هل تتخلى الحكومة المصرية عن دعم القمح؟

مال وأعمال

هل تتخلى الحكومة المصرية عن دعم القمح؟
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hm9k

تنوي الحكومة المصرية جمع أربعة ملايين طن من القمح المحلي من المزارعين في موسم الحصاد، لتبقى الفجوة متسعة بين الإنتاج والاستهلاك الفعلي.

وتخوض وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية مواجهة حادة مع من تطلق عليهم "مافيا التجار"، ممن يحاولون الاستيلاء على مليارات الجنيهات من الدعم بتمرير شحنات ذات جودة منخفضة من القمح المستورد إلى شون (صوامع) التوريد باعتبارها قموحا محلية.

وأمام حالة الارتباك في إجراءات استلام القمح من المزارعين، تطورت الخلافات "الحكومية-الحكومية" إلى حد توجيه وزارة الزراعة اتهاما إلى وزارة التموين والتجارة الداخلية بالتلاعب في الدعم، بعد ضبط الأولى شحنة من القمح المستورد، رديء الجودة، في طريقها إلى إحدى المطاحن الحكومية؛ لتأخذ بذلك منحى سياسيا، دفع عشرات النواب في البرلمان المصري لاستجواب رئيس الحكومة شريف إسماعيل ووزيري الزراعة والتموين.

والأزمة تتجدد أول أبريل/نيسان من كل عام مع بداية موسم حصاد القمح المحلي، الذي اعتاد الفلاح المصري على توريده مقابل دعم يعادل ضعف السعر العالمي تشجيعا لزراعته، بما يكلف خزينة الدولة نحو ستة مليارات جنيه إضافية، بعد إخفاق الحكومة بسداد دعم نقدي لمزارعي القمح مقابل تحرير أسعار شراء المحصول لتواكب الأسعار العالمية.

ويبلغ حجم الاستهلاك الفعلي للشعب المصري سنويا 15 مليون طن من القمح، يبلغ نصيب الفرد منها 180 كيلوغراما. وتشير الأرقام الواردة من وزارة الزراعة والمستندة إلى الحصر الفعلي للمساحات المزروعة، التي تبلغ 3.4 ملايين فدان، وتنتج نحو9.4 ملايين طن، إلى أن من المتوقع توريد أربعة ملايين طن للحكومة بقيمة 11 مليار جنيه مصري، بمعدل تراجع بنحو مليون طن عما تم توريده العام الماضي، لتزيد بذلك احتياجات مصر من القمح المستورد.

أما مافيا الدعم والوسطاء، فتجني هذه الفئة أرباحا خيالية وغير مشروعة باستيراد القمح بالسعر العالمي، الذي يبلغ نحو 1500 جنيه مصري للطن، ويقومون بتمريره إلى الشون (الصوامع) الحكومية بطرق غير مشروعة بمبلغ 2772 جنيها. الأمر، الذي دفع الحكومة المصرية إلى إصدار قرار بحصر استيراد القمح طوال موسم الحصاد وتسليم القمح المحلي، الذي يمتد إلى نهاية مايو/أيار المقبل.

ومع تضييق الخناق على محاولات التهريب باستلام القمح من الفلاحين المسجلة زراعاتهم في قاعدة بيانات الحصر الفعلي، ومصادرة أي كميات من القمح غير معلومة المصدر، علت أصوات هذه الفئة وحاولت اختلاق أزمة بين الحكومة والفلاح.

وسرعان ما تحولت حالة الصخب، التي نجمت عن احتجاج الوسطاء على كشوف الحصر الفعلي واشتراط تقديم الحيازة الزراعية للحصول على دعم القمح، إلى ضغوط سياسية من نواب بالبرلمان على الحكومة، تدخَّل على أثرها رئيس مجلس النواب علي عبد العال لدى رئيس الوزراء شريف إسماعيل. بيد أن ما قدمته وزارة الزراعة من تسهيلات للفلاحين والمزارعين بالاستغناء عن شرط تقديم الحيازة الزراعية، لم يوقف تلك الضغوط التي وصلت إلى حد تلويح وزير الزراعة عصام فايد بتقديم استقالته من الحكومة في حال إجباره على التخلي عن شرط الحصر الفعلي، والسماح للوسطاء بتوريد القمح من دون إثبات مصدره .

وزارة التموين والتجارة الداخلية - الطرف الأخر للقضية - لم تخض معركة الدفاع عن الدعم المقدم للفلاح. وذلك لقناعة وزير التموين خالد حنفي، التي أبداها، باعتباره المنتج لسلعة الخبز، ضد سياسة تحقيق الاكتفاء الذاتي؛ حيث يفضل الاعتماد على الشراء من الأسواق العالمية لتدبير احتياجات الدولة وتحقيق فائض من ميزانية الدعم قد يصل إلى ٥ مليارات جنيه سنوية، ونصح الفلاحين بأن يتجهوا لزراعة محاصيل أخرى تضمن لهم هامشا من الربح.

وتتعارض السياسات التي ينتهجها وزير التموين مع سياسات وزير الزراعة التي تقوم على دعم الفلاح، ومحاولة تحقيق أقصى إنتاجية للقمح المحلي باعتباره سلعة استراتيجية، تندرج تحت أولويات الأمن القومي. في حين، تعتمد مصر بشكل أساس على استيراد نحو 9 ملايين طن سنويا من القمح من دول في مقدمتها روسيا وأوكرانيا وفرنسا لتغطية العجز السنوي في احتياجاتها.

وتعود حيثيات هذه القضية إلى عادات غذائية تراكمت على مدار سنوات طويلة جعلت من رغيف الخبز الوجبة الأساسية لملايين المصريين الفقراء.

وأمام الزيادة المطَّردة في تعداد السكان، الذي تجاوز حاجز الـ٩٠ مليون نسمة مطلع هذا العام، وتآكل الرقعة الزراعية، أصبحت مصر في صدارة الدول المستوردة للقمح؛ حيث تحرك طلبات استيرادها مؤشرات الصعود والهبوط في أسعار البورصات العالمية للقمح.

 محمد سويد