دلالات وتداعيات هجوم كركوك

أخبار العالم العربي

دلالات وتداعيات هجوم كركوك عناصر من البيشمركة داخل كركوك
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/i5d5

رغم أن هجوم "داعش" على كركوك فجر يوم الجمعة قد دُحر، فإن تداعياته لا تزال تتوالى على المشهد السياسي العراقي والمشهد الميداني حول الموصل.

وفيما استعدت بغداد وأربيل وأنقرة والمنظمات الدولية والمحلية لاستقبال النازحين من جراء معركة الموصل، فوجئ الجميع بموجة من النازحين أجبرتها سلطات أمن كركوك على مغادرة المدنية بعد هجوم "داعش" الأخير عليها.

وقد أعربت الأمم المتحدة عن قلقها إزاء إجبار السلطات الكردية 250 عائلة نازحة من العرب على مغادرة كركوك بعد الهجوم الإرهابي الفاشل على المدينة الخاضعة لسيطرة الكرد، ووصفت الخطوة بأنها عقاب جماعي.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق ليز غراند إن "هذا الإجراء جاء قبل أيام من نزوح جماعي متوقع في مدينة الموصل بشمال العراق؛ حيث تشن القوات العراقية هجوما ضد "داعش" بدعم من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة".

وبحسب كتلة "العربية البرلمانية"، التي يرأسها نائب رئيس الوزراء العراقي السابق صالح المطلك، فإن "القوات الكردية من "البيشمركة" والأمن الداخلي (الأسايش) ترغم سكان عدد من الأحياء العربية والمختلطة جنوب كركوك على مغادرة منازلهم بتهمة مساعدة "داعش"؛ ما يدفع باتجاه الصدام بين مكونات المدينة".

وعلى الرغم من نفي محافظ كركوك نجم الدين كريم تهجير النازحين من محافظة نينوى، فإنه رأى أن عدم تهيئة الحكومة المركزية الظروف الملائمة لعودة النازحين إلى مناطقهم المحررة هو "نصر لـ "داعش".

بدوره، اتهم عضو لجنة المرحلين والمهجرين النائب أحمد السلماني المحافظ باستغلال ملف النازحين في أكثر من واقعة، موضحاً أنها ليست المرة الأولى التي يعمد فيها كريم للضغط على الحكومة الاتحادية بملف النازحين.

ورغم ان مسؤولين في مجلس محافظة كركوك أكدوا أن قرار طرد بعض النازحين موجه ضد المشتبه في تعاونهم مع "داعش"، وأن هناك عددا من النازحين غير مسجلين لدى الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يتطلب مزيدا من التدقيق والمتابعة، فإن عضو "المجموعة العربية" في مجلس محافظة كركوك معن الحمداني، أقر بأن الأجهزة الأمنية طلبت من العديد من العوائل بضرورة المغادرة إلى مخيم ليلان.

وهكذا بات هجوم كركوك من أبرز تداعيات معركة الموصل، وبات ورقة ضاغطة على اتفاق بغداد وأربيل من جهة، وعلى أربيل والسليمانية من جهة ثانية، وعلى مجريات معركة الموصل التي قاربت بين أربيل و"الحشد الوطني" من جهة أخرى.

فهل ستنجح تداعيات هجوم كركوك بتحويل دفة الصراع من صراع طائفي إلى صراع عرقي؟

وهل استهدف هجوم كركوك تشويه صورة إقليم كردستان بعد أن احتضن النازحين من المحافظات التي سقطت بيد "داعش" بعد يونيو/حزيران 2014؟

وهل كان الهدف فرملة الاتجاه نحو معركة الموصل التي قد تفتح بابا أوصدته بغداد منذ نهاية 2007 حين عطلت تنفيذ المادة 140؟

للإجابة على هذه الاسئلة، نحاول أن نتوقف هنا على إجابات لبعض العرب والتركمان الذين تعرضوا للنزوح مرة أخرى من كركوك بعد أن نزحوا إليها في 2014.

