"بزنس" الاختطاف في سوريا (2 من 2)

حمص عاصمة الاختطاف!

أخبار العالم العربي

"بزنس" الاختطاف في سوريا (2 من 2)
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hpjg

في حمص بدأت عمليات الاختطاف بعد انطلاق الأحداث في سوريا بتاريخ 15 مارس/آذار2011 بنحو أسبوعين، كما تشير ضبوط الشرطة الموثَّقة.

وقد "قسَّم الحدث السياسي والأمني المدينة إلى قسمين: موالٍ ومعارض. وسجّل القسم المعارض حالات اختطاف بحق مدنيين من الأحياء الموالية للسلطات، للمقايضة على معتقلين لدى السلطة؛ ورد الشطر الموالي بخطف مدنيين للغرض نفسه - وهو المقايضة"، كما يقول الشيخ نواف طراد الملحم رئيس "حزب الشعب" (أُسس على خلفية الأحداث التي شهدتها سورية)، وأحد الوجهاء العاملين الآن على ملف المصالحة في حمص، بما في ذلك مشكلة المخطوفين والمعتقلين.

وقد سُجِّل في حمص وحدها قرابة 2700 مخطوف حسب إحصائية غير رسمية، استطاع معد التحقيق التوصل إليها بمقاطعة معلومات أكثر من مصدر (ضبوط شرطة، قوائم لجان مصالحة وتقارير مستشفيات)، حُرّر أكثر من 500 منهم وعُرف مصير أكثر من 700، وبقي مصير 1500 مجهولاً حتى الآن.

وتُظهر وثائق حصل عليها معد التقرير أن من بين 700 مخطوف، سَجّل ذووهم ضبوطاً في أقسام الشرطة عن اختفائهم، حُرّر 102 بالفدية أو التبادل أو من قبل الجيش السوري بعد دخوله أماكن احتجازهم. فيما وجِد 55 منهم تباعاً مقتولين في أكثر من منطقة. أما الأعداد الأخرى، فلم يُعرف مصيرها رغم الآمال الكبيرة التي علّقها أهالي المخطوفين بأن يكونوا في "حمص القديمة"، التي عادت إلى سيطرة الدولة في 7 مايو/أيار 2014 بموجب اتفاق تسوية بين الحكومة السورية والأمم المتحدة. لكننا "اكتشفنا ألاَّ مخطوفين أحياء لحظة إنجاز المصالحة".

الطبيب في مركز الطب الشرعي بحمص محمد شاهين قال في الشهرين (10 و11) من عام 2014: "توجهنا إلى حمص القديمة بحثاً عن مقابر جماعية تضم جثث المختطفين، وفق إحداثيات حددها المسلحون قبل خروجهم. وقد عثرنا عليها، ولكنها لم تكن لمختطفين. فالعبارات المكتوبة على الجثث كانت مثل (الشهيد بإذن الله فلان)، وكانت مكفّنة بشكل سليم، على عكس جثث المختطفين التي عُثر عليها في أماكن أخرى، والتي دُفنت عشوائيا.

" استجرجنا 200 جثة من أحياء حمص القديمة و700 من حديقة خالد بن الوليد، كانت جميعها للمسلحين وأهاليهم.

أما بسام محمد رئيس دائرة الطب الشرعي في مشفى حمص الوطني (قبل خروجه عن سيطرة الدولة بتاريخ 2/4/2012)، فتحدث عن أكثر من ألف جثة وصلت إلى المستشفى قبل خروجه من يد الدولة، و"لم نستطع معرفة تلك التي تعود منها إلى مختطفين". وعملنا كان يقضي باستقبال كل الجثث في المشفى لتوثيقها ودفنها، كما تقتضي الأصول، بغض النظر عن هوية أصحابها سواء كانوا مسلحين أم مدنيين .

ويضيف بسام محمد أن توثيقها تم بالصور الضوئية، و"قمنا بفحوص الحمض النوويDNA  لمن لا يوجد لديهم علامات فارقة ليتعرف عليها ذووهم، واليوم نستقبل الناس في مركز جديد أُنشئ لهذه الغاية. 

وفي أرض تقع خلف مبنى الحزب في الحميدية (حمص القديمة)، تم العثور على 23 جثة يُرجّح أنها تعود إلى مختطفين بينهم عسكريون، وواحدة منها فقط تعود إلى رجل مختطف تعرّفت زوجته على جثته، بحسب محمد شاهين.

