حوار أم حرب؟

أخبار الصحافة

حوار أم حرب؟
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/mibu

في مطلع سبتمبر من العام الجاري 3/9/2019 نشرت قناة (روسيا اليوم) على موقعها الإلكتروني مقالا بعنوان (في الملفين السوري والفلسطيني.. الماء لا يجري تحت الحجر الهامد)، والذي تطرقت فيه إلى المشاكل التي تعانيها سورية اليوم، وفي ذات الوقت إلى ما يجري أيضاً في منطقة الحكم الذاتي الفلسطينية. أما صلب الموضوع في هذه المقالة فهو: «حل المشاكل الملحة والأساسية لشعوب البلدان العربية لا يتأتى إلا بتحقيق الوحدة بين القوى الوطنية الغيورة على أوطانها، والقوى المحبة للسلام».

لقد سبق لي أن أكدت، وما زلت أؤكد بأن السوريين، وعلى رأسهم القوى السياسية الأقوى والأكثر تنظيماً، هم من يجب أن يبادر بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2254)، وأن يسعوا جاهدين نحو تشكيل اللجنة الدستورية التي سيناط بها وضع الدستور ستعيش البلاد به وقت السلم.

وقلت رأيي بأن ما يبديه الساسة السوريون من خمول وتقاعس سياسي، إنما يدل إما على عدم رغبتهم، أو عدم استطاعتهم البدء في العملية التي ستسوقهم حتماً إلى مرحلة التغيير والإصلاح في البلاد. ويخيل لي أنهم اعتبروا بأنه طالما أن القيادة السورية قد تمكنت بمساعدة روسيا من دحر الإرهابيين، فكل شيء آخر، عدا ذلك، تتولاه السلطات السورية وحدها، دون غيرها، بعد استعادتها لكامل سلطاتها الفعلية. وهذا يعني باختصار القول وبلغة بسيطة، غير عصية على الفهم، بأنهم قرروا حل مشاكل البلاد بدون إدخال أية تعديلات على دستورها، وبدون إجراء أية تغييرات في حياة البلاد بشكل عام.

أي إعادة سورية إلى ما كان عليه من وضع قبل اندلاع الحرب التي سلبتها كل مقدراتها. ولعله من نافل القول، وتكرار المعروف أن مثل هذا الموقف لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقلل سعة الهوة السياسية بين السلطات السورية والشريحة الاكبر من الشعب السوري بكل ما تعنيه هذه الكلمة، بل على العكس، ستزداد سعة هذه الهوة إلى أحجام، سوف تعيد البلاد مرة أخرى إلى الانقسام إلى معسكرين متحاربين ومتخاصمين دون هوادة.

ومن البديهي أن ذلك المقال أثار عاصفة من النقاش، سواء في وسائل الإعلام السورية، أو في أوساط الصفوة السياسية للبلاد. إلا أن أغلبية من اطلع على المقال وافقني في وجهة نظري. وهناك، بالطبع، من خالفني الرأي، ومن بينهم- كما علمت- كانت دمشق الرسمية. حيث وجه لي البعض من الشخصيات الرسمية ومن ساسة سورية اتهاما بأنني أقلل من شأن القيادة السورية، ومن دور الجيش السوري في تحقيق النصر على الإرهاب، وحفظ كيان الدولة السورية، وأبالغ في ذات الوقت في ذلك الدور الذي لعبته روسيا في تحقيق هذا النصر, وإزاء ذلك لا يسعني إلا القول بأن هناك حقيقة ثابتة، لا يجادل فيها إلا جحود، ولا ينكرها إلا غشوم، وهي أن مشاركة القوات الجوية الفضائية الروسية، وغيرها من وحدات الجيش الروسي في المعارك التي دارت على الأرض السورية، هي التي حسمت نتائج المعركة ضد الإرهاب.

وفي ذات الوقت، أود التأكيد، للحق، بأن الجيش السوري قد خاض المعارك ببطولة فائقة على مدة السنوات الأربع كلها، وأبدى بسالة يضرب بها المثل، رغم ما تكبده من ضحايا وخسائر أمام عدو شرس، ماكر ولدود.

