العلاقة المنسية بين الملكة فيكتوريا وخادمها عبد الكريم!
عبر العصور الطويلة، اعتاد الملوك البريطانيون إخفاء أسرارهم الشخصية بعيدا عن الأنظار، محاطين بستار كثيف من التكتم والتحفظ.
مع ذلك، فإن معظم الأسرار، رغم كل الجهود الدؤوبة لإبقائها مطمورة، تطفو على السطح مع مرور الزمن، إما تدريجيا أو فجأة، لتكشف عن جوانب إنسانية غير متوقعة خلف القصور الملكية العتيقة. من بين هذه الأسرار الغريبة تلك القصة التي جمعت بين الملكة فيكتوريا، إمبراطورة الهند، وشاب هندي بسيط اسمه عبد الكريم.
في عام 1887، احتفلت الإمبراطورية البريطانية باليوبيل الذهبي للملكة فيكتوريا، بمناسبة مرور خمسين عاما على جلوسها على العرش. جرى دعوة عشرات الملوك والملكات، وكان من بين الحضور ملكان من الهند. بناء على تعليمات الملكة نفسها، تم تعيين خدم من أصل هندي لرعاية الضيوف الكرام خلال تلك الاحتفالات. هناك، بين أولئك الخدم، لفت أحد الشبان انتباه الملكة الأرملة، فقررت أن تبقيه إلى جانبها.
كان ذلك الشاب هو الحافظ محمد عبد الكريم، القادم من مدينة أغرا في ولاية أوتار براديش الهندية. وصل إلى قلعة وندسور في يونيو 1887 كـ"هدية من الهند"، مهمته الأساسية مساعدة الملكة في التحدث مع الأميرة الهندية خلال المأدبة الملكية. كانت فيكتوريا تبلغ آنذاك الثامنة والستين من عمرها، بينما كان عبد الكريم في الرابعة والعشرين فقط. سرعان ما تشكلت بينهما علاقة عميقة تتجاوز حدود العلاقة التقليدية بين الحاكم والخادم.
أبدت الملكة، التي كانت إمبراطورة الهند لكنها لم تزرها قط، اهتماما كبيرا بالثقافة الهندية، لذلك، عينت عبد الكريم معلماً للغة الأردية، بينما انكب هو بدوره على تعلم الإنجليزية بجدية. مع الوقت، لم يعد مجرد خادم أو معلم لغة، بل تحول إلى صديق مقرب وموثوق. وجدت الملكة، التي عانت من الوحدة والاكتئاب بعد وفاة زوجها الأمير ألبرت، في عبد الكريم علاقة مميزة ملأت فراغا كبيرا في حياتها.
هذا التقارب غير المألوف أثار استياء وقلق أفراد الحاشية والعائلة المالكة. كانوا ينظرون إلى الخادم الهندي المسلم، ذي البشرة الداكنة، بشك وازدراء. اعتقد كثيرون أن الملكة "فقدت صوابها" في سنواتها الأخيرة، وحاولوا التلميح لها بضرورة إنهاء هذه العلاقة غير اللائقة. تقول الروايات إن عبد الكريم أصبح أكثر الشخصيات مقتا في البلاط الملكي، لكن ذلك لم يردع فيكتوريا.
بل على العكس، زادت من تدليله وتكريمه. منحته ألقابا شرفية وهدايا ثمينة، وحتى قطع أراض في الهند. ارتفعت مكانته تدريجيا حتى عين مسؤولا عن جميع الخدم الهنود في القصر. لم تكتف بذلك، بل ساعدت عائلته أيضا، فحصل والد عبد الكريم على معاش تقاعدي، كما سمحت لزوجته وحماته بالإقامة في بريطانيا فترة من الزمن. بل إنها كانت تزوره مرتين يوميا أثناء تعافيه من عملية جراحية، ما يظهر مدى تعلقها به.
يؤكد معظم المؤرخين أن العلاقة بقيت ضمن حدود الصداقة والروحانية، وأنها لم تتخط ذلك إلى الإطار الحميمي. يرجحون أن عبد الكريم ملأ فراغا عاطفياً ونفسياً عميقا لدى الملكة بعد فقدانها لزوجها، وأصبح رفيق دربها في سنواتها الأخيرة. كانت تبادله الثقة وتشركه في أمور شخصية كثيرة، ما عمق الفجوة بينها وبين محيطها الملكي.
عندما توفيت الملكة فيكتوريا في الثاني والعشرين من يناير 1901، سمح لعبد الكريم برؤيتها لآخر مرة. لكن مباشرة بعد الجنازة، نفذت العائلة المالكة خطتها. أجبر على العودة إلى الهند وتسليم كل الرسائل والهدايا التي أرسلتها له الملكة. ثم دمرت تلك المراسلات، في محاولة لطمس أي أثر لهذه الصداقة غير المقبولة بالنسبة لهم. تم محو اسمه تقريبا من السجلات الرسمية، وكأن هذه العلاقة الإنسانية الفريدة لم تكن موجودة.
