"عرس نقابي" في تونس

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ifxx

تتجه أنظار المتابعين للشأن العام التونسي إلى المؤتمر الـ 23 لأكبر منظمة نقابية في البلاد (الاتحاد التونسي للشغل) باعتباره حدثا اقتصاديا وسياسيا هاما في ظل وضع اجتماعي غير مستقر.  

ومن المنتظر أن تصعد شخصيات جديدة لقيادة النقابة العمالية، ويُنتخب أمين عام جديد خلفا لحسين العباسي، بالإضافة إلى انتخاب أعضاء المكتب التنفيذي، وضبط برنامج عمل الاتحاد للفترة المقبلة، وإدخال تغييرات على هيكليته بهدف دعم مشاركة الشباب والمرأة.

الإرث "الحي" للنقابي فرحات حشاد

71 عاما مرت على تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل على يد الزعيم النقابي فرحات حشاد عام 1946، قبل أن تغتاله "اليد الحمراء" (منظمة سرية فرنسية)، في ضاحية رادس بالعاصمة تونس، في ديسمبر/كانون الأول عام 1952.

وقبل تأسيس الاتحاد، مرت الحركة العمالية التونسية بتجربتين نقابيتين. الأولى هي "جامعة عموم العملة التونسية"، التي أسسها محمد علي الحامي، عام 1924، وتصدى لها الاستعمار الفرنسي. أما التجربة الثانية، فهي "جامعة عموم العملة التونسية الثانية" عام 1936، والتي قادها بلقاسم القناوي، وقد اندثرت إثر خلافات لرئيسها مع "الحزب الحر الدستوري الجديد"، بقيادة الحبيب بورقيبة.

ومع انطلاق الثورة التونسية، ساندت النقابات الأساسية والجهوية الاحتجاجات الاجتماعية، التي تصاعدت بعد حرق البوعزيزي نفسه في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، إذ خرج عشرات الألوف من الاتحاد الجهوي للشغل، رافعين شعارات الثورة.

الولاء لتونس وعمالها

وتحت شعار" الولاء لتونس والوفاء للشهداء والإخلاص للعمال"، انطلقت منذ الأحد 22 يناير/كانون الثاني أعمال المؤتمر الـ 23 للمنظمة الشغلية، التي فرضت نفسها كقوة مؤثرة في المشهد السياسي وفي تحمل المسؤولية في دعم السلم الاجتماعي والسيطرة على التحركات الاحتجاجية العشوائية، التي أثرت على الاقتصاد التونسي في فترة ما بعد الثورة.

وافتتح حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل المنتهية ولايته، أعمال الجلسة الافتتاحية لهذا المؤتمر بكلمة أشار فيها إلى أن تونس "عاشت سنوات من المخاض العسير، تحمل خلالها الاتحاد العام التونسي للشغل مسؤولياته الوطنية".

غياب الرؤساء الثلاثة

وتميز الافتتاح بغياب لافت للرؤساء الثلاثة (رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، ورئيس البرلمان محمد الناصر) نظرا إلى عدم توجيه دعوات إليهم وسط حضور زهاء 7 آلاف مشارك، من ضمنهم 120 من الضيوف العرب والأجانب، الذين يمثلون النقابات والمنظمات العمالية الإقليمية والدولية، إلى جانب ممثلين عن المنظمات والجمعيات التونسية.

بيد أن رئيس مجلس البرلمان التونسي محمد الناصر بعث برسالة إلى رئيس المؤتمر الـ 23 للاتحاد العام التونسي للشغل، ونوه الناصر في نص رسالته بالدور الايجابي للاتحاد العام التونسي للشغل على الصعيدين النقابي والوطني.

محطة نقابية جديدة

ويشهد المؤتمر تنافس قائمتين: الأولى يدعمها الأمين العام المنتهي ولايته حسين العباسي، وتدعم النهج التوافقي، الذي اتخذه المكتب السابق. وقائمة ثانية تتضمن قيادات نقابية اختارت الصدام مع الحكومة على غرار الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي الأسعد اليعقوبي، الذي دخلت نقابته في معركة مفتوحة مع وزير التربية ناجي جلول.

ويجمع مراقبون في الشأن النقابي على أن الاتحاد لعب دورا بارزا طيلة السنوات الماضية في تجنيب البلاد أزمات سياسية واجتماعية خانقة، كما أنه أحد المساهمين في صياغة وثيقة قرطاج وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية ودعم حكومة يوسف الشاهد، باثنين من قياداته.

 صمام الأمان

ويقول الخبير الاقتصادي مراد الحطاب لـ RT إن المؤتمر الـ 23 يأتي في خضم مشهد اجتماعي وسياسي متوتر على خلفية الفشل الذريع للحكومة، ولا سيما في محاربة الفقر والبطالة، اللذين ينهشان البلاد. فجل الدراسات الأكاديمية تؤكد أن نسبة الفقر بلغت 28 في المئة، بينما تصر الحكومة على أن نسبة الفقر لا تتجاوز 15 في المئة.

ويضيف الحطاب أن الاتحاد لعب دورا هاما في تعديل المناخ الاجتماعي للبلاد، وساهم في تخفيف نسبة الإضرابات منذ 2012 بنسبة لا تتصور. وبالتالي، فلولا عمل الاتحاد لتخفيف التحركات الاجتماعية لكانت الأزمة خانقة وأكثر إرباكا لجميع الأطراف.

وشدد مراد حطاب في حديثه على أن الاتحاد لعب دورا تعديليا في الشأن الاجتماعي؛ محذرا من أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة في إطار تفاقم فشل سياسات الحكومة في احتواء الأزمات.

الاتحاد - بيت التونسيين الجامع

وفي قراءة تحليلية للمؤتمر الـ 23 للمنظمة النقابية، أوضح نجل مؤسس الاتحاد التونسي للشغل، نور الدين حشاد في حوار مع RT أن من المهم، بعد مرور 71 عاما من وجود الاتحاد التونسي للشغل، تسجيل هذا الحدث كـ "معجزة" في تاريخ تونس وهو ما أراده والده فرحات حشاد في نمو "النبتة"، التي زرعها منذ عام 1946 لتبقى صامدة رغم العواصف والهزات.

ولفت في حديثه إلى أنه حضر جميع مؤتمرات الاتحاد منذ أن كان عمره 10 سنوات عام 1954، لهذا فهو يعلم جيدا أن صاحب عبارة " أحبك... يا شعب" أراد أن يكون الاتحاد بيت جميع التونسيين وليس ملكا العمال فقط.

وأشار إلى أن المؤتمر الـ 23 هو مؤتمر هام جدا نظرا لصموده طيلة السنوات الماضية. وقد فرض نفسه رقما صعبا في المشهد التونسي، خصوصا أن القيادة القديمة نجحت في قيادة سفينة الاتحاد في سنوات ما بعد الثورة إلى بر الأمان وتحمل مسؤوليتها الكاملة في إخراج الاتحاد "منتصرا".

وأوضح نور الدين حشاد أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة على القيادة الجديدة في ظل وجود الاتحاد التونسي للشغل داخل نظام ديمقراطي، على حد تعبيره.

وفي انتظار صعود القيادة الجديدة لتسلم دفة سفينة الاتحاد، ستمثل المرحلة المقبلة محطة جديدة في علاقة الحكومة بقلعة العمال، التي ستختار إما التوافق، أو الصدام في ظل احتقان اجتماعي غير مسبوق.

سناء محيمدي

الأزمة اليمنية