وأود التنويه هنا بأن مدينة اللاذقية والمناطق المحيطة بها، والتي ينحدر منها الرئيس الحالي لسورية، قد عانت بشدة من أهوال الحرب، ولم تبق فيها أسرة واحدة إلا وفقدت أحد أبنائها. وقد علمت بأن الإرهابيين كانوا يلجؤون إلى تعذيب رفاق وأقارب الجنود السوريين للنيل من روحهم المعنوية، لكن جنود وضباط الجيش السوري صمدوا ونجحوا في منع وقوع المزيد من الضحايا وسط السكان الأمنين، وبالأخص بين النساء والأطفال.

ومع ذلك لا يوجد أي جدال أو شك بأن مصير البلاد في تلك الفترة كان قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، حيث سيطر الإرهابيون على حوالي 90% من الأراضي السورية، أم الغالبية من الشباب فقد وجدت نفسها واقفة في منطقة نشاطهم، ولم تتمكن- وربما بضغط من المعارضة- من تنفيذ واجبها أما الوطن والدفاع عنه. ناهيك عن اقتصاد البلاد الذي كان قد انتهى عملياً. بينما تدفق السلاح الحديث من الغرب على المعارضة المسلحة، ليتوجه بعد ذلك مباشرة إلى معسكرات الإرهابيين، الذين لم يعانوا من أي نقص في أدوات خوض القتال.

وفي هذا الوقت العصيب بالذات هبت روسيا لنجدة الشعب السوري. وكان البعض في الغرب عاكف، دون مواراة، على تمنية النفس بالمليارات التي سيدرها من وراء الثروات الطبيعية لسورية، ومن المكاسب التي سيحققها من وراء استغلاله للجرف القاري النفطي السوري، واستغلاله أيضاً لشعبها، بما فيهم أولئك الذين فقدوا رشدهم، واختاروا خوض الحرب في صف الإرهابيين. وليس من شك أن مساعدات روسيا كانت فعالة ومحسوبة بدقة، ولذلك تكبد الإرهابيون خسائر فادحة، واضطروا إلى التقهقر والتراجع عملياً في كل الأماكن التي كانت واقعة تحت سيطرتهم. وبطبيعة الحال، أدى دعم القوات الجوية الفضائية الروسية للوحدات السورية إلى رفع الروح المعنوية للجنود السوريين الذين أبلوا بلاء حسناً، مما أسفر عن تحقيق النصر للجيش السوري في هذه الحرب الدامية.

ومن نافل القول أن نذكر بأن روسيا هبت لمساعدة الجيش السوري وشعب سورية ليس من أجل إنقاذ الرئيس السوري( كما يشيع البعض) وإنما كانت هناك مهمة محددة، أنيط تنفيذها بالقوات الجوية الفضائية الروسية، وبالقوات الأخرى، ألا وهي: إنقاذ كيان الدولة السورية، وحفظ سيادة هذا البلد العربي، والحيلولة بكل السبل دون تحول سورية إلى أرض محروقة، أو مرجل إرهابي ضخم.

ولما وضعت الحرب المرعبة أوزارها بشكل أساسي، أجمعت كل توقعات أصدقاء سورية على الرأي بأن الصفوة السياسية السورية سوف تستوعب الدرس، وستشرع فوراً في اتخاذ الخطوات الموجهة إلى إجراء الإصلاحات الجذرية، والرامية إلى دفع الشعب للتلاحم معها في القضاء على آثار الحرب الهائلة.

لكن، ها قد مرت ثلاثة أعوام ونصف العام منذ بدء تقديم روسيا مساعداتها لسورية، ووجدت غالبية أصدقاء هذا البلد نفسها أمام انطباع بأن السوريين أنفسهم لم يفعلوا أي شيء طوال هذه الفترة من أجل حفظ كيان الدولة أو تعزيزها. ويعتقد أن الشيء نفسه يمكن أن يقال بشأن القيادة السورية، وبشأن المعارضة السورية أيضاً.

