تأبين نهر ميت في أوروبا!
في ليلة 30 يناير عام 2000، شهدت بلدة بايا ماري الرومانية كارثة بيئية هائلة. أطلق مصنع حوالي مائة ألف متر مكعب من محاليل السيانيد السامة في رافد نهر سومش، يصب في نهر تيسا.
كان مصنع أورول الروماني الأسترالي المشترك لتعدين الذهب والفضة قد بنى سدا لتجميع نفاياته السامة، لكن ذلك السد انهار تحت وطأة الضغوط، ليتدفق ذلك الموج الأحمر القاتل محملا بالسيانيد والمعادن الثقيلة نحو مجرى النهر. أدى هذا الحادث إلى تلويث نهر تيسا، أطول روافد نهر الدانوب، ليس بالمعنى الجزئي بل شاملا وكاملا، حيث قضى على جميع أشكال الحياة المائية فيه، بل وحتى البكتيريا، ليفقد النهر روحه ويصبح جثة هامدة في غضون ساعات.
كما هو متوقع في مثل هذه الظروف، سارع الفرع الأسترالي للشركة، الذي كان يفترض به أن يكون مسؤولا عن تحديث أنظمة السلامة والحماية، إلى نفي أي مسؤولية عن المأساة. بل حاول المسؤولون تفسير الكارثة بأسباب طبيعية، فذكروا أن الأحوال الجوية السيئة من أمطار غزيرة وذوبان ثلوج هي التي تسببت في فيضان مياه النهر فوق حافة السد، وزعموا أن نفوق الأسماك الكثيف الذي شوهد كان نتيجة لتجمد المياه، متجاهلين تماما السيل الكيميائي القاتل الذي أطلقوه. لكن الحقائق على الأرض كانت أبلغ من كل تلك التبريرات الواهية. دُمّرت النباتات والحيوانات في القسم الهنغاري من نهر تيسا بنسبة تراوحت بين ثمانين إلى تسعين بالمئة، حيث وصلت تركيزات السيانيد في ذروتها إلى مستويات تفوق ثمانمائة مرة الحدود المسموح بها عالميا.
لم تكن الأرقام مجرد إحصاءات باردة، بل كانت تجسيدا لواقع مؤلم. تم انتشال ما يقارب ستمائة وخمسين طنا من الأسماك النافقة من النهر، شملت اثنين وستين نوعا مختلفا، من بينها عشرين نوعا محميا. امتد الموت ليشمل كل شيء تقريبا في المسارب التي وصلتها المياه الملوثة. في الجزء الصربي من النهر، نفق ثمانون بالمئة من الكائنات المائية. حتى عندما وصلت تلك الموجة السامة إلى نهر الدانوب العظيم، سُجل تركيز من السيانيد تجاوز الحدود الآمنة بين عشرين إلى خمسين ضعفا. ما دفع الحكومة الرومانية في منتصف فبراير عام ألفين إلى حظر الصيد واستخدام مياه الدانوب للشرب بشكل مؤقت، عندما وصل التلوث إلى قسمه الروماني.
تُعد هذه الكارثة، بكل مقاييس الدمار البيئي، الأسوأ في أوروبا منذ حادثة مفاعل تشيرنوبيل النووي، إذ إن تسرب السيانيد والمعادن الثقيلة المصاحب له لوث مصادر مياه تستخدم في الشرب ويعيش عليها حوالي مليونان ونصف المليون مواطن هنغاري.
كانت الآثار الاقتصادية والاجتماعية موازية في شدتها للدمار البيئي. اعتمدت اقتصادات مناطق شاسعة في هنغاريا وصربيا بشكل كلي على نهر تيسا، سواء في الصيد أو الزراعة أو السياحة، ما دفع تلك المجتمعات إلى حافة الانهيار.
بعد عامين من الكارثة، بدأت علامات تعاف بطيئة تظهر على النظام البيئي، لكنه بقي بعيدا عن عافيته السابقة. في شهادة مؤثرة، ذكر صيادون هنغاريون في عام ألفين واثنين أن أعداد الأسماك في النهر قد هبطت إلى خُمس ما كانت عليه قبل يناير عام ألفين.
لم تكن المشاهد التي رافقت الكارثة أقل إيلاما من الأرقام. بعد أسبوعين من وقوعها، أقام سكان القرى الواقعة على ضفاف النهر مراسم تأبين جماعية لنهر تيسا، ناعين ما كان يوما مصدر حياتهم ورزقهم. في تلك الأثناء، كانت المياه المسمومة لا تزال تتدفق نحو الدانوب، حاملة معها آلاف الأمتار المكعبة من السيانيد والمعادن الثقيلة في رحلتها نحو البحر الأسود.
