ABBA.. Queen وحرب باردة في الكرملين

الثقافة والفن

ABBA.. Queen وحرب باردة في الكرملين
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/jfq9

قدمت أوركسترا موسكو الفيلهارموني الروسي حفلا بقيادة المايسترو السويدي أولف فادينبراندت في "الكرملين"، حيث عُزفت ألحان اثنتين من ألمع الفرق الموسيقية في العالم.. ABBA وQueen.

في انتظار بداية الحفل، تبادلت أطراف الحديث مع سيدة كانت تجلس بجواري، أعربت عن رغبتها بأن يكون الحفل بمستوى الفرقتين الشهيرتين، فقلت لها إن الحفل سيكون جيدا بغض النظر عن أداء الأوركسترا، لأن المادة الخام جميلة بحد ذاتها، ولن تظهر بشكل سيء في أي حال من الأحوال، حتى لو كان قائد الأوركسترا طالب في السنة الثانية بكلية الجغرافيا راسب سنتين.

في الحقيقة، ما كان يقلقني فعلا، هو أن تطغى مهارات الموزع الموسيقي على اللحن الأصلي، وذلك لشغف الموزعين الموسيقيين باستغلال الفرصة السانحة للتعبير عمّا يظنونه مواهبهم، فيضيع اللحن في فوضى الزخرفات والزركشات وهو ما نجح المايسترو السويدي أولف فادينبراندت في التأكيد عليه.. وهو الشيء الوحيد الذي نجح فيه!

لم يكن الأداء انعكاسا لأي توزيع موسيقي بالمعنى التقليدي، وإنما كان أقرب لمجرد عزف ألحان معروفة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأداء لم يقتصر على الأوركسترا، وإنما كان مصحوبا بأصوات مغنيين رئيسيين ومجموعة من المغنيين المرافقين الذين كان أداؤهم أفضل.. فبدا الأمر وكأنه عزف لأناشيد في طابور الصباح، في قرية ريفية يرافقه غناء، بأداء مدرب التربية البدنية وعدد من تلاميذه.

gimme gimme gimme.. واحدة من أشهر أغاني الـ آبا التي قد تسبب كلماتها نوع من الإحراج إذا ما كان المغني رجلا، إذ أنها مسجلة بصوت نسائي، فتساءلتُ.. هل سيغني الشاب النص الأصلي؟ أي "أعطني رجلا بعد منتصف الليل"؟ لكن الشاب حوّل "الرجل" إلى "امرأة" وكان هذا حلا مناسبا، لأن "أعطني رجلا" كما هو في النسخة الأصلية، قد تكون غير ملائمة للشبان دائما، وتجعل من الصعب أن يدندن بها شاب وهو في "الدوش" مثلا أو وهو يتعطر استعدادا للقاء حبيبته.

قدمت أوركسترا موسكو أغاني آبا التي تُقدم عادة في الحفلات، والتي تعد بطاقة التعريف بالفرقة السويدية المعروفة، فظلت العديد من الأغاني الجيدة خارج التغطية علما أن بعضها أجمل، حسب وجهة نظري، من تلك الأغاني المشهورة على غرار waterloo وmoney money money وmamma mia وdancing queen وsummer night city.

من تلك الأغاني التي لا تحظى بالاهتمام المستحق أغنية if it wasn't for the nights، التي أضعها على قمة إبداعات بني أندرسون وبيورن أولفيوس في مرحلة الـ آبا. وكم كانت سعادتي بالغة حينما سمعت طفلة تسأل والدتها بعد انتهاء الحفل.. لماذا لم تعزف الأوركسترا هذه الأغنية.

الملفت أن الكثير من الموسيقيين الذين اشتهروا بتوزيع الأغاني، بما في ذلك أغاني الـ آبا، لم يلتفتوا إلى الأغنية المُشار إليها على النحو المتوقع، على عكس العديد من الموسيقيين الهواة، ممن قاموا بتوزيع هذه الأغنية بإمكانيات متواضعة، وأحد هؤلاء طرح مقطع فيديو، أدى فيه اللحن بشكل رائع.. حتى أن ناشطا علق بأن التوزيع أفضل من الأصل.

كما عُزف لحن does your mother know وهي من الأغاني النادرة التي سُجلت بصوت بيورن أولفيوس. وعلى الرغم من أن كلمات الأغنية عادية وبريئة إلا أنها ربما باتت تكتسب معنى آخر وتطرح مسألة ملحّة الآن، وتعيد إلى الأذهان أغنية ثانية هي mama don't know papa don't care.

انتهى الجزء الأول من الحفل، الذي بدا واضحا أنه كان مخصصا لفرقة آبا، ليبدأ الجزء الثاني المخصص لـ كوين، علما أنني كنت أفضل لو تتقاطع موسيقى الفرقتين وتمتزج في ما بينها.

وهنا انتقل الجمهور من أغنية "الملكة الراقصة" إلى فرقة "الملكة"، ومن أغنية mamma mia إلى mamma mia let me go من القطعة الخالدة Bohemian Rhapsody، اللتين ظهرتا بفارق أيام معدودة عام 1975.

