المراسلات السرية المتبادلة بين ستالين وتشيرشل وروزفلت – 2

أخبار الصحافة

المراسلات السرية المتبادلة بين ستالين وتشيرشل وروزفلت – 2
جانب من معركة ستالينغراد الضارية التي غيرت من مسار الحرب العالمية الثانية
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/o5re

نتابع الحلقة الثانية من المراسلات السرية بين الزعماء الثلاث: ستالين وتشيرشل وروزفلت في الحرب العالمية الثانية، التي كتبها الدكتور سامي عمارة ونشرت في جريدة الأهرام.

  • تشيرشل حذر ستالين من هجوم ألمانيا الهتلرية قبل وقوعه بما يزيد عن الشهرين في عام 1941
  • تشيرشل يصل إلى القاهرة في إطار ترتيباته للهجوم في شمال أفريقيا
  • ستالين يلتقي تشيرشل في موسكو بناء على طلبه بعد زيارة القاهرة
  • حقيقة خلافات ستالين مع تشيرشل وروزفلت حول الجبهة الثانية في غرب أوروبا
  • لماذا رفض ستالين استبدال ابنه الأسير لدى ألمانيا، بقائد القوات الألمانية في معركة ستالينغراد؟

تناولنا في الحلقة السابقة جانبا من اللغط الدائر حول تجاهل الإدارة الأمريكية للدور المحوري الذي قام به الاتحاد السوفيتي السابق في الحرب العالمية الثانية، وفي تحقيق النصر على ألمانيا النازية. وتوقفنا بالكثير من التفاصيل حول ما تضمنته الرسالة التي بعث بها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، وقال فيها "إن النصر كان حليفا لأمريكا وبريطانيا العظمى، وإن الروح الأمريكية سوف تنتصر على الدوام"، وكأن التاريخ لا يعرف دولة اسمها الاتحاد السوفيتي، وأنه لم يكن له أي دور في هذه الحرب، وأنه لم يكن صاحب السبق في غرس رايته الحمراء ذات المنجل والمطرقة فوق قبة الرايخستاغ في مايو عام 1945. ولم نكن لنغفل في تلك الحلقة، ما دار بين الزعيمين السوفيتي، جوزيف ستالين، والبريطاني، ونستون تشيرشل، من جدل احتدم حول ضرورة فتح الجبهة الثانية في غرب أوروبا، اعتبارا من خريف عام 1941، والتي لم يلتزم الزعيمان الغربيان روزفلت وتشيرشل بتنفيذه إلا في يونيو عام 1944.

وتقول الوثائق السوفيتية إن بريطانيا كشفت عن تقاعسها في مواصلة ما سبق والتزمت به حول تقديم الدعم المادي والتقني إلى الاتحاد السوفيتي عبر الطريق الشمالي، بعد انصرافها إلى فتح الجبهة الجنوبية في منطقة شمال أفريقيا، من جانب، وفي إيران تمهيدا لوصول ما تحتاجه الحرب من إمدادات نفطية وبشرية من الهند عبر الخليج، بحسب الرسائل المتبادلة المشار إليها عاليه، وحتى بحر قزوين عبر السكك الحديدية المزمع بناؤها، من جانب آخر. وفي رده على الرسالة التي بعث بها ستالين إلى تشيرشل في 23 يوليو 1942، وانتقد فيها تباطؤ بريطانيا في إرسال الدعم العسكري والتقني إلى الاتحاد السوفيتي والمماطلة في فتح الجبهة الثانية، بعث الزعيم البريطاني تشيرشل إلى ستالين برسالة "سرية للغاية" مؤرخة في 31 يوليو 1942، يقول فيها:

1- نبدأ في اتخاذ الإجراءات التمهيدية لإرسال قافلة من السفن إلى أرخانغلسك في الأسبوع الأول من سبتمبر المقبل.

