الحقد ليس جميلا

في ذكرى النصر في الحرب الوطنية العظمى

الحقد ليس جميلا
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hmkp

لأنها الحرب، ومعظمنا يعرف ماذا تعني، فسلامي لروحك صديقي نيقولاي سيرغييف الذي عرفت كيف تحافظ على احترامك لشعب قتل جنوده 97 بالمئة من رفاقك، وعرفت كيف لا تحقد.

لطالما كنت أحب متابعة أفلام عن الحرب العالمية الثانية، عن سابق علم بأن النازية، الفاشية، العنصرية هزمت فيها، وعن سابق أمل بأنني لن أرى إلا بطولات المظلومين المعتدى عليهم وانتصاراتهم ومشاهد هزيمة الغزاة الظالمين واندحارهم، كما كنت أتابع في أفلام أخرى تصدي الهنود الحمر لعصابات البيض وأنتشي لانتقامهم من سالبي أرضهم ومدمري حضارتهم، عن سابق علم بأن الهنود خسروا الحرب بل سحقتهم عصابات البيض نحو إمبراطورية الشر الأم- أميركا. فما الذي يعجبنا في الفرجة على الحرب؟ وما هي المسافة بين ما نراه على الشاشة والواقع الفعلي على الأرض؟
في حديث طويل مع صديقي نيقولاي سيرغييف، ذلك الرجل الإنساني الطيب الشجاع الذي دخل الحرب الوطنية العظمى (العالمية الثانية) في ثالث أيامها حتى دخل برلين محرِّرا وبقي فيها أكثر من عام بعد تحريرها، وكنت لتوي قد انتهيت من قراءة روايات قسطنطين سيمونوف "الأحياء والأموات"، و"رحى الحرب" و"الصيف الأخير" عن تلك الحرب، وأعربت لسيرغييف عن إعجابي بها وبالأفلام السوفيتية عن مقاومة الجيش الأحمر للنازيين ودفع شعوب الاتحاد السوفيتي الثمن الأكبر في تخليص العالم من شرور هتلر، فاجأني صديقي سيرغييف، بتأكيده أن لا شيء في السينما تقريبا يشبه ما في الواقع سوى الانفجارات، وأن سيمونوف التقط المشاهد اللامعة وترك المنطقة الرمادية، منطقة البشر الحقيقيين بكل ما فيها من أحلام صغيرة وبطولات صغيرة وموت جماعي، قلّما تجد من ينتبه إلى أنّه مكون من آلاف الميتات، من عذابات إفرادية وميتات إفرادية.

وعلى الرغم من كل ما في احتضار كل فرد من مأساة إلا أنّ الفن لا يتسع لها جميعا فيختصر طيوفها وألوانها وتفاصيلها بالقليل المتعارف عليه. أجل، الفن هو ما توافقنا نحن البشر على أنه فن، وهذا يعني أن ألاف الأشياء الأخرى يمكن أن تكون فنا أو تصير فنا ولكن البشر لم يتوافقوا عليها بعد. وليس غريبا على من يتافقون على الموت أكثر مما يتوافقون على الحياة أن يفعلوا. الفن انتقائي دائما، إنها انتقائية الأضواء وعمومية التعتيم. أم هي العتمة؟ "الشيطان يكمن في التفاصيل"، يقولون.

و"الحياة أيضا تكمن في التفاصيل"! أقول. فتمهّلوا قبل أن تلعنوا الشيطان، لأنكم بذلك تلعنون الفن والعلم ومحرك التقدم الأهم- الشك. الشيطان فينا، بهذا المعنى، ضروري ضرورة الله. لكن المقام هنا لغير مقال.