أي أن الانقسام في المجتمع السوري ما زال قائماً: على الأقل، لا نلمس أية خطوات تتخذ من أجل تصحيح الوضع بشكل لملوس. ونتيجة لذلك يتزايد استياء غالبية السكان، وتتراكم تغيرات وتحولات، قد لا تبدو ظاهرة للعين، لكنها مرتبطة بهذا التوجه.

وبدلاً من اتخاذ الإجراءات الحاسمة في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية للبلاد، يعود الوضع إلى سابق عهده من البيروقراطية التي أثارت غضب واستياء الشعب مراراً. وبدلاً من الشروع في إعادة بناء البلاد، نرى تراخياً من القمة الحاكمة التي تردد من جديد نفس الأقوال غير المعززة بالأفعال، في حين كان المتوقع والمنتظر منها الانطلاق فوراً نحو إعادة بناء الدولة، ووضع دستور جديد، وتطبيق القواعد الديمقراطية لصالح كل السكان.

ولا تستثنى من ذلك المعارضة أيضاً التي لا تبدي أي فاعلية.

مثل هذا التقاعس يصيب المراقبين بالذهول، ويشكل خطراً مميتاً على سمعة ومكانة سورية، وعلى مستقبلها.

وكمثال واضح على مثل هذا الإهمال والازدراء- ما جرى قبيل انعقاد لقاء القمة الثلاثي بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران في أنقرة في إطار عملية (أستانا). حيث أرسلت روسيا الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون سورية (p. لافرينتيف) مع نائب وزير الخارجية الروسي (د. فيرشينين) لاطلاع الرئيس السوري على جدول أعمال قمة أنقرة. وعقب هذا اللقاء صدر بيانان رسميان، أحدهما عن وزارة الخارجية الروسية، تناول برنامج اللقاء الذي ركز الاهتمام على الإجراءات والتدابير المتخذة من أجل تسريع عملية التسوية للأزمة السورية، والتي تنص، بالدرجة الأولى، على استكمال تشكيل اللجنة الدستورية، وبدء ممارسة نشاطها، وفقاً للقرارات الصادرة عن (مؤتمر الحوار الوطني السوري)، وللقرار رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وبحث الجانبان بالتفصيل الوضع في مختلف أنحاء سورية، وأكدوا على ضرورة استكمال القضاء على كل بؤر الإرهاب، وتوفير الاستقرار والأمن المنشودين لكل دول المنطقة. وإلى جانب ذلك تطرق البحث أيضاً إلى مهام تقديم المساعدات الإنسانية لكل السوريين بدون أي شروط مسبقة، وبدون أي تمييز سياسي، وبالطبع، تطرق البحث أيضاً إلى مهام عودة اللاجئين، والأشخاص الذين غادروا أماكن إقامتهم الدائمة في سورية، من أجل إعادتهم إلى أماكن إقامتهم السابقة. وفي هذا الصدد لا أكون مغالياً إن قلت بأن برنامج اللقاء كان منصباً كله على الاهتمام بالمستقبل المنظور للشعب السوري، الأمر الذي كان يستحق التقدير من حكومة البلاد، ومن صفوتها الحاكمة على هذا الاهتمام الذي تبديه الدول الثلاث تجاه سورية ومشاكلها. وكان من المتوقع أن يكون رد فعلهما مقدراً لنتائج اللقاء وللقرارات الصادرة عنه. إلا أن رد الفعل، بإجماع الخبراء، كان غير كافٍ، على أقل تقدير. حيث  جاء في البيان الرسمي بأن (الرئيس السوري استقبل المبعوث الخامس للرئيس الروسي «إلكسندر لافرنتييف» ونائب وزير الخارجية الروسي «فيرشينين» مع الوفد المرافق لهما، وأن « لافرنتييف» أطلع الرئيس السوري على ما يجري من أمور). فقط لا غير! ولم يتضمن ولو كلمة عن برنامج عمل اللقاء بين زعماء الدول الضامنة، المقرر انعقاده في اليوم التالي في إطار عملية (أستانا)، ولا كلمة عن الجهود الدائمة المبذولة من قبل الدول الثلاث لتجاوز العقبات والعراقيل التي تواجهها (عملية أستانا)، والتي تختلقها بعض الدول داخل المنطقة وخارج حدودها. وبداهة، لا أود أبداً أن أبدو هنا في دور الملقن للقيادة السورية، حاشا لله، لكن- من وجهة نظري- حتى ولو من باب الكياسة الدبلوماسية، كان من الواجب على القيادة السورية أن تبدي تقديرها لهذا النشاط الكبير الذي يقوم به زعماء الدول الثلاث، والشكر للعسكريين والدبلوماسيين على جهودهم من أجل وضع نهاية للأعمال العسكرية داخل الأراضي السورية، والقضاء على الإرهاب في المنطقة، واستئصاله من جذوره، وتحرير كل أراضي الجمهورية السورية من الإرهابيين والقوات الأجنبية. وعلى أية حال، كان من البديهي، حتى من باب الكياسة الدبلوماسية، المذكورة أعلاه، وأيضاً من منطلق الضرورة السياسية أن يتوقع أصدقاء سورية من الساسة السوريين من النسق الأعلى الادلاء ببعض الكلمات عن قلقهم بشأن الصعوبات التي تواجه البدء في عملية حل المشكلة السورية بالطرق السلمية، والتي تحيط بتنفيذ الاتفاقيات التي اسفر عنها مؤتمر (سوتشي)، وبالتنفيذ الكامل للقرار مجلس الأمن الدولي 2254. لكن، للحق، تولد انطباع وكأن دمشق نظرت إلى اللقاء المزمع عقده في أنقرة نظرة شكلية بحتة: وكأن الضرورة البروتوكولية تملي عليها إصدار ولو بيان رسمي موجز، وها هو قد صدر.

