدأن برسم شارة الصليب  خلال 20 - 23 ثانية، ثم حاولن نطق  كلمات اغنية من تأليفهن دعون فيها السيدة مريم العذراء إلى طرد بوتين، وبعد ذلك أبعدهن الحرس الى خارج الكاتدرائية. واستغرق حضورهن فوق الأمفون 41 ثانية. وظهر فيما بعد على شبكة الإنترنت فيديو يعرض نصا كاملا لتلك الأغنية. فهل يعتبر ذلك عربدة أو جريمة جنائية أو استفزازا أو محاولة لزرع  الفتنة الدينية أو إهانة لمشاعر المسيحيين المؤمنين. وقد اعترفت الفتيات بأن هدفهن كان السخرية من المؤمنين. وأدت تلك التساؤلات إلى  حدوث انقسام داخل المجتمع الروسي. وقد احتج الكثيرون على هذا الحادث في الكاتدرائية بينما أثارت محاكمة الفتيات ومحاولة إدانتهن لارتكابهن جريمة جنائية الاستياء حتى  في أوساط اولئك الذين أدانوا تلك الفعالية بإعتبار ان الأمر لا يستحق ذلك. والمعتقد ان المراد بإصدار الحكم بحق الفتيات ان يغدو اختبارا للمجتمع الروسي ونظام حفظ القانون في روسيا. ويطلب البعض ابداء الرحمة بهن، وينتظر البعض الآخر إصدار الحكم عليهن بالسجن.

 من هي فرقة "بوسي ريوت" ؟

 

ان ناديجدا تولوكونيكوفا ويكاترينا ساموتسيفيتش وماريا ألوخينا فتيات يعرفن ما يقصدنه. وبدأت مسيرتهن في الفن الروسى من عضويتهن في فرقة "فوينا" (الحرب) الطليعية التي أعلنت حملة إيديولوجية وجمالية في المجتمع تتحدى فيها قيمه التقليدية. واشتهرت تلك الفرقة الفنية بكتابتها لكلمات سباب على أحد جسور سانكت-بطرسبورغ. وانشقت الفتيات الست عن فرقة "فوينا" عام 2011 وشكلن فرقة "بوسي ريوت" بهدف النضال من أجل حقوق المرأة. لكنهن لم ينلن الشهرة المنشودة كما راهن على ذلك حتى بعد أن قدمت الفرقة  في 20 يناير/كانون الثاني الماضي عروضا فنية مناهضة للنظام  في الساحة الحمراء وأنشدن أغنية فيها إهانة الى فلاديمير بوتين والدعوة إلى العصيان ، وذلك  بحضورالمئات من المواطنين والسياح الروس والأجانب.

وفيما بعد قررت الفتيات الاربع من الفرقة المذكورة،  إقامة ما يسمى بالقداس الساخر في داخل كاتدرائية المسيح المخلص. وقدمن عروضا فنية طليعية مهينة للدين الارثوذكسي الروسي والسيدة مريم العذراء والنظام السياسي وفلاديمير بوتين شخصيا. وأثارت تلك العروض موجة من الغضب والاستياء بين فئات واسعة من الشعب والكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وطالب الكثيرون بمعاقبة الفتيات وتقديمهن الى المحكمة.

ان الفعالية المذكورة ما كانت ستلفت الانتباه وتثير ضجة حيث انها كانت تقام في كنائس أخرى لو لم يحدث ذلك في الكاتدرائية الرئيسية للبلاد حيث تقام القداسات بمشاركة البطريرك وبحضور الرئيس والنخبة السياسية في روسيا. وأعتبرت الفعالية إهانة الى البطريرك والرئيس أيضا.

 تعتبر كاتدرائية المسيح المخلص التي شيدت بتبرعات جميع أبناء روسيا تخليدا لانتصار الروح الروسية على الروح الغربية الدخيلة في الحرب الوطنية عام 1812  تعد رمزا للروح الروسية التي لا تقهر. لذلك فأن أية إساءة إليها يعتبرها المسيحيون الارثوذكس وفئات واسعة من الشعب الروسي وغيره من شعوب روسيا الاتحادية إهانة للقيم الاخلاقية والروحية الروسية.

