مصر ولبنان.. سعادة مؤقتة تنتظر الحكومتين!

أخبار الصحافة

مصر ولبنان.. سعادة مؤقتة تنتظر الحكومتين!
الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي (صورة أرشيفية)
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/m4h9

تمر الأزمة الاقتصادية العالمية بمرحلة جديدة، تعتمد فيها أسعار الوقود في القاهرة على قرارات تتخذها واشنطن وبروكسل.

لقد سجل مؤشر PMI (ترقب الصعود والهبوط) للقطاع الصناعي في أوروبا واليابان والصين هبوطا ملحوظا في الأشهر الماضية، في الوقت الذي يقترب فيه هذا المؤشر في الولايات المتحدة الأمريكية من المنطقة الحمراء. من جانبه طالب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، البنك المركزي الأمريكي بخفض سعر الفائدة، والبدء بطباعة النقود، بهدف تحفيز الاقتصاد، بينما يتوقع الجميع، أن يتخذ مجلس الاحتياطي الفدرالي قرارا كهذا قبل نهاية العام الجاري، وغالبا خلال شهر يوليو الجاري.

ومن المتوقع كذلك، أن يلجأ البنك المركزي الأوروبي لإجراءات مشابهة، بسبب أن الوضع في أوروبا يبدو حتى أكثر قتامة من الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية والصين. كما نشهد تباطؤا في نمو الاقتصاد الصيني، ويواصل البنك المركزي هناك هو الآخر تطبيق سياسة التحفيز. أمّا اليابان فلم تتوقف يوما عن ضخ تريليونات الين في اقتصادها، ولم تتمكن على الرغم مع ذلك، من بلوغ نمو اقتصادي ملحوظ، وإنما استطاعت بذلك فقط تجنب ركود كبير.

هنا يجدر بنا العودة للمثل الروسي القديم: "قد تجفّ دهون البدين، لكن من سيموت هو النحيف".

ستصبح الدول النامية، ومن بينها تلك التي تعاني من عجز ضخم في الموازنة الحكومية، وعجز هائل أو كبير في الميزان التجاري والمدفوعات الخارجيين، ودين خارجي ضخم، هي الدول الأكثر هشاشة وتضررا من الأزمة المالية العالمية.

فعجز الموازنة، والميزان التجاري والمدفوعات، والديون الخارجية، ترتبط ببعضها البعض. فالدولة تدعم السلع، المستوردة غالبا، للمواطنين من خلال تعزيز العملة المحلية بشكل مصطنع، وذلك للحفاظ على مستوى مقبول لحياتهم. يدفع ذلك إلى مزيد من الاستيراد، وبالتالي مزيد من العجز في ميزان التجارة الخارجية، فيؤدي شح العملة الصعبة إلى لجوء الحكومة إلى مزيد من القروض الخارجية، التي يجب سدادها، وحينما تعجز الحكومة عن سداد القروض، لعدم توفر الأموال، تعاني من عجز في الموازنة، وتضطر إلى الحصول على قروض جديدة، لسداد القديمة.

تتصدر قائمة هشاشة الاقتصاد من بين الدول العربية لبنان وجيبوتي ومصر. لن أتطرق هنا لجيبوتي، لصغر حجم اقتصادها، وسهولة حصولها على قروض "سياسية". أما بالنسبة للبنان، وبالذات بالنسبة لمصر، فإن القروض "السياسية" إمّا لا تكفي، وإمّا باهظة التكلفة خصما من السيادة الوطنية، كالاعتراف مثلا بالقدس عاصمة لإسرائيل، في إطار "صفقة القرن"، وهو أمر تصعب الموافقة عليه من قبل حكومتي هاتين الدولتين.

أما بديل الاقتراض من الخارج، فهو رفع الدعم، وما يمكن أن يصحبه من انفجار مجتمعي، يشبه ما حدث في الربيع العربي، وهو بطبيعة الحال أمر غير مقبول بالنسبة لحكومتي البلدين. لذلك تستمر الحكومتان في الاقتراض، وبالتالي يزداد عجز الموازنة، ويلوح شبح الإفلاس، بالتزامن مع زيادة الفائدة على الديون، وهكذا دواليك في حلقة مفرغة.