2- إنني أعرب عن رغبتي في تلقي دعوتكم للقاء معكم شخصيا في أستراخان، أو في القوقاز أو في أي مكان ترونه مناسبا. وأنه من الممكن أن نناقش سويا المسائل المتعلقة بالحرب، في أجواء تتسم بالودّ، لاتخاذ القرار المشترك. وسوف يكون من الممكن إبلاغكم بما خلصنا إليه من خطط حول عملياتنا الهجومية في عام 1942، التي اتفقنا عليها مع الرئيس روزفلت. ومن الممكن أيضا أن يصحبي في هذه الزيارة رئيس هيئة الأركان الإمبراطورية.

3- إنني سوف أسافر جوا وعلى الفور إلى القاهرة. ولعلكم يمكن أن تتصوروا ببساطة مدى المهام الجدية التي تنتظرنا هناك. كما أنه من الممكن ومن هناك وإذا أردتم ذلك، تحديد الموعد المقترح للقائنا. أما عن الموعد الذي يناسبني، فإنه من الممكن أن يكون خلال الفترة من 10 وحتى 13 أغسطس، إذا كان هذا الوقت مناسبا لكم.

4- مجلس الحرب يوافق على مقترحاتي. 

و.تش

ولم يمض من الزمن الكثير حتى عاد تشيرشل، وفي بادرة تبدو أشبه بمحاولة الترضية، وتعويض ما اعتبره ستالين نوعا من التقصير أشار إليه في رسالته الأخيرة المؤرخة في 23 يوليو 1942، ليبعث برسالة أخرى حملت خاتم "خاص وسري" إلى ستالين في نفس تاريخ الرسالة السابقة في 31 يوليو 1942، يقول فيها باستعداده "لإرسال قافلة من 40 سفينة في الأسبوع الأول من سبتمبر".

غير أنه عاد ليعرب صراحة عن مخاوفه تجاه ما قد يصدر من أخطار عن السفن الحربية الألمانية في بحر بارينتسيفو، وهو الأمر الذي كشف عن مناقشته مع إيفان مايسكي السفير السوفيتي في لندن.

وردا على هاتين الرسالتين بعث ستالين إلى تشيرشل في 31 يوليو برسالة حملت أيضا خاتم "سري للغاية" قال فيها:

تلقيت رسالتيكم بتاريخ 31 يوليو، وباسم الحكومة السوفيتية أدعوكم إلى الاتحاد السوفيتي للقاء مع أعضاء الحكومة. وأكون شاكرا لكم لو استطعتم الوصول إلى الاتحاد السوفيتي للنظر سوية في القضايا العاجلة للحرب ضد هتلر الذي صارت بلداننا انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي تتعرض للأخطار من جانبه بقوة أكبر.

وأعتقد أن موسكو يمكن أن تكون الموقع الأكثر مناسبة للقائنا، نظرا لأنني وقيادات هيئة الأركان وأعضاء الحكومة لا يمكن أن نغادرها في اللحظة الراهنة من النضال ضد الألمان.

وقد يكون من المفيد أيضا وجود رئيس الهيئة الإمبراطورية للأركان. ولعله يكون من المناسب أن نترك لكم تحديد الموعد الذي ترونه مناسبا للحضور، وعلى ضوء ما تقررونه من توقيت تكونون فيه قد انتهيتم من شؤونكم في القاهرة."

وفيما عاد الزعيمان إلى تبادل الرسائل التي تناولت مدى تكبّد البريطانيين الخسائر في البحر والجو، وما قامت به القوات البريطانية من هجمات طال بعضها المدن الألمانية، في مطلع أغسطس 1942، توصل ستالين وتشيرشل إلى عقد مؤتمر موسكو في 12 أغسطس، بعد وصول الزعيم البريطاني من القاهرة عبر طهران، التي كان ممثلو الجانبين عقدوا فيها اجتماعاتهم لتنسيق الجهود على الصعيد العسكري. وكان ستالين بعث إلى تشيرشل بمذكرة يوجز فيها ما توصلا إليه في موسكو من نتائج في مباحثاتهما التي دارت في 12 أغسطس 1942.

