الأدب وغياب "الأدب".. لماذا يجب أن يخضع الروس للمعايير المضحكة؟

الثقافة والفن

الأدب وغياب الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكيسيفيش
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/h4m6

أثار عدم معرفة القارئ الروسي بالصحفية البلاروسية الفائزة بجائزة نوبل للأداب في عام 2015 شكلا من أشكال الدهشة، وربما الاستنكار.

 وأظهرت نتائج استطلاع للرأي العام في روسيا أن 65% من المشتركين فيه لا يعرفون شيئا عن الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش التي منحت جائزة نوبل للآداب عام 2015. وأجرى الاستطلاع مركز ليفادا خلال أيام 23 - 26 من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015 شارك فيه حوالي 1000 شخص من 134 مركزا سكانيا تقع ضمن 46 منطقة في روسيا. وقال 17% أنهم سمعوا باسمها ولكنهم لم يطلعوا على إنتاجها ولم يشاهدوا كتبها، في حين أعلن 5% فقط أنهم قرأوا كتابها "ليس للحرب وجه أنثوي" و2% أعلنوا أنهم قرأوا كتاب "الشهود الأخيرين".

ربما جاءت الدهشة من أن القارئ الروسي لا يعرف الصحفية الفائزة بجائزة نوبل من ضرورة أنه "من الضروري" أن يعرف القارئ بشكل عام أي كاتب يفوز بجائزة نوبل، وربما جاءت استنكارا من أن القارئ الروسي لم يعد يقرأ الأدب ولم يعد يتابع "المعايير الجديدة" لجوائز نوبل، سواء في الأدب أو في السلام. ومع ذلك فالقارئ الروسي يفهم جيدا في الأداب، ويدرك مساحات الخلاف والاختلاف، ويفهم الفارق بين الأدب وغياب "الأدب"، لأننا نتحدث هنا عن قارئ مُمَنْهَج وليس مجرد قارئ عابر.

 في الحقيقة، لقد كفَّرَ الغرب هذه السنة عن ذنوبه المنهجية تجاه الآخر ليمنح جائزة نوبل في "الأداب" للصحفية البلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش كمناضلة من أجل حقوق الإنسان، ومن أجل الحرية والكرامة الإنسانية بصرف النظر عن القيمة "الأدبية والفنية" لما تكتبه، وفقا لما أعلنته لجنة الجائزة.

الصحفية البلاروسية التي لم تستغرق فقط في المستجدات الليبرالية لعصر القطب الواحد، بل تماهت مع تقسيمات فرانسيس فوكوياما الأيديولوجية حول سيادة الليبرالية، والتي تراجع عنها هو نفسه بعد ذلك، اخترعت نزعة جديدة في الأدب. وفضلت لجنة أو "محفل" نوبل تسميتها تارة بالاستقصائية، وتارة أخرى بالوثائقية. وبالفعل أعلنت السكرتيرة الدائمة الجديدة للأكاديمية السويدية سارة دانيوس "إنه جنس أدبيّ جديد"، واصفة بذلك الكتب الست والمقالات والمقابلات الصحفية لصاحبة نوبل الصحفية سفيتلانا ألكسييفيتش.

إن تقديم ألكسييفيتش بالصحفية لا يعيبها في أي شيء، فماركيز كان يعمل صحفيا، وسولجينيتسين عمل أيضا بالصحافة، وهو ما ينطبق على عشرات الكتاب الذين حصلوا على تلك الجائزة في الأدب. غير أن القيمة الأدبية والفنية لأعمالهم كانت هي الأرضية الأساسية للتقييم وفق المدارس والمذاهب النقدية، حتى التجريبي منها. لكن محفل نوبل في تقريره هذا العام رأي أن "أعمالها بمثابة صرح للحرية والكرامة الإنسانية. قد تختلف الأراء في القيمة الفنية الإبداعية لرواياتها التي يغلب عليها الطابع السياسي والأيدولوجي المباشر، ولكن ذلك لايمنع من تقدير كفاحها من أجل الحرية". إذاً، لماذا جائزة نوبل في "الآداب" وليس جائزة نوبل "للسلام" التي حصل عليها، على سبيل المثال لا الحصر، الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما على تصريحات حول تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، وهي التصريحات التي لم يتم تنفيذها فقط، بل وتم تنفيذ عكسها تماما؟!