لذلك كانت المشكلة الأساسية بالنسبة لمصر، وللبنان، في السنوات الأخيرة، هي محدودية أو عدم توفر قروض منخفضة الفائدة في السوق الخارجي، ما اضطر الحكومتان إلى الاقتراض بكثافة من السوق المحلية وبالعملة المحلية، بفوائد مرتفعة، الأمر الذي أدى إلى عجز هائل في موازنة الحكومتين، وعليه فلن يتمكن الاقتصاد الحكومي من تحمل هذه الأوضاع لمدة طويلة.

لكن من حسن الطالع لكل من لبنان ومصر وغيرهما من الدول التي تعاني من مشكلات مشابهة، أن وضع الاقتصاد العالمي مستمر في التدهور، بينما تقف البنوك المركزية في كبرى الاقتصادات العالمية على أعتاب خطوات هائلة وواسعة النطاق في عملية تحفيز الاقتصادات. لذلك سوف تتدفق تريليونات الدولارات، واليوروهات، والجنيهات الإسترلينية، والين إلى أسواق المال العالمية.

سوف تنتعش البورصات المالية بلا شك جراء ذلك، لكن جوهر الأزمة الاقتصادية العالمية، في وجود غزارة في الإنتاج، نلاحظها فقط في الاقتصاد الحقيقي، وليس الافتراضي. فهناك بضائع وإنتاج وعرض أكثر بكثير من الطلب والقدرة على الدفع. لهذا السبب لم يعد الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي يحقق ربحا، وهنا تحديدا مربط الفرس. فغياب الربح، بل والخسارة في قطاعات الإنتاج لدى الغرب، هما ما يدفعان البنوك المركزية إلى خفض سعر الفائدة على القروض، الأمر الذي سيزيح شبح الإفلاس عن الاقتصاد الحقيقي لبعض الوقت.

لذا أصبحت هناك أماكن قليلة في العالم، يمكن فيها استثمار النقود في إنتاج حقيقي، بأرباح مرتفعة. أما في اقتصادات الدول المتقدمة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان فلم يعد هناك موطئ قدم لاستثمار كهذا، وعليه فسوف تتدفق الأموال التي ستنقذ بها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان اقتصاداتها إلى أسواق الدول النامية، حتى مع إهمال عامل المخاطرة، من أجل ربح أعلى قليلا، وسوف تصارع البنوك الأوروبية قريبا من أجل منح قروض لأصغر القرى في أكثر الدول الإفريقية فقرا، طمعا في الحصول على نسبة قدرها 8% على تلك القروض لسبب بسيط، هو أن نسب الفائدة على القروض في البنوك المركزية الأوروبية قد أصبحت بالسالب، ومنح قروض لبنوك بالقطعة بنسبة 2-3% هناك سوف يعود بالخسارة على تلك البنوك.

سيعمل هذا التحفيز على تأجيل المشكلات الضخمة لدى أكبر الدول المدينة في العالم النامي، بما في ذلك الدول العربية ذات الأوضاع الأكثر تدهورا. وسوف ينخفض سعر الفائدة على تلك القروض، وستتمكن حكومات تلك الدول من الحصول على قروض بقدر ما تشاء، وبالتالي ستزيد من ديونها الخارجية إلى أرقام خيالية وجنونية، وهو ما سيخلق حالة مؤقتة من الرخاء الزائف، بل وقد تسهم هذه القروض في خفض أسعار الوقود.

لكن، وكما كان الوضع في السابق، فإن التحفيز الضخم لن يفعل سوى تأجيل الموجة القادمة من الأزمة، ووراء تلك الموجة من التحفيز، سوف تكون هناك قطعا موجة جديدة من الأزمة الاقتصادية، وحينها سيعم الشك والخوف أسواق المال حول العالم، وسوف تصبح القروض أكثر ندرة من ذي قبل كما حدث في عام 2008، عندما انهار بنك "ليمان براذرز". وساعتها، سيعاني من حصلوا اليوم على قروض أكثر بأسعار فائدة منخفضة، من تعقيدات وتضاعف في حجم المشكلات التي سيواجهونها غدا، بل وقد يصيب بعضا منهم الإفلاس.

لهذا تقف كل من مصر ولبنان أمام مفترق طرق، واختيارات صعبة. فإمّا الاستمرار في سياسة التقشف، ورفع الدعم، بما في ذلك دعم الوقود، وإما الاستسلام لإغراء القروض، وتحسين معيشة المواطنين مؤقتا، فتصبح فرص التعامل مع الأزمات في المستقبل أقل وأصعب.

المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا

مهمة خاصة لإنقاذ كلب عالق في أستراليا