وقال ستالين في هذه المذكرة:

لقد توصلت نتيجة تبادل الآراء في موسكو الذي جرى في 12 أغسطس، إلى أن رئيس وزراء بريطانيا السيد تشرشيل يرى استحالة فتح الجبهة الثانية في أوروبا في 1942. ومن المعروف أن فتح الجبهة الثانية في أوروبا في عام 1942 كان مسألة متفق حولها، وجرى النص عليها في البيان الانجليزي السوفيتي المشترك الصادر عن زيارة مولوتوف للندن في 12 يونيو من ذلك العام.

ومن المعروف أيضا أن فتح الجبهة الثانية في أوروبا كان يستهدف صرف أنظار القوات الألمانية عن الجبهة الشرقية وتحولها إلى الغرب.

ومضى ستالين يقول:

إن القيادة العسكرية السوفيتية كانت وضعت خطط عملياتها في صيف وخريف ذلك العام على أساس فتح الجبهة الثانية في أوروبا في عام 1942. وقال إنه من السهل أن يكون من المفهوم أيضا أن رفض حكومة بريطانيا العظمى فتح الجبهة الثانية في عام 1942 يلحق الأضرار المعنوية بالأوساط الاجتماعية السوفيتية التي طالما توقعت فتح هذه الجبهة، كما يتسبب في تعقيد أوضاع الجيش الأحمر على الجبهة وينال من مخططات القيادة السوفيتية.

وفيما كانت تحظى مسألة فتح الجبهة الثانية بالاهتمام الأكبر لدى ستالين، كشفت الرسالة التي رد بها تشيرشل في 14 أغسطس، على رسالة ستالين بهذا الصدد عن تمسّك بريطانيا والولايات المتحدة بوجهة نظر مغايرة تقول بأفضلية افتتاح الجبهة الثانية من جهة المحيط الأطلنطي على اعتبار أن ذلك يمكن أن يفيد الاتحاد السوفيتي أكثر من الناحية العسكرية. وقال تشيرشل إن حكومتي البلدين قد أعدّتا العدة للقيام بالعملية التي كملت اسم "الشعلة" Operation Torch*، فيما أكد أن البلدين لم يحنثا بأي وعد في هذا الصدد، فيما طلب من ستالين أن يعود إلى البند الخامس من المذكرة التي سلمها إلى وزير الخارجية السوفيتية مولوتوف خلال زيارته للندن في 10 يوليو 1942، وقال فيها "إن بريطانيا لا تستطيع لهذا السبب أن تعطي أية وعود حول هذا الشأن".

ويتواصل تبادل الرسائل "السرية" و"السرية للغاية"، وكذلك "الخاصة" بين الزعماء ستالين وتشرشيل وروزفلت، والتي تناولت تطورات العمليات العسكرية والخسائر التي تكبّدتها قوات الحلفاء في معاركها مع قوات بلدان المحور التي ضمّت ألمانيا وإيطاليا وبلدان شرق وغرب أوروبا، وهي المراسلات التي قادتنا إلى أحد أهم مفاجآت المراسلات المتبادلة بين الزعيمين ستالين وتشيرشل.

يقول ونستون تشيرشل في رسالته التي بعث بها إلى الزعيم السوفيتي، جوزيف ستالين في 30 سبتمبر 1942، تحت خاتم "سري للغاية"، و"خاص":

من نفس المصدر الذي لجأت إليه لتحذيركم من الهجوم المرتقب ضد روسيا منذ عام ونصف العام، تلقيت المعلومات التالية: 

إنني أعتقد أن هذا المصدر يحظى بمصداقية مطلقة. وليكن ذلك، لو تفضّلتم أمرا خاصا بكم.