على تخوم برلين، كان نيقولاي سيرغييف يستلقي تحت عربة الكاتيوشا ويغفو ريثما ينتهي القصف التمهيدي، لينطلق مع جنوده هو الضابط الصغير في هجوم على الموت المتربص بهم في خنادق النازيين. لم يرحم النازيون أحدا. من منكم شاهد فيلم "تعال وانظر!" حيث جُمع الأطفال بمن فيهم الرضّع والنساء في مستودع كبير وحرقوا أحياء، كما تفعل "داعش" اليوم بمن تختارهم ضحايا وتلبسهم لباس غوانتامو أمام الكاميرات الهوليودية؟ ثلاثة بالمائة فقط ممن انطلقوا مع نيقولاي سيرغييف، من ضواحي موسكو بلغوا برلين أحياء، والبقية سقطوا شهداء. أجل، شهداء، على أنني لا أحمّل هذه الكلمة أي بعد سماوي. ومع ذلك، ستجد من يحتج على فكرة أن يستشهد الشيوعيون، من منطلق أن المؤمنين وحدهم يستشهدون. " الأوطان، هي الجديرة بالإيمان بها، وهي التي تحتاج إلى دماء وأرواح لحمايتها والاستشهاد في سبيلها وليس الله يا أصحاب الأدمغة المشوهة بمقدسات مفصلّة على مقاس تجار الحروب". أقول ذلك في لحظة انفعال بارد. هل هناك انفعال بارد؟! أجل، هناك انفعال مزمن مديد، وهو بارد إذن، وكل من لا تنفعل روحه لفجائع العقل وفضائحة ميت. ولا يفيد هنا أن "تقرصوا" جلدكم لتتأكدوا من أنكم أحياء. فلا بد من قرص الضمير والعقل والروح.

في الليالي، كان يتناهى إلى سمع سيرغييف، صوت عزف على البيانو من تلك البيوت التي سيكون عليهم قصفها ربما مع حلول الفجر. لسببٍ ما، تختار أجهزة الدكتاتور الفجر لاعتقال المعارضين أو المشتبه بعقولهم، ويختار ضباط العمليات الفجر للهجوم. ربما لأن الناس يستسلمون في هذا الوقت لإرادة الحياة، أي للنوم. الأحياء وحدهم ينامون. 
ونزولا عند إرادة الحياة، وإيمانا بقدسيتها، كتب سيمونوف قصيدته "انتظريني"، التي باتت نشيدا دافعا إلى الصمود، ضامنا للحياة، والتي تقول بأنه يكفي أن يكون هناك من يحبك ويخلص لك في العمق حتى تنتصر أنت في الجبهة وتبقى على قيد الحياة.

فهل صحيح أنه، حين يموت كثيرون، يكفي لبقاء أحدٍ ما حيّاً أن يكون هناك من يعيش لأجله أو يعيش إليه، ويكفي لانتصار جندي في الحرب أن يكون هناك من يموت من أجله ببسالة، بل بعينين مفتوحتين ضاحكتين؟ أم أن أحدا في الواقع لا يريد الموت، وحتى المندفعين إلى الموت يتوهمون أنهم يقومون بخطوة أولى نحو خطوات أخرى سيقومون بها، وسيرون بأنفسهم كيف ستكون الأمور بعد الانفجار أو الرصاصة؟ لا أحد يصدّق أنه يزول من الوجود. الحديث هنا لا يدور عما يقوله الآخرون بعد مضي الراحل إلى الموت.

أريد أن أصدّق أن هناك من يموت من أجل ما سيقال عنه بعد موته. هناك من يتوهمون أنّهم سيستمتعون بما سيقال عنهم بعد موتهم، وبمعنى آخر يتوهمون البقاء ما بعد تضحيتهم المميتة أو إقدامهم القاتل. وهذا يصح أكثر مع غير المتيقنين من وجود جنة يكافأون فيها بالحور العين ويبقون خالدين. هناك من البشر من ينعمون بقينياتهم التي قد تكون قاتلة للآخرين. 
هو "اليقين" القاتل، إذن، في مواجهة الشك المنقذ! أجد نفسي مضطرا هنا للعودة إلى الفيلسوف الروسي أليكسي لوسيف، فقد عرّف اليقين بأنه نتاج معرفة وإيمان، يكون بهما معاً. أريد أن أصدّق لوسيف، لكنني من أجل ذلك مضطر لتصديق أن معارفنا منفصلة عنا وعن طبائعنا ومصالحنا وانتماءاتنا. وذلك صعب عليّ قبوله. إننا نتباهى بما يسمى "المعرفة" فيما معارفنا دائما جزئية وانتقائية ومتحزبة.