لكن ما يبقى عصياً على الفهم تماماً، والأهم هنا، هو خلو البيان الرسمي من أي إشارة للبرنامج الكبير للقاء الزعماء الثلاثة في أنقرة، في حين أنه مع حدث على هذا المستوى، وعلى هذه الدرجة من الأهمية، يفترض من الجانب السوري أن يقوم بنشر مثل هذا البرنامج، لأن الحديث هنا يدور حول مستقبل سورية، وليس عن جهة لا علاقة لها بالنزاع. علماً بأن المباحثات الثلاثة هذه لم تكتفِ بالتركيز على الجوانب السياسية وحدها، بل وأبدت اهتماما كبيرا أيضاً بالجانب الإنساني، حيث تطرق البحث إلى القضايا ذات الأهمية البالغة بالنسبة للشعب السوري، مثل وضع اللاجئين، الذين يقدر عددهم بـ 8 ملايين شخص، والذين يرزحون في المخيمات، وفي أماكن إقامة بائسة، ناهيك عن قصور في تزويدهم باحتياجاتهم الضرورية.

وللأمانة، لن اكون مغالياً إذا قلت بأن عدم نشر خبر رسمي موسع على اللقاء الثلاثي في أنقرة، يعني- في جوهره- عدم اهتمام السلطات السورية بهذه المسألة، في حين أن هذا اللقاء لزعماء الدول الضامنة لعملية (أستانا) يعطي الأمل بأنهم وبالتعاون مع القيادة السورية سيتمكنون بدرجة كبيرة من تخفيف آلام ومعاناة الشعب السوري، والبدء في إعادة بناء البلد المدمر.