حاولت الصحافة الثقافية والسياسية الغربية الترويج إبداعيا للصحفية البلاروسية، فوصفت كتاباتها بأنها "متعددة الأصوات". غير أن تعدد الأصوات في العمل الأدبي الإبداعي يختلف تماما عن "تعدد الأصوات" في التحقيق الصحفي أو في جمع عدة تحقيقات ومقابلات في كتاب. لن نلتفت إلى اللغة الركيكة والسرد المترهل، طالما لجنة نوبل اعترفت في تقريرها أن الطابع السياسي والأيديولوجي المباشر يغلب على كتاباتها الصحفية، وقررت أيضا أن ذلك لا يمنع من تقدير كفاحها من أجل الحرية. ولكن ماذا تبقى هنا من "الأدب" بمفهومه الأخلاقي بالنسبة للجنة الجائزة، وبمفهومه الإبداعي في التحقيقات والمقالات الصحفية لصاحبة نوبل البلاروسية المعارضة لرئيس دولة غير دولتها في المقام الأول، ثم لرئيس دولتها شخصيا في المقام الثاني؟

للأدب الوثائقي قوانينه الصارمة، لأنه ببساطة يتم تكريسه في ما بعد في مجالات أخرى، كالشهادات التاريخية، والإحصاءات المتعلقة بالحروب والكوارث، وأمور أخرى تخص التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجي. الوثيقة بحد ذاتها لا تكذب أبدا، حتى وإن كانت ملفقة. لكن الانتقائية في التحليل والتفسير، واستخدام لغة الإطلاق والقصر، هما اللذان يدمران معبد "الأدب". وبدلا من أن نجد شهادات حقيقية ومعلومات تثري العمل الفني إبداعيا، نكتشف أن "تعدد الأصوات لدى الصحفية البلاروسية" ما هو إلا انعكاس للمعاناة والشجاعة في زماننا"، كما تحب الصحافة الثقافية الغربية أن تصف أعمال صاحبة نوبل 2015. فعن أي زمن يجري الحديث؟ عن زمن الليبرالية الجديدة، وسيادة القطب الواحد، وانهيار الدول القومية، واعتيار الليبرالية هي الأيديولوجية الوحيدة للبشرية؟

تتضارب مقالات الصحافة عن سفيتلانا ألكسييفيتش. فتارة تؤكد أنها لا تخترع شيئا أو تستنبط حوارات ما، بل تجمع أقوال وشهادات ورؤى الأشخاص الذين تجري معهم اللقاءات والمقابلات. وتارة أخرى تؤكد أنها تستمع وتسجل شهادات الناس، لتعود وتعمل على "تأليفها" من جديد. وهي نفسها تقول: "لا أبدل الجمل أبدا. لكنني أحيانا لا أحتفظ إلا ببعض الكلمات التي أستلها من صفحات الحوارات الطويلة. إنني ألتقي بمئات الأشخاص، وربما هناك شخص واحد بين عشرة أشخاص، أجد الكتاب لديه".

في الحقيقة، لا أحد يمكنه أن يفهم عن ماذا يدور الحديث بالضبط! عن "أدب وثائقي"، أم "أدب استقصائي"، أم "جنس أدبي جديد" قررت لجنة نوبل استحداثه لعام واحد؟

إن تماهي السيدة ألكسييفيتش مع فكرة الليبرالية، وتلبسها ملامح الغرب الذي يرغب في رؤية أحد يشبهه ولو حتى مؤقتا، دفعا بالصحفية المناضلة من أجل حقوق الإنسان إلى الضفة المقابلة للإبداع الأدبي لتبدأ بتقديم الصورة والنسق والنموذج التي تريد "السلطة الليبرالية" ووسائل إعلامها السائدة والمبتذلة أن ترسخها وتكرس لها، وتعتمدها طابعا ليس فقط أدبيا وإبداعيا، بل وأيضا نمطا بشريا. كل ذلك يضع الجميع في مأزق: هل نحن أمام ظاهرة أدبية جديدة قابلة للنقاش، أم أمام كذبة ليبرالية تعكس صورة لـ "أدب" ما يجب اعتماده إلى جانب الأجناس الأدبية والفنية الإبداعية، ومنحه في الوقت نفسه تلك المساحة التي تفرضها جائزة نوبل في "الآداب"؟ أم أننا أمام ظاهرة سياسية أيديولوجية مباشرة تعمل على تزييف الوعي بالتاريخ والجغرافيا والطبيعة البشرية، وتكرِّس للتنميط الاجتماعي والعقائدي؟

الصحفية البلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش، التي ولدت لأب بلاروسي وأم أوكرانية، تكره ستالين و"الإرهابي بيريا" وفلاديمير بوتين، لأنهم أوصلوا روسيا للحضيض، ويجسدون كل قيم ومعاني وسمات الشر المطلق، على عكس هتلر وموسوليني وجورج بوش الابن وباراك أوباما الذين يجسدون في المقابل كل قيم الحق والخير والجمال. هكذا تروق لغة الإطلاق للغرب الذي يؤرقه ضميره لأسباب كثيرة، لا تحاول الصحفية "الاستقصائية – الوثائقية" أن تعرفها، فيمنح جوائزه لآخرين يشبهونه، أو يحاولون أن يتشبهوا به، ولكنهم في الوقت نفسهم يتفادون تماما معرفته أو يهربون من التعرف عليه.