البداية:

1- لقد قام الألمان بتعيين أدميرال عهدوا إليه بالإشراف على العملية البحرية العسكرية في بحر قزوين. وقد اختاروا ماخاتش كالا (محج قلعة - وفي قول آخر مخاتش - عاصمة داغستان الروسية على شواطئ بحر قزوين) التي سوف يتخذونها كقاعدتهم البحرية الرئيسية. وسوف يرسلون إليها حوالي 20 سفينة بما فيها الغواصات الإيطالية وزوارق الطوربيد والكاسحات الإيطالية التي سوف ينقلونها إلى هناك عبر السكك الحديدية من ماريوبل "الأوكرانية" إلى بحر قزوين بمجرد بدء عمل هذا الخط. ونظرا لتجمد مياه بحر آزوف، سوف يشحنون الغواصات قبل الانتهاء من بناء خطط السكك الحديدية.

"نقطة النهاية"

2- بدون شك. إنكم على استعداد لهجوم من هذا النوع . أعتقد انه سيكون لما أبلغتكم به أهمية خاصة، ما سوف ندعم به قواتكم الجوية علي مسرحي العمليات في منطقتي بحر قزوين والقوقاز بـ20 سربا من المقاتلات الأمريكية والبريطانية.  إنني لم أكف منذ لقائنا عن العمل في هذا الاتجاه، وأعرب عن أملي في ان أتلقي من الرئيس موافقة نهائية بما يمكن معه أن اقترح عليكم أمرا مشتركا.

3- أما فيما يخص المقاتلات من طراز "كوبرا 154 "، والتي جرى رفعها من P Q 19 (وهو الرمز الكودي لقافلة السفن المحملة بالعتاد العسكري والمخصصة لإرسالها الى الاتحاد السوفيتي) فقد سمحت شخصيا بناء على طلب الجنرال مارشال القائد العام الأمريكي. وهي مقاتلات أمريكية كانت مخصصة لنا، وقررت إرسالها اليكم . وكانت هذه المقاتلات وبناء على إصرار الأمريكان مخصصة لعملية "الشعلة" في شمال فريقيا . وقد وعد الجنرال مارشال بتعويضها بطائرات أخرى تصل عبر طريق ألاسكا. وسوف أبلغكم برقيا حول ما سوف يكون في غضون الأيام العشرة المقبلة."

وتقول مصادر الخارجية السوفيتية في مجلدات المراسلات المتبادلة بين ستالين مع الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني إبان سنوات الحرب العالمية الثانية 1941-1945 . ص 453. دار نشر "الأدبيات السياسية" موسكو. 1976:

"ان ما يقصده تشيرشل هنا هو الرسالة التالية التي بعث بها إلى ج.ف.ستالين عبر مفوضية الشعب للشؤون الخارجية، بتاريخ 19 أبريل 1941 مرفقة بخطاب السفير الانجليزي في الاتحاد السوفيتي، كريبس،إلى نائب مفوض الشعب للشؤون الخارجية، ا.يا. فيشينسكي، وقال فيها: 

لقد تلقيت من مصادر موثوق فيها، معلومات مؤكدة أن الألمان وبعد أن تيقنوا من أن يوغوسلافيا صارت في شباكهم ، أي بعد 20 مارس، بدأوا في الدفع إلى جنوب بولندا  بثلاث من فرقهم الخمس الموجودة في رومانيا. وحين علموا بثورة الصرب قاموا بوقف هذه التحركات. ولعل فخامتكم يمكنكم بسهولة تقدير معنى هذه الوقائع".

وهنا نصل إلى العلامة الفارقة في تاريخ الحرب العالمية الثانية على مسرح عمليات الجبهة الشرقية في ستالينغراد.

وكان الزعيم السوفيتي، جوزيف ستالين، تطرق إلى الكتابة عنها لإطلاع رئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشيرشل، حول مجرياتها، مستهلا رسائله في الثالث من أكتوبر 1942 بإيجاز مدى ما وصلت اليه الأوضاع هناك من صعوبات اعتبارا من مطلع سبتمبر من نفس العام.