وتظهر السجلات، التي أعدتها أقسام الشرطة في حمص، أن ظاهرة الخطف بدأت مع انطلاق الأزمة، وأن أول حالة مثبتة رسمياً وقعت في المدينة في 22/3/2011 بعد أسبوع من انطلاق الاحتجاجات.                       

ووفقاً لضبط الشرطة 129، اختفت سوزان إبراهيم ديوب (مواليد 1988) من دون مزيد من التفاصيل. وسُجّلت 4 حالات في نيسان، 5 في أيار، 64 حالة في نوفمبر/تشرين الثاني، قبل أن يراوح المعدل الشهري للخطف بين 30-60 حالة حتى أبريل/نيسان 2012، ثم يبدأ بالتناقص نسبياً.

وقد تراجعت حالات الخطف في حمص منتصفَ 2012 ، ليس لتحسن الوضع العام، بل ربما لتردّيه. إذ أدت زيادة جرائم القتل والخطف والخطف المضاد إلى تعاظم المخاوف والشكوك المتبادلة بين سكان الأحياء والقرى المتجاورة، التي تراجع تفاعلها الاجتماعي والسياسي وانقطع التواصل العملي بينها تقريباً. فراحت تعيد التكتل والتشظي على أساس مذهبي- سياسي. وأضحت حالات الخطف أكثر تنظيماً وتعقيداً؛ حيث أصبح الخاطفون يكمنون للمستهدفين في مواقع مدروسة، ويعتمدون على الاستخبار المسبق.  

ولم تتوفر إحصائية دقيقة عن عدد عمليات الخطف الناجمة عن تدهور الأوضاع الأمنية في حمص خلال عام 2013.

أما في عام 2014، فسُجّلت، وفق نفس المصدر، 153 حالة خطف؛ منها 21 حالة في أكتوبر/تشرين الأول.

واستمرت عمليات الخطف بنفس الوتيرة في عامي 2015 و2016، ولكن من دون تحديد رقم دقيق، مع ملاحظة أنها استهدفت الناس في المناطق الآمنة.

 الخطف المضاد: "داوها بالتي كانت هي الداء!"

مساء الأحد 2\11\2014، أُفرج عن الدكتور حسام الطرشة بعد أربعة أشهر من اختطافه.

"في طريقي إلى عيادتي في حمص الساعة 08:10 دقائق صباح الخميس 3\7\2014، اعترضت طريقي سيارة أجرة عند مفترق (نقيرة) قرب طريق الشام فيما أغلقت عليّ من الخلف مركبة (فان)"، بحسب ما يروي اختصاصي النسائية والتوليد د. حسام (50 عاماً). ترجّل أربعة مسلحين بـلباس عسكري، تبين فيما بعد أنهم من جماعة "الدفاع الوطني" ( قوات تؤازر الجيش السوري)، "اقتادوني معصوب العينين إلى جهة لا أزال أجهل مكانها، ليحتجزوني في غرفة أربعة أشهر بتمامها".

وقد طلب الخاطفون من أهل الطرشة مليوني دولار للإفراج عنه. إذ كان "مخبر للأمن" في قريته - كما علم لاحقاً – قد رفع للخاطفين تقريراً كاذباً يدّعي فيه أن الطبيب يعالج نساء المسلحين، ويتلقى حوالات بأموال طائلة من الخارج .

"متعاطف مع المسلحين أو داعم لهم"، هذه هي التهمة الجاهزة، التي استُخدمت ذريعةً في معظم عمليات الاختطاف التي نفذتها "عناصر غير منضبطة"، وفق التسمية، التي يطلقها مسؤولون حكوميون التقاهم كاتب التحقيق - بينهم وزيرا العدل نجم الأحمد والمصالحة الوطنية علي حيدر- على عناصر من "الدفاع الوطني" وأيضاً "اللجان الشعبية"، الموكل إليها حماية الأحياء من هجمات المسلحين.

التهمة نفسها، ولكن بتعابير أخرى، كانت وراء اختطاف محمود الخالد (سائق في شركة خاصة/ 35عاماً) مرتين خلال عام واحد. الأولى مدة 17 يوماً منتصف آب /أغسطس 2012 في ريف حمص، والثانية لمدة شهرين على أعتاب حزيران /يونيو 2013 في عدرا بريف دمشق.