إن ما يلفت النظر، سواء في الصياغات التي تستخدمها الصحفية البلاروسية خلال المقابلات التي أجرتها، وما زالت تجريها، معها الصحافة الغربية حول رؤيتها للشر، أو في لغتها "الركيكة" التي تكتب بها كتبها "الوثائقية"، أن هذا الشر سوفيتيا مطلقا، وروسيا مطلقا، وبلاروسيا مطلقا. حتى الشر السوفيتي كان مطلقا خلال مقابلاتها مع شهود العيان الذين عاصروا الحرب العالمية الثانية، وفي أفغانستان، كان السوفييت هم الشر المطلق. وفي أوكرانيا الآن، يتحول الروس إلى شر مطلق. إن فكرة الإطلاق هنا لا تمنح الصحفية "صاحبة نوبل في الآداب" حتى فرصة أن تدرك أن للشر أطرافا أخرى. فهل فعلا هناك شر مطلق؟ وهل الشر المطلق في الحرب العالمية الثانية، كان سوفيتيا خالصا؟ وماذا عن هتلر وموسوليني والنازية والفاشية؟ هل الشر المطلق في أفغانستان كان سوفيتيا خالصا؟ وماذا عن الولايات المتحدة وحلف الناتو وطالبان وتجار المخدرات والرقيق؟ هل الشر المطلق الآن في أوكرانيا، روسيا خالصا؟ أين "القطاع الأيمن" القومي المتطرف، وأين الفساد السياسي الأوكراني، وأين الليبراليون الجدد الذين تربوا في كنف الولايات المتحدة، وأين الرئيس بيترو بوروشينكو تاجر الشيكولاته، وأين يوليا تيموشينكو تاجرة النفط والتي روَّج لها نفس الإعلام الليبرالي السائد والمبتذل صورتها الشهيرة بالضفيرة لتصبح نمطا "نسائيا ثوريا" يتناسب مع "المطلق" الليبرالي؟

إننا عندما نذكر هنا أسماء الشخصيات والدول وبعض الأحداث، لا نخرج إطلاقا عن الموضوع أو نحاول الحط من قدر "الإبداعات الصحفية لصاحبة نوبل الجديدة"، لأننا ببساطة نتحدث في إطار "الجنس الأدبي الجديد" ذاته الذي اخترعته الأكاديمية السويدية "ومحفل جائزة نوبل" ليمنحا بموجبه للصحفية المعارضة جائزة نوبل في "الآداب".

إن الصحفية البلاروسية في كتبها الست ومقالاتها ومقابلاتها الصحفية تناضل من أجل استنطاق شهود مجهولين، وضحايا غير معروفين عبر لعبة الصحافة والإعلام، والانتقاء، والإطلاق. وبالتالي، فعدة مقابلات مع طرف "متعدد الأصوات من حيث العدد فقط لا زاوية الرؤية" قد تغني عن مقابلات أخرى مع طرف أو أطراف تمتلك رؤية مغايرة أو متوازية أو معاكسة. لقد كان ذلك تحديدا مأزق الكاتب الروسي السوفيتي ألكسندر سولجينيتسين (نوبل 1970) في "أرخبيل الجولاج" الذي صنَّفه النقاد الغربيون على أنه "أدب وثائقي" حيث تدور الأحداث حول معتقلات "سولافكي". والمعروف أن سولجينيتسين اتخذ زيارات مكسيم جوركي لهذا المعتقل الستاليني ليصب غضبه ليس فقط على ستالين ونظامه، بل على الكاتب مكسيم جوركي نفسه. لكن المدهش أن سولجينيتسين نفسه اعترف أنه لم يطَّلِع على كل الوثائق. وظهر بعد ذلك أنه لم يزر أبدا هذا المعتقل. ولكن الرواية كانت قد كُتِبَت، وانتشرت، ونجحت وسائل الإعلام الغربية، والباحثون في الغرب أن يستخدموا المعلومات والأرقام المغلوطة في "الرواية الوثائقية" ليروِّجوا لما أرادوا أن يروِّجوا له.