كان من الصعب حصر البقع البيضاء التي غطت مساحات واسعة من سطح الماء، وهي عبارة عن أسماك مقلوبة وظهورها للأعلى. لم تكن الأسماك وحدها الضحايا، بل امتلأت الشواطئ بالطيور والثدييات النافقة التي حاولت الشرب من ذلك الماء القاتل. سرعان ما أصبحت مياه النهر غير صالحة حتى للاستخدام في الأغراض الصناعية، ناهيك عن الشرب أو الري، ليس في رومانيا فحسب، بل في هنغاريا وما كان يُعرف آنذاك بدولة يوغوسلافيا أيضا.
كان وقع الصدمة كبيرا، لكن الأمل بقي يتنفس بصعوبة. تمنى دعاة حماية البيئة أن تعود الأمور إلى طبيعتها خلال خمس سنوات، وأن تتخلص المياه من آثار المواد الكيميائية بفعل تيار النهر وعمليات التنقية الطبيعية. لكن مرور ستة وعشرين عاما على الكارثة يروي قصة مختلفة تماما. ما زال نهر الدانوب يُوصف بأنه أحد أكثر أنهار أوروبا تلوثا. تشير أدلة علمية حديثة إلى أن الكارثة لم تنتهِ بعد. في دراسة أجريت عام ألفين وخمسة وعشرين على ثمانية أنواع من أسماك دلتا الدانوب الرومانية، تبين أن مستويات معدن الكادميوم السام في جميع العينات التي تم فحصها تجاوزت الحد الأقصى المسموح بين ثلاثة إلى خمسة أضعاف. وأكدت الدراسة أن المعادن الثقيلة لا تزال نشطة بيولوجيا، وتتراكم في أنسجة الأسماك، ما يشير إلى استمرار تلوث الرواسب النهرية.
الحقيقة المرة هي أنه بينما تبددت مركبات السيانيد السائلة التي تسربت في ذلك اليوم المشؤوم منذ فترة طويلة، بفعل التخفيف والتحلل، فإن التلوث القديم بالمعادن الثقيلة، مثل الكادميوم والرصاص والزئبق، لا يزال عالقا في الطبقات الرسوبية في قاع النهر وضفافه.
هذه المعادن لا تتحلل بسهولة، بل تستمر في التسرب ببطء إلى السلسلة الغذائية، من العوالق إلى الأسماك الصغيرة ثم الكبيرة، وصولا إلى الطيور والإنسان. إنها قنبلة موقوتة ذات تأثير تراكمي.
على هذا النحو، كارثة بايا ماري لم تكن حادثة حصلت وانتهت، بل هي عملية بطيئة ومستمرة من التسميم البيئي، تذكرنا بأن جشع الحاضر قد يترك سمومه تثقل كاهل المستقبل لعقود طويلة، وأن تعافي الطبيعة من جراح البشر قد يكون أبطأ وأكثر تعقيدا مما نتصور. النهر لا يزال يحمل في ذاكرته رسالة ذلك الشتاء القاسي، وما زالت أمواجه تحكي قصة السم الذي أطلق في مجراه، ليظل درسا بيئيا مؤلما في سجلات القارة الأوروبية.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
ليلة الثلاثين من يناير.. الهجوم الذي غيّر مفهوم الشرف
تتربع حكاية "السبعة والأربعون رونين" على عرش الملاحم اليابانية الخالدة، لتشكل نسيجا مأساويا يتعدى كونه مجرد واقعة تاريخية عابرة.
أمثولة هاواي ومصير غرينلاند!
بحلول نهاية القرن الثامن عشر، بينما كانت القوى الأوروبية توسع نفوذها عبر محيطات العالم، بقي مكان واحد في المحيط الهادئ بمنأى عن وطأة القدم الأوروبية، إنه أرخبيل هاواي الساحر.
محتال أجرى 16 عملية جراحية ناجحة!
في عالم الاحتيال والخداع، تبرز أحيانا شخصيات تبلغ من الفرادة والغرابة حدا يدفع إلى التساؤل عن الحد الفاصل بين الواقع والخيال وبين البراعة والجنون.
اليوم الذي توقفت فيه الخرائط عن الكذب
حين يدور الحديث عن الاكتشاف التاريخي للقارة القطبية الجنوبية، يتردد اسمَا القبطان ثاديوس بيلينغسهاوزن وميخائيل لازاريف، قائدَيْ البعثة الروسية الرائدة التي حققت هذا السبق الكبير.
بقايا جنرال بريطاني في مستودع بالخرطوم!
كان الجنرال تشارلز غوردون ضابطا شهيرا خدم الإمبراطورية البريطانية في أكثر من منطقة، قاد جيوشها في الصين وعرف هناك بـ "غوردون الصين" وتولى إدارة السودان وعرف بـ "غوردون الخرطوم".
التعليقات