عصر الهجمات الكيميائية افتتحه فريتس هابر

أخبار الصحافة

عصر الهجمات الكيميائية افتتحه فريتس هابر
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/irnd

ذكرت صحيفة "نيزافيسيمايا" أن الألماني فريتس هابر نال جائزة نوبل للكيمياء عن تركيبه الصناعي للأسمدة، وبذلك تكون لجنة نوبل من دون قصد قد كرمت مخترع السلاح الكيميائي.

جاء في المقال:

في مثل هذا اليوم من أيام الربيع الجميل، في يوم 22/04/1915، استخدم الألمان سلاحا جديدا بالقرب من مدينة إيبر البلجيكية. ومما يقارب 6 آلاف أُسطوانة كانت محفوظة في باطن الأرض، على مقطع امتد 7 كم من جبهة القتال، تم إطلاق 168 طنا من الكلور في غضون 5-8 دقائق. وحمل الهواء العابر نحو العدو سحابة من الغاز الأصفر طولها أكثر من 7 كم، بعرض يصل إلى 1 كم. وغطى الدخان السام بكثافة مواقع المدافعين، الذين دب في صفوفهم الذعر. ومن بين 15 ألف جندي بريطاني وفرنسي كانوا في طليعة خط المجابهة، قتل اختناقا 1200 جندي على أقل تقدير في ذلك المقطع من جبهة الحرب، وأصيب 3 آلاف آخرون بأمراض مختلفة في العيون والجهاز التنفسي، فيما أعلنت القيادة الألمانية عن قتلها نحو 5000 من جنود وضباط العدو.

هذا السلاح الكيميائي، الذي استخدمه القيصر فيلهلم الثاني في الحرب للمرة الأولى في تاريخ البشرية، ابتكره له الكيميائي فريتس هابر، وهو عالم يهودي كان يعتد بنفسه كألماني طيلة حياته. وعلى ضوء نتائج حادثة إيبر الكيمياوية، منحه القيصر شخصيا رتبة نقيب، وعلقت في مكتب هابر صورة الإمبراطور فيلهلم الثاني، التي تحمل توقيعه الإمبراطوري.

وكما كان حال معظم اليهود الألمان، كان هابر متعصبا للقومية الألمانية أكثر من الألمان أنفسهم. وعاش "في زمن السلام – من أجل البشرية، وفي زمن الحرب - من أجل الوطن". ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تم تعيينه في وزارة الحرب، حيث أنشئت دائرة الموارد العسكرية، وأشرف هابر على إدارة القسم الكيميائي في هذه الدائرة، وحصل هذا القسم على تسمية غير رسمية "لجنة هابر" التي عمل فيها حائزو جائزة نوبل مثل – فالتر نيرنست، إميل فيشر وريخارد فيلشتيتر. 

وأصبح استخدام الألمان المكثف للمواد السامة أول مخالفة مسجلة للقوانين الانسانية الدولية في الحرب. حيث حظر نص المادة 23 من معاهدة لاهاي لعام 1899 استخدام الأسلحة، التي يكون الغرض الوحيد منها هو – تسميم القوى الحية في جيش العدو. وتم التشديد على نص هذا الحظر لاحقا في معاهدة لاهاي الثانية لعام 1907، وحملت المادة عنوان "حول قوانين وأعراف الحرب البرية". وبمبادرة اعتمدها القيصر الروسي نيقولاي الثاني، وقعت معاهدتي لاهاي، كل من فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، روسيا واليابان. 

وفي الواقع، فقد كانت حرب الغاز خلال الحرب العالمية الأولى حربا بين الكيميائيين، حيث واجه فريتس هابر الكيميائي الفرنسي والحائز جائزة نوبل أيضا فيكتور غرينيار، الذي تفوق عليه هابر بكثير من النجاحات. وتحت قيادة هابر عملت أحسن عقول ألمانيا مثل حائزي جائزة نوبل لاحقا، جيمس فرانك، غوستاف هيرتس وأوتو هان.

وقد دافع فريتس هابر عن الأسلحة الكيمياوية ضد الاتهامات بأن استخدامها غير إنساني بالقول إن" الموت هو موت بغض النظر عن سبب الموت". وقال هابر أيضا إن استخدام الغازات السامة من حيث المبدأ لا يختلف عن استخدام القنابل أو القذائف "التقليدية"، بل وإنه كان مقتنعا بأن استخدام سلاح الغاز يختصر من وقت الحرب.

وكما ذكر أحد أصدقائه المقربين، الفيزيائي ماكس بلانك، فإن هابر كان ألمانيا رومانسيا تقليديا، حيث كان يؤمن بأنه بمجرد رؤية العالم العواقب الرهيبة للتسمم بمادة الكلور، فإن الحكومات سترتعش من الرعب، والحرب ستنتهي في حينها، وفي أوروبا سيسود السلام الأبدي.

ومع ذلك، وخلال سنوات الحرب العالمية الاولى، وسواء بسبب استخدام دول الحلفاء أو المحور مواد حربية سامة، قتل 88.5 ألفا من الجنود والضباطـ، وأصيب أكثر من مليون و323 ألفا آخرين، واستمرت الحرب 4 سنوات و3.5 أشهر.

وفي نهاية الحرب العالمية الاولى قدمت دول الحلفاء إلى ألمانيا قائمة تضم 900 شخص من مجرمي الحرب، وكان بينهم فريتس هابر، الذي خلع في حينها زيه العسكري، وأطلق لحيته ورحل إلى مدينة سانت موريتس السويسرية، حيث حصل على الجنسية السويسرية. ولكن سرعان ما سحب الحلفاء اتهامهم الموجه إلى هابر وأصبح قادرا على العودة إلى ألمانيا.

هذا، وفي عام 1919 منح فريتس هابر جائزة نوبل في الكيمياء. ولدى تقديمه لمنحه الجائزة، قال رئيس الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم إن "لاكتشافات هابر أهمية بالغة في تطوير الزراعة وازدهار البشرية". وعلى الرغم من أن جائزة نوبل منحت له عن تركيب الأسمدة الصناعي، فإن النتيجة كانت تكريم مخترع السلاح الكيميائي.

   ترجمة وإعداد

     ناصر قويدر