تلك القطعة التي وضعت الفرقة البريطانية في مصاف أبرز المجموعات الموسيقية، وسجلت اسم فريدي ميركوري ضمن أهم أسماء الموسيقيين المعاصرين، ممن يتمتعون بميول إلى تأليف مقطوعات أقرب إلى الموسيقى الكلاسيكية، شأنه في ذلك شأن بيني أندرسون، وهو ما تجلى بألحان الأخير في ما بعد الـ آبا، وإن كان هناك توزيع بنفحة أوركسترالية - سيمفونية في بعض أغاني الفرقة السويدية الألمع.. علما أن ألحان ميركوري أعمق وأكثر تعقيدا.

وقد جمع الموسيقار البريطاني رينر هيرش بين ميركوري وأندرسون، حينما قدم جزءا من أغنية "كوين" الأشهر، مطلقا لمخيلته العنان لكيفية أداء لحن فريدي بأسلوب بيني لا العكس.. وذلك في الدقيقة 03:02 من الفيديو أدناه.

قدم أولف فادينبراندت نخبة من أروع ألحان الفرقة البريطانية، بعد أن تخلى عن الرسميات وخرج للجمهور وهو يرتدي بنطالا عاديا و"تيشيرت"، وراح يلوح بيديه وكأنه يعارك شبحا ماكرا "يتنطط" على جانبي المنصة، فكان يقود الأوركسترا تارة والجمهور تارة أخرى، وليبدو وكأنه فلاح خرج من مزرعته ليؤدي دور قائد أوركسترا في برنامج الكاميرا الخفية.

كان الأداء الأفضل للأوركسترا في أغنية "بارسيلونا". إذ جاءت بمثابة قطعة الكرز الشهية على التورت خالي الدسم، ربما لأن برشلونة حاضرة في السياسة، التي كانت تسير جنبا إلى جنب في الجزء الثاني من هذا الحفل الموسيقي. وربما لو نالت كتالونيا استقلالها، لتحولت هذه الأغنية العاطفية إلى النشيد غير الرسمي للدولة الفتية، تماما كما هو حال أغنية "ماتيلدا" في أستراليا و"يروشلايم شيل زاهاف" في إسرائيل و"يا حبيبتي يا مصر".. في مصر طبعا.

في كل مرة أسمع فيها أغنية من أغاني "كوين"، تعود بي الذاكرة إلى موقف شخصي حدث عام 1984، حين اكتشفت أغاني هذه الفرقة العظيمة.

كنت في ذاك اليوم برفقة أصدقائي في بيت صديق مشترك، استعدادا لمشاهدة فيلم مثير. وبينما نحن ننتظر ساعة الصفر دخلتُ غرفة صديقي وشغّلت المسجل، فصدحت ألحان فريدي ميركوري. حان الوقت لأداء المهمة التي تجمعنا من أجلها، إلا أنني لم أكن قادرا على ترك الموسيقى لمشاهدة الفيلم، فتجاهلت دعوات أصدقائي المتكررة.. وهكذا حتى داهمتنا ربة البيت فضيعت الفرصة الذهبية ولكنني ربحت "الملكة".

قارب الحفل على الانتهاء، وكنت أظن أن أولف فادينبراندت سيضع نقطة الختام بأغنية thank you for the music أوshow must go on.. إلا أنه أنهى الحفل بأغنية the final countdown للفرقة السويدية europe، وهو ما أعادني إلى السياسة مجددا، وذلك في ظل استفتاءات الاستقلال التي تعصف بالقارة الزرقاء، في إسبانيا وإيطاليا واسكتلندا.. فهل بدأ العد التنازلي لأوروبا؟

من الطبيعي أن يتبادر إلى ذهنك هذا التساؤل، حينما تسمع أغنية wind of change بأداء أوركسترا موسكو "الفيلهارموني الروسي" في هذا الحفل، فتعود بك الذاكرة إلى نهاية الثمانينيات، عندما كانت الأغنية بمثابة النشيد الذي يعلن انتهاء الحرب الباردة، النشيد الذي سبق سقوط جدار برلين بأشهر، لا سيما وأن لهذه الأغنية في الظرف الراهن وقع آخر.. إذ يرى البعض أننا نشهد إغلاق قوس مرحلة السلام بين روسيا والغرب.

حقا.. إذا لم تنشغل بالسياسة فالسياسة ستنشغل بك.

ولكن.. ومع كل ما حمله الحفل من إيماءات سياسية، على الأرجح غير مقصودة، وبعيدا عن أداء الموسيقيين والمغنيين.. إلا أن الموسيقى في قصر الكرملين عادت بمن حضر الحفل إلى فن الزمن الجميل، زمن الفن الذي يمكننا تلمسه.. وإن كان بأداء المايسترو السويدي أولف فادينبراندت.

علاء عمر

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا

حلول صندوق النقد الدولي "لإنقاذ" لبنان من الأزمة الاقتصادية والمالية