والخالد سمع التهمة نفسها من الخاطفين، وهو يتلقى سيلاً من الشتائم واللكمات: "وْلَكْ عرعور"؛ أي من أتباع الشيخ السلفي عدنان العرعور، المشهور بدعمه للاحتجاجات وحمل السلاح ضد الحكومة السورية .

ويقول: "في المرة الأولى حررتني دورية أمنية تتبع المخابرات الجوية - كما عرّفوا عن أنفسهم -. وفي الثانية تفاوض الخاطفون مع أهلي، الذين دفعوا نصف مليون ليرة (ثلاثة آلاف دولار حينها)، نزولاً من مليوني ليرة طلبوها بدايةً"، حسبما يستذكر.

"أول الرقص.. حنجلة!"

كما حال الناس، كذلك هو حال الجهات الرسمية من شرطة وأجهزة أمنية - ارتباك في مقاربة ظاهرة جديدة.

والأهالي الذين لاذوا بأقسام الشرطة والجهات الأمنية لمعرفة مصير أقربائهم المختطفين، سمعوا كلاماً من قبيل: "لا نستطيع مساعدتكم بأكثر من تسجيل ضبط بالواقعة وتاريخها".

وفي حمص مثلاً، كانت سلطة الدولة في الأحياء التي شهدت أولى عمليات الاختطاف (بابا عمرو، القرابيص، باب السباع، باب تدمر، الخالدية) قد "ضعفت أو بالأحرى اختفت"، يرد وزير المصالحة الوطنية علي حيدر على تحميل السلطات مسؤولية تزايد الاختطاف وعجزها عن وضع حدّ له. ويشرح: "هناك مناطق خارج سيطرة الدولة، ولا إمكانات للعمل فيها. في الخطف تتعاملُ مع شبح؛ إذا لم يتصل أو يطلب مال أو فدية أو يذكر أسماء، فأنت كمن ينتظر شيئاً من السماء، لا تعرف كيف أو متى يأتي؟". 

داوها بالتي كانت هي الداء!

ومع يأس الناس من حل سريع، راح ذوو مختطفين يسمعون كلاماً من قبيل: "داوها بالتي كانت هي الداء!". والعديد من أهالي المختَطفين، وثّقنا شهاداتهم، أجمعوا على أن جهات أمنية وشرطية راجعوها في بداية الأزمة "أوحت" إليهم بتنفيذ عمليات اختطاف مضادة كحلٍّ وحيد.

وعبر سنوات الأزمة، ذاع صيت بعض الضباط، كخاطفين أو داعمين لعصابات خطف أو مستفيدين منها. ومع أن الوزير حيدر رفض الحديث عن أسماء بعينها لأنه "يعمل على المنهج وليس الأسماء"، كما يقول، فإنه عاد وأكد أن ملفات هؤلاء أخذت طريقها إلى المحاكم، وبعضهم تم سحبه من مكان عمله كإجراء أولي، واتُخذت لاحقاً معالجات قانونية حسب الجهة التي يتبع لها الضالع في الاختطاف.

وبجهود وزارة المصالحة - كما يؤكد وزيرها - تمت إحالة ما يزيد عن 40 متهماً إلى القضاء، كل منهم حسب مرجعيته، وحكموا بالسجن فترات متفاوتة.

وفي حمص وحدها، جرى العام الماضي فقط تحويل 38 متهماً من عناصر الدفاع الوطني المتورطين بأعمال خطف وقتل وسرقة إلى المحاكم المختصة في دمشق، كما يؤكد مصدر أمني لمعد التحقيق.

وزير العدل نجم الأحمد يؤكد من جهته: يؤكد ألا أحد فوق القانون، وسيطاله العقاب عاجلاً أم آجلاً.

والوزير حيدر يوضح: "في برزة بدمشق، أوقف عدد كبير من أعضاء اللجان الشعبية، بينما قسمٌ آخر ما زال فاراً من وجه العدالة".

ويضيف أن "أحدهم قبض مليون ليرة منتحلاً صفتي، وجاءت السيدة، التي كانت تعتقد أنها دفعت المبلغ لي، إلى الوزارة بعد تعرفها على صورتي عبر التلفزيون، فاتضح أن الوزير المزيف يعمل في الأمن، وتم توقيفه. أنا أقول زودوني بأسماء محددة كي نوقفها ونحاسبها".

 سامي شحرور