هذه المخاوف لن تكن بلا مسوغ، فالمعارضة المسلحة، وأيضاً المعارضة السياسية في سورية حاولتا لفترة طويلة عرقلة حل الكارثة الإنسانية في عدة مناطق في سورية بشتى السبل، ولو جزئياً، وذلك لأهداف مغرضة خاصة بهما. لكن ما يثير الدهشة الآن هو أن نلمس في أوساط البيروقراطيين المحيطين بالرئيس السوري عدداً غير قليل من الأشخاص غير العابئين بالمرة بهذه الكارثة الإنسانية، بل ولا يوجد لديهم أدنى رغبة في بذل أي جهد من شأنه أن يحقق الوفاق بين السلطات والمعارضة، أو يوحد كل السوريين من أجل إعادة بناء البنية التحتية المدمرة في سورية، ولا من أجل إعادة إحياءها. ولعله، ولهذا السبب بالذات، تعلو الأصوات في سورية الآن، مطالبةً بوضع حد للفساد المستشري في البلاد.

ومما يثير الغرابة عدم صدور أي بيان رسمي مفصل من دمشق عقب ختام اللقاء في أنقرة بتأييد نتائجه، ودعم البيانات الختامية لرؤساء روسيا وتركيا وإيران، الذين يحاولون بإخلاص مساعدة سورية على حل مشاكلها. ومن المثير للدهشة أيضاً إدلاء رئيس لجنة التفاوض من جانب المعارضة الدكتور الحريري بتصريح لقناة (العربية) حول تقييمه لنتائج اللقاء في أنقرة، هدد فيه بأنه في حالة عدم التمكن من وقف إطلاق النار في (إدلب)، فسوف يلغي تماماً موضوع اللجنة الدستورية، ولن يشارك أي شخص من المعارضة في عمل هذه اللجنة. في حين أن موضوع الوضع في (إدلب) كان على رأس الأولويات التي ناقشها اللقاء الثلاثي، وتحدث عنه كل من الرئيس أردوغان، والرئيس بوتين، والرئيس الروحاني بشكل منفصل. ولذا ننصح السيد   الحريري بالاطلاع على الاستنتاجات التي أدلى بها الزعماء الثلاثة بشأن قضية (إدلب) بالذات.  وأريد أن أشير هنا الى (أنه اذا تابعنا تصريحات ومواقف ممثلي النظام من جهة وممثلي المعارضة من جهة أخرى نتوصل الى نتيجة هي أنها تخدم هدفا مشتركاهو تعطيل ولإفشال أي تقدم للبدء بالحل السياسي في سورية ويخيل أنه يوجد تنسيق بينهما )  .                      

ولكن على وجه القطع واليقين كان الحدث الأهم بالنسبة للسوريين هو إعلان السكرتير العام لهيئة الأمم المتحدة (غوتيريش) عن تشكيل (اللجنة الدستورية السورية) خلال انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ 22 سيبتمبر عام 2019، وسوف نأمل بأن الحكومة السورية والمعارضة السورية ستتجاوبان بشكل بناء مع هذا الإنجاز، وستبديان همة ونشاطا لبدء عمل هذه اللجنة برعاية هيئة الأمم المتحدة، وإدخال تعديلاتهما وإضافاتهما إلى الدستور الحالي لسورية، ليصبح أساسا مناسباً لإطلاق المفاوضات الجادة بين الحكومة والمعارضة، وكذلك من أجل تحقيق الوفاق والسلم، وبما يراعي مصالح كل السوريين.

ولا حاجة بنا أن نظن بأن دروس السنوات الأخيرة لم تستوعبها كل من القيادة السورية أو المعارضة السورية، على حد سواء. إذ لا يحق لهما بأي حال من الأحوال إغفال الحقيقية القائلة بأن الخلاف والتشرذم، والعداء المتبادل الدائم، وغياب المنطق التعقل السياسي، والاطماع الشخصية مع عدم الرغبة في الاتفاق، تخلق بيئة صالحة ومواتية للتدخل الأجنبي، الذي كثيراً ما يكون مسلحاً فالاستخبارات الغربية تقف على أهبة الاستعداد لتصيد هذه الأخطاء، لتحولها بفضل جهودها الدبلوماسية المزعومة إلى نتائج مغايرة ومعاكسة تماماً لما تطمح إليه الشعوب. وفي أغلب الأحوال تبذل هذه الجهود الهدامة تحت شعار الدفاع عن حقوق الإنسان.