أحد النازحين وهو عربي، يقول إنه "نزح إلى مدينة كركوك فرارا من ناحية سليمان بيك، التابعة لقضاء طوزخورماتو في محافظة صلاح الدين، بعد سيطرة "داعش" عليها عام 2013، لكنه بدأ يتعرض لمضايقات وتهديدات من قوات الأمن الداخلي الكردية (الأسايش) عقب هجمات "داعش" الأخيرة، لذا فهو مضطر إلى مغادرة كركوك مرة أخرى رغم استكماله الإجراءات الأمنية كافة كجرد العائلة وتأييد وزارة الهجرة والمهجرين، فضلاً عن تأييد مختار المنطقة التي عمدت السلطات الأمنية إلى تمزيقها".

أما أشرف التركماني، فلا تختلف قصته كثيرا، حيث قال إنهم "نزحوا من قضاء تلعفر غرب الموصل إلى كركوك، وإنهم الآن مضطرون إلى مغادرتها بعد أن تم استغلال الأوضاع الأخيرة للتنكيل بالنازحين". وقال إنهم "أُعطوا مهلة ثلاثة أيام لمغادرة منطقتهم شمال كركوك؛ مؤكدا أن مجلس المحافظة لم يقدم لهم أي مساعدة سوى بيانات الاستنكار التي لم تحمنا من بطش بعض الجهات".

ورغم أهمية ضبط وربط أوضاع كركوك الأمنية بما لا يسمح لهجوم آخر، فإن اخذ البريء من النازحين بجريرة المجرم لا يحفظ أمنا، وهو قد يكون أحد أهم أهداف هجوم كركوك الذي استهدف إحداث شرخ بين أربيل والسليمانية من جهة، ومن جهة أخرى بين العرب والكرد بعد تقارب نادر حصل بينهم خلال العامين الأخيرين. وهو تقارب ليس عميقا بما فيه الكفاية ليصمد أمام تداعيات هجوم كركوك الأخير.

وكركوك تمثل قضية كبرى للكرد والتركمان والعرب، وهي أم القضايا في العراق والتي بسببها قد تتدخل تركيا. وكركوك لم يزل جرحها السياسي مفتوحا منذ تعطيل تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي نهاية عام 2007.

فمنذ ذلك اليوم، ابتعدت أربيل عن بغداد، وتفكك التحالف الرباعي الذي جمع حزب "الدعوة" و"المجلس الأعلى الإسلامي" مع حزبي "الاتحاد الوطني الكردستاني" و"الديمقراطي الكردستاني"، حتى سقطت الموصل في 2014.

ويبدو أن سقوط الموصل كان يستهدف إخضاع أربيل لأجندة بغداد كجزء من الصراع على طبيعة العراق الجديد - هل هو فدرالي كما تريد أربيل وكما هو مثبت في الدستور؟ أم مركزي كما تريد بغداد؟ ومن هنا عطلت بغداد في عهد المالكي تنفيذ المادة 140 التي كانت ستفتح الباب لفدرلة باقي المحافظات.

ولكن سقوط الموصل تسبب بعكس ذلك. فلقد قارب بين العرب والكرد، ولم تستسلم أربيل لبغداد، بل واتفقت مع العبادي برعاية اميركا على اليوم التالي لـ"داعش"، وهو يوم قد يفتح الباب للمادة 140.

ومن هنا يمكن اعتبار محاولة إسقاط كركوك عام 2016 نسخة أخرى من سقوط الموصل عام 2014. وذلك بهدف إرغام أربيل على التنازل أكثر لبغداد وفرملة الاتجاه نحو معركة الموصل ونحو الفدرلة من جهة، وإحداث شرخ في البيت الكردي وفي تقارب العرب مع الكرد من جهة أخرى. فهل ستنجح تداعيات هجوم كركوك في كل ذلك أو في بعضه؟ 

عمر عبد الستار