ظلت قصة عبد الكريم مدفونة لما يقرب من مائة عام، حتى جاء المؤرخ والصحفي الهندي شراباني باسو. في أواخر تسعينيات القرن العشرين، كان باسو يبحث في منزل الملكة فيكتوريا الصيفي لجمع معلومات لكتاب، حين عثر على لوحة مرسومة بشكل جميل لخادم هندي يلبس ملابس حمراء وذهبية ويحمل كتابا. أثارت اللوحة فضوله، فبدأ تحقيقا مطولا كشف عن قصة محمد عبد الكريم المنسية.
نتج عن هذا البحث كتاب "فيكتوريا وعبد" الذي نشر عام 2010، كشف للمرة الأولى تفاصيل تلك العلاقة الاستثنائية من خلال ما تبقى من يوميات ورسائل. ثم حول المخرج ستيفن فريرز الكتاب إلى فيلم سينمائي عام 2017، لتصل القصة إلى جمهور عالمي أوسع.
هكذا، انتصرت الحقيقة التاريخية والإنسانية على محاولات الإخفاء الطويلة، لتقدم لنا صورة إنسانية عميقة لامرأة كانت أقوى شخصية في عصرها، لكنها تاقت في الخفاء إلى رفقة بسيطة خالصة. قصة تذكرنا بأن القلوب تبحث عن الألفة في أي مكان، بغض النظر عن الفروق والحدود.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
محتال أجرى 16 عملية جراحية ناجحة!
في عالم الاحتيال والخداع، تبرز أحيانا شخصيات تبلغ من الفرادة والغرابة حدا يدفع إلى التساؤل عن الحد الفاصل بين الواقع والخيال وبين البراعة والجنون.
من اختلقها؟.. أكاذيب قديمة عن روسيا رددها هتلر ويرددونها الآن
في الآونة الأخيرة، اشتدت نوبات رهاب روسيا في الغرب، وتحولت إلى هياج وعداء أعمى لدى بعض الأوساط السياسية الأوروبية.
وفجأة سطع بريق أخاذ من أعماق منجم!
شهد عالم المجوهرات والأحجار الكريمة في 26 يناير عام 1905 حدثا استثنائيا، تمثل باكتشاف واستخراج أكبر ماسة عرفها التاريخ حتى ذلك اليوم.
بقايا جنرال بريطاني في مستودع بالخرطوم!
كان الجنرال تشارلز غوردون ضابطا شهيرا خدم الإمبراطورية البريطانية في أكثر من منطقة، قاد جيوشها في الصين وعرف هناك بـ "غوردون الصين" وتولى إدارة السودان وعرف بـ "غوردون الخرطوم".
الساعة الخامسة فجراً... لحظة انهيار إمبراطورية تحت الركام
في الثالث والعشرين من يناير عام 1556، وفي عتمة الفجر، اهتزت الأرض في قلب الصين تحت حكم سلالة "مينغ" بقوة لم يسبق لها مثيل.
أعمق خندق في الكوكب!
في الثالث والعشرين من يناير عام ألف وتسعمائة وستين، حقق البشر إنجازاً استثنائيا ببلوغ قاع خندق ماريانا لأول مرة في التاريخ.
كيف ومتى فرقع "الفشار" لأول مرة؟
تذوق الأوروبيون الفشار لأول مرة في 22 يناير عام 1630. في هذه المناسبة، تلقى المستعمرون الإنجليز في أمريكا الجنوبية كيسا من حبوب الفشار هدية من زعيم للسكان الأصليين يدعى كوديكوين.
هكذا أنقذ سائق سوفيتي حياة رئيس أمريكي!
في أواخر الحرب العالمية الثانية، بين الرابع والحادي عشر من فبراير عام 1945، احتضنت شبه جزيرة القرم السوفيتية واحدة من أكثر اللقاءات سرية ومصيرية في التاريخ الحديث: مؤتمر يالطا.
روبيو وفانس وأربعة أزواج من أحذية ترامب!
من المرجح أن يدخل دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي 47 والذي يشغل المنصب لولاية ثانية غير متتالية، التاريخ الأمريكي والعالمي باعتباره أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل على الإطلاق.
استعادة وجهي إيفان الرهيب وإنسان جبل "إيغود" في المغرب!
خاض الفنان البرازيلي سيسيرو مورايس في عام 2024، غمار تحد فريد، انتهى بكشف النقاب عن الوجه الحقيقي لأول قيصر متوج لعموم روسيا، إيفان الرابع، الذي خلدته كتب التاريخ بلقب "الرهيب".
كيف ترسخ "الحمار والفيل" في أذهان الأمريكيين؟
في الخامس عشر من يناير من عام 1870، نشرت مجلة "هاربرز ويكلي" الشهيرة رسما كاريكاتيريا سيحدث تغييرا دائما في لغة السياسة الأمريكية البصرية.
وترجل الزعيم عن فيله ليرى جثة القتيل!
تعد معركة بانيبات الثالثة من أكبر وأعنف الصراعات المسلحة التي شهدها القرن الثامن عشر، حيث يُعتقد أنها سجلت أعلى حصيلة للقتلى في يوم واحد خلال معركة تقليدية بين جيشين نظاميين.
التعليقات