من أين جاءت نظرية "البطل الخارق"؟

أخبار العالم

من أين جاءت نظرية مقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/htgm

منذ مطلع عام 2016، شهدت الساحة السياسية الأمريكية تصريحات متناقضة ومتضاربة في أحيان كثيرة بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية.

وكانت هذه التصريحات مرتبطة بالصراعات المختلفة، والخلاف مع الاتحاد الروسي، وحول عدد من القضايا العالمية الأخرى.

بيد أن المتتبع لأسباب هذا التناقض يعلم علم اليقين ألاَّ خلاف جوهريا بين البيت الأبيض والخارجية والكونغرس إلا بالشكل فقط. ففي الولايات المتحدة يوجد لوبي من المستشارين لا يتجاوز عددهم العشرين، يحددون الإطار العام للسياسة الأمريكية. وهم من يقال عنهم "الإدارة الأمريكية" أو (United States Government) . كما يختار هؤلاء بعض الباحثين للمساهمة في بلورة وصياغة دراسات، تساعد صناع القرار في اتخاذ قرارات مصيرية.

فالبيت الأبيض يعتمد على آراء بيوت الخبرة والمراكز الاستراتيجية الأمريكية "Think Tanks & Strategic Centers"، التي لا تبعد إلا أمتارا قليلة عن المطبخ السياسي للحكومة الأمريكية في البيت الأبيض. بينما تعتمد الخارجية الأمريكية على ما يقدمه لها مستشارو الأمن القومي الأمريكي "NSA" ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "CIA". وفي السياق نفسه، تعتمد وزارة الدفاع الأمريكية على ما تقدمه لها مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية والعسكرية "RAND".

وما تقوم به تلك المراكز البحثية هو، في الحقيقة، الترويج للفكر الإيديولوجي القومي الأمريكي، لأنه يساهم في تحديد مسار السياسة الخارجية الأمريكية، وتوجهات القيادات الحاكمة باستخدام مصطلحات، مثل: "المحافظين الجدد" أو "الصقور" أو "القوة الناعمة"، بسبب توجهات الحزب الديمقراطي. لكن من المؤكد، وفق ما أكده عدد من الباحثين الأمريكيين، أن السياسة الأمريكية الشرق أوسطية، مثلها مثل السياسة الأمريكية إزاء روسيا، تحكمها متغيرات كثيرة تستند إلى المصالح الأمريكية وحجم التنافس الدولي. وبحسب المعلومات المستقاة من المستشارين في تلك المراكز، فإن أي تناقض ينبع مما يسمى "لعب الأدوار" بين أجهزة الحكومة الأمريكية لتشتيت الرأي العام الداخلي والخارجي.

وبحسب ما صرح به أحد الباحثين في مراكز الأبحاث المقربة من الكونغرس الأمريكي، فإن أي تناقض في التصريحات والمواقف يكون بناء على توصيات من مستشارين مشتركين يعملون معاً لمعرفة ردود أفعال الدول تجاه تلك المواقف: أي أن تلك التناقضات تمثل بالونات اختبار لمساعدة الحكومة الأمريكية في تنفيذ مشروعاتها. وقال آخر إن هذه التضاربات ليست سوى مناورات تضليل متقنه لخداع الدول، وامتصاص ردود الأفعال، وكسب الوقت، والرهان على المستقبل.

فمنذ تعيين إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في مارس 2015 روبرت موللي عضوا بارزا في مجلس الأمن القومي، نظراً لعمله في السابق مسؤولا عن ملف العراق وإيران ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أصبح اهتمام البيت الأبيض منصباً على الملف الإيراني والعلاقات مع إيران على حساب الدول الأخرى بناء على توصيات منه شخصياً. وهذا ما يفسر الاهتمام المتزايد في التقارب مع إيران اقتصادياً على حساب دول أخرى من أجل تقارب سياسي أكثر. ففي تلك الفترة شهدت العلاقات الأمريكية-الإيرانية توقيع عدة صفقات تجارية، منها: طائرات بوينغ، وامتيازات بنكية، وغيرها. ويعدُّ موللي محاميا مختصا في فض النزاعات، حتى أنه يعدُّ في البيت الأبيض والأمن القومي الأمريكي من أكثر الخبراء دراية ومعرفة بشؤون  الشرق الأوسط منذ عام 2014.