"أنا أحب الألمان الذين قاتلتهم. إنهم شعب جدير بالاحترام!" قال لي سيرغييف، فتذكرت قصة ذلك الجندي الروسي الذي أسر ضابطا ألمانيا، وفي الطريق إلى مؤخرة الجبهة لتسليمه، أجلس أسيره وحلق له لحيته قبل تقديمه، قائلا "غير لائق أن يظهر ضابط بهذه الصورة". كان قد نما شعر لحية الضابط في الحصار ثم الطريق، وحين أجلسه المقاتل الروسي ليحلقها ظن أنّ خصمه سيذبحه، لكن الخصم لم يفعل بل مسح على وجه عدوه براحة يده باحثا عن النعومة. أكتب هنا ما خطه الضابط الألماني الذي نسيت اسمه، وليس ما روجت له الدعاية السوفيتية. وكثيرا ما كانت تروج لأكاذيب. لم يرد المقاتل لعدوه الموت، كما لم يرده لنفسه.

بتفحص بواعث المؤمنين اليقينيين، بالذات، يتبين أنهم، خلاف ما يبدو للوهلة الأولى، لا يصدقون بوجود الموت. وما أجمل مؤمن شكّاك أو ريّاب، ولكن أين تجده؟ الموت بالنسبة لليقينيين لا يعدو أن يكون أداة أو وسيلة لفتح باب حياة أخرى أجمل وأغنى بالملذات. والفنتازيا الدينية تقدّم كتيرا من الإغراءات نحو الموت، فتبدو المؤسسة الدينية في ذلك أشبه بشركة ترويج سياحي، لكنها سياحة باتجاه واحد، فمنذ ولادة الأديان إلى اليوم لم يعد أحد من مشتري الموت من هناك، وليس هناك من يستطيع التحقق من صحّة ما يعد به مروجو الموت. الحديث ليس فقط عن الحوريات فما حاجة الشهيدات إليهن! ويبدو علماء الدين، في ترويجهم لشراء بطاقات الموت، وانتماءات الموت، وعقائد الموت، وبنادق الموت.. أشبه بعملاء شركات الضمان النصابين. ليس هناك سوي نفسيا يختار الموت إلا حين لا يبقى في الحياة ما يستحق العيش. وهناك دائما ما يستحق العيش.
ولكن، يصعب الحديث عن أسوياء نفسيا لغياب المعايير. فمن هو السوي الذي سنعاير بسلوكه الآخرين لنقيس درجة استوائهم؟ لو قلت إن السوي هو من يؤمن بالحياة ويعمل لأجلها، ستدخل في جدال مع المؤمنين بدار البقاء. مع أنهم محقّون، فالميت لا يموت. البقاء ميتا ولا شيء سوى ذلك.

لكن الأوطان تطلب أرواح بعض أبنائها أحيانا من أجل حياة الآخرين منهم، فما العمل؟ لا تشتموا الأوطان، إنما فكّروا بطريقة لتخليص البشرية من صنّاع الحروب وتجّار الموت. سلامي لروحك صديقي سيرغييف الذي عرفت كيف تحافظ على احترامك لشعب قتل جنوده 97 بالمئة من رفاقك. سلامي لروحك يا ذلك الجندي الإنسان.

 إيفان الشامي "روسيا ما وراء العناوين"