وأود بهذا الصدد أن أشير إلى رأي وزير الخارجية الروسي (سيرغي لافروف)، الذي أعرب عن في مقالته بعنوان «العالم على مفترق طرق، ونظام العلاقات الدولية في المستقبل»، المنشورة في مجلة (روسيا والسياسة العالمية) بتاريخ 20 سبتمبر 2019، وجاء فيه: «كيف تتماشى حتمية الدفاع عن حقوق الإنسان مع قصف الدول المستقلة ذات السيادة، والإصرار على هدم كيانها، بما يسفر عن مقتل مئات الآلاف من المواطنين، وتشريد وتعذيب ملايين العراقيين والليبيين والسوريين، وأبناء الشعوب الأخرى؟

لقد دمرت مغامرات (الربيع العربي) لوحة (الفسيفساء) الإثنية الطائفية الفريدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا». وركز (سيرغي لافروف) على ما ترمى إليه السياسة العالمية الحالية للغرب الموحد من تعميق للخلافات الإثنية والطائفية في مختلف مناطق العالم. وللحق شعرنا، نحن العرب، في الآونة الأخيرة بهول ما يجرى في منطقتنا من صدامات وخلافات، بدأت في سورية وليبيا واليمن، ومعها اندلع النزاع في لبنان. وفي كل مرة نجد الاستخبارات الغربية ووزارة الخارجية الأمريكية متورطين في إشعال هذه الخلافات وحروب اقتتال الإخوة والأشقاء، التي تصب في مصلحة (الناتو):

ففي البداية يستنزف البلد ويفقد كل مقومات وجوده من جراء المعارك الحربية الشرسة، ليأتي (الناتو) بعد ذلك في هيئة صانع السلام، ويحاول أن يفرض في هذا البلد وضعا، يخدم مصالح الحلف (والولايات المتحدة بالدرجة الأولى). ولا حاجة بنا أن نكرر بأن (حرب اقتتال الأخوة) في بلدان الشرق الأوسط هي أفضل ذريعة للتدخل من قبل الدول الغربية. حيث نلحظ دائماً دعمها لأحد الطرفين عسكرياً، وبالذات لذلك الذي يقدم وعوداً (للناتو) بمنحه كل التسهيلات والامتيازات على حساب سيادته واستقلاله.

وفي هذا السياق بدت إراقة الدماء في سورية فرصة كلاسيكية للغرب لتطبيق السياسة الاستفزازية (للناتو) عليها. فقام بإطلاق (داعش) للهجوم على الدولة المستقلة، وعزز قواه بتسليح فصائل المعارضة بأسلحة من (الناتو) لتنضم إليه، مع شن حملة دعائية عالمية واسعة، غمرت نصف العالم بالمقالات والتصريحات المعادية لحكومة بشار الأسد، واستغلوا فيها أفلام الفيديو الكاذبة والمفبركة، مع صور وشهود عيان مختلفة، كلها افتراء ولا علاقة لها بالواقع، وكاد الغرب أن يحقق مآربه، بل وكان قاب قوسين أو أدنى من قطف ثمرة تآمره على سورية، لولا شجاعة وبسالة الشعب السوري ومساعدة روسيا، مما قوض مخططاته وأفشلها.

والآن يسعى الغرب من جديد إلى اشعال نيران أخرى. حيث تتهم المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية إيران بالمسؤولية عن هجوم الطائرات بلا طيار والصواريخ المجنحة على منشآت النفط السعودية وسط حملة هستيرية عسكرية، تشنها وسائل الإعلام الغربية ضد إيران. ويصب جوهر كل هذه المحاولات في العمل على اشعال بؤرة حرب جديدة في الشرق الأوسط. أي باختصار القول، ادلاع واستفزاز اقتتال جديد بين الأشقاء.