إن الانطباعات الخاصة أو الشخصية عن الحقائق الدامية وعن ما يراه الإنسان ويمر به شيء، والأفكار التعميمية المستندة إلى حقائق التجربة الشخصية شيء آخر تماما. أليس من هذه النقطة تحديدا يأخذون المبادئ والمواد الأولية للأساطير والحكايات التي تدور حول معسكرات الاعتقال، والحروب، والفيضانات والحرائق؟ وكما يقول سولجينيتسين نفسه: "الناس في معسكرات الاعتقال يميلون إلى صنع الأساطير". وهو أيضا ما ينطبق على الناس أثناء الكوارث والحروب والمصائب الفردية والجماعية. ولكن سولجينيتسين نفسه وقع في هذا الفخ أيضا. فهو يقول: "أنا لا أتجاسر على كتابة تاريخ الأرخبيل: فلم يتيسر ليّ قراءة الوثائق". وبعد ذلك يقول: "جميع الوثائق المرتبطة مباشرة بالأحداث قد أُبيدت، أو تم التحفظ عليها في سرية تامة، الأمر الذي يجعل الوصول إليها مستحيلا… ومعظم الشهود قد قتِلوا، أو ماتوا. وهكذا فكتابة بحث علمي عادى وبسيط يستند إلى الوثائق والأرقام والإحصائيات، ليس فقط مستحيل بالنسبة ليّ الآن… بل وأخشى ألا يتيسر ذلك لأحد إطلاقا… إن طريقة البحث العلمي في الاتحاد السوفيتي قد أُغلِقَت تقريبا".

ومع ذلك فقد حدد الكاتب في "أرخبيل الجولاج"، بنفسه جنس العمل الأدبي بأنه "بحث فني". وهناك الكثير الهام الذي قيل حول طبيعة الطريقة التي تم اتباعها في ذلك. على سبيل المثال حول "التأثير النَفَقِي" عندما يرتكز الباحث - الفنان في أكبر قدر من الحدود على حدسه النفسي، ومن ثم يقطع الطريق إلى الهدف مباشرة دون السعي إلى التسلُّح، كما يُقال، بالإحصائيات الكاملة للحقائق. ولكن سولجينيتسين – الذي اعتبر نفسه مفكرا بارزا وخارجا على القياس، وكمتخصص في علوم الرياضيات – كان يدرك ليس فقط غلبة البحث الفني وتفوقه، وإنما أيضا محدوديته.

المدهش أنه بمجرد ظهور كتاب "أرخبيل الجولاج" بمجلة "نوفي مير" السوفيتية عام 1989، قامت صحيفة "أرجومنتي إي فاكتي" بنشر نتائج استقصاءات أحد المتخصصين في التاريخ تحت عنوان: ("أرخبيل الجولاج": بعيون الكاتب والإحصائيات). وكانت المفاجأة أن حسابات سولجينيتسين للأرقام والنسب كانت مليئة بالأخطاء! ربما كانت جميع الأرقام في حاجة إلى تدقيق إضافي. ولكن إذا كان المصدر في إحدى الحالتين معروفا، ففي الحالة الثانية-في "أرخبيل الجولاج"-غير معروف على الإطلاق. وإذا أخذنا بشهادات الشهود الأحياء المعاصرين عما كان بالنسبة لمصائرهم وما حدث لهم مأخذ الحقيقة، فلا يمكن أن نعرف إطلاقا من أين يمكن أن تظهر لدى أي واحد منهم تلك الأرقام التعميمية عن "الجولاج" فى عمومه.

هذا ما حدث مع سولجينيتسين الذي حصل على نوبل أيضا في ملابسات يعرفها الجميع، ولا تختلف كثيرا عن ما تحاول استعادته الصحفية البلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش. وإذا كان سولجينيتسين قد فعل ذلك في كتاب واحد من كتبه ورواياته الكثيرة المهمة، انتقاما من ستالين ومكسيم جوركي، فالصحفية البلاروسية تخصص كتبها الست ومقالاتها ومقابلاتها الصحفية لذلك فقط، لتتطور "مدرسة البحث الفني" عند سولجينيتسين إلى "المدرسة الاستقصائية الوثائقية متعددة الأصوات ذات الطابع السياسي الأيديولوجي المباشر للنضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية".. مذهب أدبي جديد، وإن كان اسمه طويل بعض الشيء، يكرس للتماهي مع السائد والمستهلك والمطلوب إعلاميا، ويحتاج إلى تفسيرات في وسائل الإعلام عبر الحوارات والمقابلات مع من يستخدمونه، لأن المكتوب غير كاف، وربما ليس له علاقة بالأدب أصلا.

 

أشرف الصباغ