وفتحت أجهزة التحقيق الروسية ملفا جنائيا بحق الفتيات واتهمن بممارسة العربدة في مكان عام ، علما أن القانون الجنائي الروسي

 

لا يحتوى على مادة تقضي بمعاقبة أحد لإساءته الى القيم الروحية والدينية ، وذلك بعد أن رفع كل من حارس الكنيسة وبائعة الشموع والأيقونات فيها دعوى عليهن معتبريْن نفسيْهما مهانين بتقديم تلك العروض في داخل الكتدرائية. وتم إلقاء القبض على الفتيات اللواتي لا يزالن يقبعن في السجن الاحتياطي منذ شهر مارس/آذار الماضي بانتظار اصدار قرار المحاكمة .

وجرت في محكمة منطقة خوموفنيكي في موسكو طيلة شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب مواجهات عنيفة بين أنصار وخصوم فرقة "بوسي ريوت" . واستخدمت الشرطة أكثر من مرة القوة لتفريق التظاهرات التي كانت تقام قبالة مبنى المحكمة من قبل الجانبين المتنازعين.

وأقام بطريرك عموم روسيا كريل يوم 24 مارس/آذار قداسا حضره آلاف المؤمنين الأرثوذكس  وصف فيه عروض فرقة "بوسي ريوت " في كاتدرائية المسيح  المخلص بأنها إهانة للمقدسات الروسية. وقال إن فقدان الدين الأرثوذكسي سيؤدي الى انهيار الدولة الروسية.

وطالب فريق من الكتاب والفنانين الروس اليمينيين على رأسهز الكاتب الروسي المشهور فالنتين راسبوتين طالبوا بمعاقبة عضوات فرقة "بوسي ريوت" بصفتهن شخصيات يقوضن الإيمان الروسي ويوجهن الاهانة الى المقدسات الروسية الأصيلة.

فيما نشرت مجموعة من الفنانين الروس الليبيراليين المعروفين يوم 20 يونيو/حزيران الماضي- وبينهم الممثلة والناشطة الخيرية  تشولبان خاماتوفا والمخرج السينمائي أيلدار ريازانوف والمثثل أوليغ باسيلاشفيلي وغيرهم  - نشرت رسالة مفتوحة إلى السلطة الروسية ( إجمالي الأشخاص الذين وقعوا الرسالة 203 فنانين)  دعوا فيها إلى الإفراج عن المعتقلات من فرقة "بوسي ريوت" لأنهن لا يشكلن أي خطر على المجتمع. وانضم اليهم بعض رجال الدين الذين دعوا البطريرك كيريل إلى الوساطة والطلب بإصدارالعفو عنهن. كما دعا بعض الفنانين الأجانب المشاهير وبضمنهم المغنية مادونا الأمريكية إلى إطلاق سراح الفتيات.

إذن فإن السلطة الروسية التي أشعلت هي بنفسها تلك الفضيحة أضطرت إلى مواجهة  الخيار : إما أن تصدر حكم الإدانة والسجن لمدة 7 سنوات بحق الفتيات كما يطالب بذلك الادعاء العام وتثير بذلك موجة جديدة للاستياء والإدانة من قبل الفئات الليبرالية للمجتمع والمعارضة الروسية والنخبة الفنية والسياسية خارج البلاد ، وإما أن تصدر حكم البراءة وتثير بذلك غضب الفئات اليمينية والكنيسة الارثوذكسية.

ولو لم تشعل السلطة الفضيحة المدوية من أمر بسيط واكتفت بالمعاقبة السريعة للفتيات على شكل الأشغال الاجتماعية لمدة اسبوعين مثلا لما انتشرت القصة إلى خارج البلاد ولم تؤد إلى وقوع انقسام في المجتمع الروسي. أما الآن فتجد السلطة الروسية نفسها بين مطرقة الانتقاد الدولي اللاذع وسندان الحرص على القيم الوطنية الروسية.