معارك كر وفر.. ميدانية ودبلوماسية

أخبار العالم العربي

معارك كر وفر.. ميدانية ودبلوماسيةمعارك كر وفر.. ميدانية وديبلوماسية
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/i216

يتعقد المشهد في حلب ميدانيا وسياسيا، فالميدان المشتعل منذ سقوط الهدنة قبل نحو أسبوع، يشهد معارك كر وفر بين الجيش السوري وحلفائه من جهة والمجموعات المسلحة من جهة أخرى.

آخر المعارك شهدها مخيم حندرات الذي انتقلت السيطرة عليه بين ليلة وضحاها من الجيش السوري ولواء القدس الفلسطيني إلى تحالف واسع من المجموعات المسلحة الإرهابية و"المعتدلة".

وبعد سيطرة الجيش السوري ولواء القدس على مخيم حندرات للاجئين الفلسطينيين السبت، أعلنت الجماعات المسلحة في حلب "النفير العام" لجميع من يقدر على حمل السلاح للالتحاق بجبهة مخيم حندرات، وسارعت حركة نور الدين زنكي للانضمام لما يسمى بغرفة عمليات "جيش الفتح"، حيث بدأت الجماعات المسلحة هجوما على المخيم من ثلاث جهات من الجنوب، من دوار الجندول ومن الشرق والغرب، إلى أن تمكنّت من استعادة السيطرة من جديد على المخيم وسط اشتباكات عنيفة.

ويكتسب المخيم المذكور أهمية نظراً لجغرافيته المرتفعة التي جعلت منه نقطة حساسة شمال حلب لقربه من طريق الكاستيلو ودوار الجندول الذي يشكّل عقدة الوصل لأحياء حلب الشرقية.

وكان الجيش السوري أعلن عن بدء عملية تحرير الأحياء الشرقية لحلب الخميس 22 / أيلول سبتمبر2016، حيث واصل سلاح الجو لليوم الثالث غارات مكثّفة على مواقع المسلّحين في الأحياء الشّرقيّة، بانتظار البدء في الإقتحام البري الذي لن يطول أجله بحسب مصدرٌ عسكريّ سوري قال لـ"فرانس برس": "حين أعلنّا بدء العمليات البرية، فهذا يعني أننا بدأنا العمليات الاستطلاعيّة والاستهداف الجوي والمدفعي، وقد تمتدّ هذه العملية لساعات أو أيام قبل بدء العمليات البرية"، ومشيراً إلى أنّ "بدء العمليّات البرية يعتمد على نتائج هذه الضربات".

وتتزامن هذه التطورات العسكرية المتسارعة في الميدان الحلبي، بتطورات على المستوى الدبلوماسي، لا بل تأتي كنتيجة مباشرة لها، فمجلس الأمن يبحث في اجتماع طارئ لبحث الوضع في مدينة حلب. والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ووزراء خارجية دول أوروبية عدة حليفة لواشنطن تبدأ ما يشبه هجوماً دبلوماسياً على روسيا، حيث أعلنوا في بيان مشترك، أن الأمر بيد روسيا لإعادة إحياء الهدنة في سوريا من خلال اتخاذ خطوات استثنائية.

وحضّ هؤلاء موسكو "على السماح بوصول المساعدات الإنسانية من دون قيود، ووقف ما أسموه القصف العشوائي للحكومة السورية على المدنيين وتهيئة الظروف اللازمة لاستئناف المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة في شأن عملية الانتقال السياسي".

وزعمت المجموعة التي تضم وزراء خارجية فرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن "المسؤولية تقع على عاتق روسيا كي تثبت أنها مستعدة وقادرة على اتخاذ خطوات استثنائية لإنقاذ الجهود الدبلوماسية".

روسيا ردّت على هذه الحملة على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف الذي أكد أنه "ليسهناك مجال لاستئناف العمل بنظام وقف إطلاق النار في سوريا إلا على أساس جماعي".
وأضاف لافروف: "إذا كان الأمر سيتلخص مجددا في الطلب من القوات الجوية الفضائية الروسية والقوات الجوية السورية القيام بخطوات أحادية الجانب للتوقف لمدة 3-4 أيام لإقناع المعارضة بالابتعاد عن "جبهة النصرة"، فلن نأخذ هذه الأحاديث على محمل الجد".

وأكملت الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا ما بدأه لافروف مؤكدةً "إن الغرب يطالب روسيا الآن بأدلة على وجود إرادة لدى موسكو في إحلال السلام في سوريا"، معتبرة أن "من يطالب روسيا بأدلة على رغبتها لإحلال السلام في سوريا، عليه أن يثبت هو أولاً، عدم وجود علاقة له بمعتدين على دول في المنطقة"، في إشارة إلى الدعم الذي يقدمه الغرب للمجموعات المسلحة بما فيها المصنّفة إرهابية في سوريا والعراق وغيرهما.

لكن المفارقة أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة التي تتملص وتماطل منذ أشهر في الإيفاء بالتزاماتها وآخرها المتفق عليها بموجب الاتفاق الروسي - الأمريكي بفصل من تسميها "معارضة معتدلة" عن التنظيمات الإرهابية وخاصة "جبهة النصرة"، لا تجد حرجاً في ذر الرماد في العيون عبر دعوتها للمعارضة في سوريا إلى وقف تعاونها مع "جبهة النصرة"، وكأن هذه المعارضة تملك من أمرها شيئاً دون دعم وتواطؤ هؤلاء المطالبين وحلفائهم الإقليميين.

ذر الرماد في العيون باتت موسكو تفهمه جيداً، وأصبحت خبيرة كما يبدو في هذا النوع من الحملات والتصريحات المعدّة للاستهلاك الإعلامي، ومن هنا فهي دعمت وشاركت في عملية الجيش السوري في أحياء حلب الشرقية، التي فاجأت الطرف الآخر بتوقيتها ودلالاتها، فموسكو التي لم تألو جهداً في سبيل الوصول إلى تفاهم مع واشنطن يؤدي إلى هدنة ومن ثم إطلاق عملية سياسية بين السوريين، باتت ترى مع كل هذا التلاعب الأمريكي أن الحسم يبدو أقل كلفة من انتظار خيارات دبلوماسية وتسوية لا شركاء فيها بسبب التعنت الأمريكي، كما أن البقاء على أبواب حلب وحصارها، أكثر كلفة عسكرياً ودبلوماسيا من خيار اقتحامها.

على خلفية هذا المشهد العسكري الجديد الذي كان حصيلة تنسيق روسي – سوري مشترك، يبدو واضحاً أن القرار هو في المضي بالحسم، إن تعذّر الحل، وتبدو مفهومة كذلك النبرة الواثقة لوزير خارجية سوريا، وليد المعلم خلال إلقائه كلمة بلاده من على منبر الأمم المتحدة حين قال : "إيمان السوريين بالنصر بات أكبر من أي وقت مضى بعد التقدّم الكبير الذي يُحرزه الجيش السوري على الإرهاب"، وإذ رحّب بأي جهد دولي لمكافحة الإرهاب في سوريا، أكد ضرورة التنسيق مع الحكومة السورية في عمليات محاربة الإرهاب، في تذكير بموقف دمشق الثابت في هذا الموضوع، متهماً الولايات المتّحدة بالتواطؤ مع تنظيم "داعش" من خلال استهدافها للقوات السورية، ومؤكداً، في المقابل، أن دعم روسيا وحلفاء بلاده الآخرين ساهم في تعزيز صمود السوريين.

علي حسون