وفيما كشف عن مدى تفوق القوات الألمانية في العتاد والمعدات ولا سيما القوات الجوية بما يبلغ الضعف، أعرب ستالين عما تحتاجه القوات الجوية السوفيتية من مقاتلات، قال إن بريطانيا يمكن أن ترسل منها 300، فيما ترسل الولايات المتحدة 500 ، سعيا من أجل تحسين الأوضاع على الجبهة. وكشف ستالين عن عدم صحة معلومات الاستخبارات البريطانية حول أن ألمانيا تنتج شهريا ما يزيد عن 1300 من المقاتلات، حيث أن الحقيقة تقول إنها تنتج شهريا ما لا يقل عن 2500 طائرة. 

وتتوالي "الرسائل السرية" و"السرية للغاية" بين الزعماء الثلاثة التي يتبادلون فيها المعلومات حول سير العمليات والتقدم الذي تحرزه جيوش وقوات كل من البلدان الثلاثة في شمال أفريقيا وعلى مسرح العمليات في ستالينغراد، في نفس الوقت الذي يواصل فيه الزعيم البريطاني، ومنذ نوفمبر 1942، إقناع تركيا بالانضمام إلى قوات الحلفاء. 

وكان ستالين بعث في 27 نوفمبر رسالة إلى نظيره البريطاني تشيرشل يعرب فيها عن أمله في ألا يتراجع عن وعوده له في موسكو حول افتتاح الجبهة الثانية في أوروبا مع حلول ربيع عام 1943، في نفس الوقت الذي عاد ليطرح فيه فكرة عقد مؤتمر يضم ممثلي البلدان الثلاثة في موسكو لتنسيق الجهود اللازمة لتنفيذ خطة الحرب في عام 1943. 

وفي الرابع من ديسمبر 1942 بعث تشيرشل برسالة "سرية للغاية" مقرونة بخاتم "خاص جدا" إلى ستالين، يبلغه فيها أن الرئيس الأمريكي روزفلت"، الذي طالما تعود الإشارة إليه في رسائله بـ"الرئيس"، يطرح فكرة لقاء ثلاثتهم في مكان ما في شمال أفريقيا في غضون يومين أو ثلاثة، معربا عن أمله في أن يلقي هذا الاقتراح موافقة ستالين، من أجل تنسيق الجهود اللازمة وبحث أفضل السبل لتوجيه الضربات إلى القوات الألمانية في أوروبا في عام 1943. غير أن ستالين ورغم إعرابه عن ترحيبه باللقاء الثلاثي، إلا أنه اعتذر عن تلبية الاقتراح نظرا لأنه لا يستطيع أن يغادر الاتحاد السوفيتي في مثل تلك الظروف، التي تواصل فيها القوات السوفيتية حملاتها الشتوية. وعاد مرة أخرى ليقول إنه ما يزال ينتظر رأي الزعيمين البريطاني والأمريكي في أمر افتتاح الجبهة الثانية في أوروبا في عام 1943. وأشار ستالين إلى أن المعارك تتواصل ضارية على الجبهة المركزية، وفي منطقة ستالينغراد، مشيرا إلى أن القوات الروسية تواصل حصارها لمجموعة من القوات الألمانية على مشارف المدينة. 

وردا على هذه الرسالة بعث تشيرشل برسالة تحمل خاتمي "سري للغاية" و"خاص جدا" في 12 ديسمبر 1942 ، يقول فيها إنه لا يستطيع الإجابة على سؤال ستالين في رسالتيه بتاريخ 27 نوفمبر ، و6 ديسمبر حول افتتاح "الجبهة الثانية" إلا بالتعاون مع رئيس الولايات المتحدة، وقال إن هذا بالذات هو ما دفعه إلى طرح فكرة اللقاء الثلاثي، وإن أشار إلى تفهمه وروزفلت لعدم إمكانية مغادرة ستالين للاتحاد السوفيتي بسبب تواصل عملياته العسكرية الكبيرة. 

وتوالت رسائل تشيرشل ومنها رسالته المؤرخة في 30 ديسمبر التي أعرب فيها عن ارتياحه لما تحققه القوات السوفيتية من انتصارات في الجنوب ومنها منطقة ستالينغراد والتي كان ستالين أشار في لقائه معه في موسكو أنها تحمل الكثير من الأهمية بعيدة المدى. 