بداية التناقض في السياسة الأمريكية

حين قال وير الخارجية الأمريكي جون كيري: إن الدول في منطقة الشرق الأوسط تؤيد الولايات المتحدة في موقفها من النووي الإيراني، كان خطاب دول الخليج غير ذلك. كان خطاباً شابته المرارة من خداع  وتضليل سياسي. كان ذلك التصريح في وقت دعا فيه أوباما قيادات دول الخليج العربية إلى ألا تفتعل خلافات مع إيران وأن تتحاور مع طهران لحل النزاع معها. وهنا يكمن التناقض المتعمد! والهدف معرفة ردود أفعال تلك الدول، وابتزازها مالياً وعسكرياً، بناء على توصيات تلك المراكز البحثية، التي تعد صانعة القرار الرئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية.

علامَ تعتمد السياسة الخارجية الأمريكية؟

تستند السياسة الأمريكية الخارجية على مجموعة من المعطيات حول ما يسمى بـ"المصير المحتوم"؛ وهو أن "الله قد اختار الشعب الأمريكي ليقود العالم إلى نهاية الزمان، وأن المستقبل سيكون عصر العظمة الأمريكية". لذلك نرى أن السياسة الأمريكية تتمحور حول ثلاث نقاط جوهرية، هي:

أولاً: عظمة الولايات المتحدة وسبل الحفاظ على ذلك

ثانياً: ضرورة مواجهة التحديات التي قد تهدد المصالح الأمريكية

ثالثاً: افتعال أزمات وتهديدات دائمة لإعطاء الشرعية لتسيُّد الولايات المتحدة على العالم، مثلما هو الحال في قضية الإرهاب وغيرها من المخاطر العالمية التي يمكن حلها بسهولة، ولكن المصلحة الأمريكية لا تتطلب حلها؛ إذ إنها "مسمار جحا" الذي تُعلَق عليه جميع التحركات الأمريكية العالمية، وتعطي إدارتها صفة الشرعية عبر خلق عدو وهمي دائم.

وهنا لا بد من أن نرجع إلى الوراء قليلا؛ إذ إنه بعد اختفاء التأثير الشيوعي في العالم، كان لا بد من خلق كيان آخر يهدد العالم والسلم العالمي؛ ما يعني اللجوء إلى "البطل الخارق" (Super Hero) الأمريكي لإنقاذ البشرية من الخطر، فكان أن خُلق الإرهاب. وما أحداث سبتمبر 2001 إلا تأكيد لذلك. فالولايات المتحدة تفكر بشكل استراتيجي بحت لا بطريقة اعتباطية. فالحاجة إلى إيجاد عدو هي عقيدة في التراث الأمريكي منذ وصول المستعمرين إلى أمريكا قبل عدة قرون، والذين كانوا يتوسعون غرباً باتجاه المحيط الهادئ وفق ما أطلق الأمريكيون عليه تسمية "American Frontier". وهي تعني البحث عن تحد وعدو جديدين للتسيُّد على العالم. 

كذلك، لا بد من الرجوع إلى ما نشرته مجلة "نيوزويك" في مقابلة مع صمويل هنتنغتون قال فيها: إن "أحداث الحادي عشر من سبتمبر شكلت الطلقة الأولى في المعركة النهائية في الحرب الحضارية الطويلة. وإن من ينتصر في هذه المعركة سينتصر تاريخيا". لذلك، نحن أمام شكل جديد من الاستعمار عبر الضغط على الشعوب بعدو وهمي يستدعي الحماية والوصاية الغربية لابتزاز الشعوب وابتلاع خيرات البلاد.

شهاب المكاحلة