تنفى إيران نفياً قاطعاً أي علاقة لها بهذا الهجوم.

وبالطبع، وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه، بل يمكن القول بالغ الحساسية. فهل يعقل في ظله أن تقدم على مهاجمة منشآت في المملكة العربية السعودية، دون أن يفسر ذلك على أنه عدوان سافر من قبل إيران؟! بطبيعة الحال، دون أي جدال، ستوجه أصابع الاتهام إلى إيران بارتكابه، بغض النظر عن إثبات تورطها فيه أو عدم تورطها. لكن، علينا ألا ننسى بأن علم الجريمة ينص من قديم الزمان على ضرورة تحديد سبب ارتكاب الجريمة ودوافعها، بالاستعانة بالمصطلح اللاتيني (cui prodest)، أي (لصالح من- ومن هو المستفيد؟).

إذا قررنا الاستعانة به، فسوف تبدو الصورة كالتالي:

أكثر طرف صاحب مصلحة في اشعال النزاع هي الولايات المتحدة الأمريكية. والحكم هنا متروك لكم- فوراً عقب وقوع الحادث أعلنت الولايات المتحدة بأنها ستنشر في المملكة العربية السعودية وحدات وقوات جديدة، أي ستعزز وجودها في المنطقة، وستتوسع في قواعدها في المملكة.

وقبلها نجحت الولايات المتحدة في اقناع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بالانضمام إلى حلف الدول بزعامة الولايات المتحدة المشكل (لحماية الطرق البحرية)، أي للسيطرة على تصدير النفط من الخليج واقنعت الولايات المتحدة الباكستان أيضاً بالانضمام إلى المعسكر المناهض لإيران، حيث أعلن رئيسها (عمران خان) بأن باكستان ستقوم بالدفاع عن المملكة العربية السعودية. وأعلنت الكويت حالة التأهب القتالي لقواتها. وأخيراً، انضمت «إسرائيل» أيضاً إلى الجنرالات الأمريكيين، وأعلنت دون مواربة استعدادها لخوض الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. علماً بأن «إسرائيل» تملك أسلحة نووية، وهذا واقع يجب ألا نسقطه من حساباتنا.

أما عن إيران، فهي أيضاً شددت لهجتها، من الجانب الآخر، وأعلن زعماؤها بأنه في حالة تعرض بلدهم للعدوان، فسوف تحول أراضي المعتدي إلى ساحة رئيسية للقتال. وانضم إليها حلفاؤها، معلنين استعدادهم للمعركة. حيث هدد حوثيو اليمن بتوجيه ضربات مماثلة إلى الإمارات العربية المتحدة، أما (حزب الله) فقد طالب بوقف الحرب على اليمن، في الوقت الذي كثف فيه السعوديون وحلفاؤهم ضرباتهم ضد منطقة (الحديدة). وفي ذات الوقت أعلنت إيران رفضها القاطع لإجراء أية مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد هذا المدخل الموجز نخرج باستنتاج بأن بؤرة النزاع المرتقب اشتعاله يضم اثنتين من أهم دول منطقة الشرق الأوسط، وفي حالة اندلاعه ستتورط فيه، حتماً، دول أخرى، أي ستتسع رقعة العمليات العسكرية، وسيزداد معدل التصعيد. وعلينا ألا نغفل بأن كلا البلدين يتمتعان برصيد كبير من وسائل خوض الحرب، خاصة إيران ذات الخبرة العسكرية الكبيرة المكتسبة من تجربتها في خوض الحرب العراقية الإيرانية الطويلة. فهل ثمة داع هنا للتذكير بحجم الضحايا الهائلة والدمار الشامل، اللذين يمكن أن تسفر عنهما هذه الحرب.

رامي الشاعر

محلل سياسي

صحيفة زافترا (الغد) العدد 40 – 9 أكتوبر 2019

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة
موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا

ماذا يقول رمضان قديروف عن الإسلام في جمهورية الشيشان الروسية؟