وفي 16 يناير 1943 بعث ستالين إلى تشيرشل رسالة "سرية وخاصة" يبلغه فيها بأن عمليات القوات السوفيتية ضد القوات الألمانية على مختلف الجبهات "تسير على ما يرام". وأكد ستالين في هذه الرسالة أن القوات السوفيتية في سبيلها إلى تصفية مجموعة القوات الألمانية التي كانت تحاصرها عند مشارف ستالينغراد.

وردا على هذه الرسالة، بعث تشيرشل إلى ستالين في اليوم التالي 17 يناير 1943 رسالة تحمل أيضا خاتم "سرية وخاصة"، يقول فيها إن القوات البريطانية ألقت فوق برلين 142 طنا من القنابل شديدة الانفجار، و218 طنا من القنابل الحارقة.

وفي 18 يناير بعث تشيرشل إلى الزعيم السوفيتي يقول فيها إن قواته واصلت ليلا إلقاء القنابل فوق برلين، وإنها ألقت منها 117 طنا من القنابل شديدة الانفجار ، و211 طنا من القنابل الحارقة. 

ومضى الزعيمان في رسائلهما يبلغان كل منهما الآخر بتطورات نجاحات كل من قواتهما، فيما أعرب ستالين عن أسفه في رسالته التي بعث بها إلى تشيرشل في 3 مارس 1943 لأن القوات السوفيتية لا تستطيع أن تشارك بعد في قصف برلين، لأسباب تعود إلى انشغالها بخوض المعارك الضارية على مختلف الجبهات الأخري.

ومن الملاحظ هنا أن تشيرشل الذي كان يعنون رسائله دوما إلى ستالين بـ"السيد رئيس الوزراء" سرعان ما تحول الي مخاطبته بالمارشال ستالين.

ولم يمض من الوقت الكثير حتى بادر المارشال ستالين بإرسال خطاب إلى تشيرشل يبلغه فيه بنجاح القوات السوفيتية في تحرير واستعادة العديد من المدن علي ضفاف نهر الفولغا، فضلا عن الانتصار الحاسم الذي حققته بسحق القوات الالمانية في معركة ستالينغراد التي يعتبرونها "أضخم حدث سياسي عسكري في تاريخ الحرب العالمية الثانية"، بعد مائتي يوم من القتال الضاري، والذي انتهى بأسر قائد القوات الألمانية الفيلد مارشال باولوس، ومعه أبرز رموز القيادات الهتلرية. وكانت هذه المعركة التي احتدمت الكثير من مشاهدها بين شوارع وميادين ستالينغراد على ضفاف الفولغا، بداية النهاية لمحاولات القوات النازية الرامية إلى الاستيلاء على واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية والصناعية الضخمة، وقطع المواصلات والاتصالات بمناطق القوقاز وبقية أرجاء الاتحاد السوفيتي.

ونخرج عن دائرة الرسائل المتبادلة لنشير إلى واقعة كثيرا ما تتضمنها أفلام الحرب وقصص الانتصارات السوفيتية، وتتعلق بأن الجانب السوفيتي تلقى عرضا من الجانب الألماني يعرض فيه استبدال ابن ستالين، الذي كان قد وقع في الأسر الألماني، بقائد القوات الألمانية في معركة ستالينغراد، فريدريك باولوس. وهو ما أجاب عليه ستالين، بعد صمت لم يدم طويلا: أنه لا يبادل جنديا بفيلد مارشال"!!!

ونلتقي في الحلقة القادمة، الثالثة والاخيرة، التي نستعرض فيها آخر المراسلات السرية بين ستالين وتشيرشل وروزفلت وخلفه ترومان، وما تطرقت إليه من تفاصيل حول مجريات المرحلة الاخيرة من الحرب ومنها ما يتعلق بنتائج مؤتمرات طهران ويالطا التي رسمت حدود أوروبا والعالم فيما بعد الحرب العالمية الثانية.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا