"أستميحكم عذرا" تهز أوراسيا

أخبار العالم

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ht00

يجمع مراقبون على حدوث انقلاب جذري في موقف أنقرة بعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وإدراكها أهمية الشريك الروسي وانسجام مواقفه مع المصالح الاستراتيجية لتركيا، واعتذارها لموسكو خير دليل.

وتعزيزا لهذا الطرح، وفي مفاجأة غير متوقعة، لم يستبعد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو تعاونا عسكريا موسعا بين بلاده وروسيا ضد "داعش"، وربما في خطوة تريد بها تركيا التكفير عن ذنب إسقاط القاذفة الروسية قبل سبعة أشهر خلال عودتها من مهمة كانت تدكّ فيها تحصينات الإرهابيين ومواقعهم شمال سوريا.

وبالوقوف على آخر التطورات، يبدو أن القيادة التركية، قد خلصت بعد أن تلفتت بوجهها يمينا ويسارا، وصارت تحصي الخسائر الاقتصادية والجيوساسية على خلفية تدهور العلاقات مع موسكو، خلصت إلى العمل بالحكمة الروسية التي ترى "أن يقضي المرء حاجته متأخرا أفضل من ألا يقضيها أبدا"، وتذكّرت أن من اعتبرتهم حلفاء على جميع الساحات، تنصلوا منها عند أول أزمة نشبت بينها وروسيا، وتركوها وجها لوجه معها في صراع قد يخصب ولا ينضب، ويصعب التكهن بمآله.

كما أدركت، وبعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أن اتحاد الأوروبيين قد سلك سكة الاتحاد السوفيتي، الذي تفكك في حينه لأسباب لا تختلف عن تلك التي حملت البريطانيين على قرارهم، وتجعل الفرنسيين والهولنديين وغيرهم بين الأوروبيين يفكرون بانسحاب استباقي من اتحاد يتصدع، بغض النظر عن اشتياط واشنطن ومن معها غضبا، حيث لم يعد الساسة الأوروبيون قادرين على وقف مدّ الغضب الشعبي في بلدانهم جرّاء الانصياع الأعمى للبيت الأبيض ودعاة حروبه وعقوباته على حساب الآخرين.

قبول موسكو السريع للاعتذار التركي، جاء كما يبدو للكثير من المراقبين، تتويجا لمباحثات غير معلنة انتهت بتطبيع عاجل وضع النقاط على أحرفه اللقاء الأخير بعد انقطاع بين وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره التركي، والذي أعقب حديثا هاتفيا بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان انتظرته الأوساط الاقتصادية والاجتماعية قبل السياسية في البلدين.

كما يجمع المراقبون، على أن القشة التي قصمت ظهر بعير أنقرة، وأخرجتها عن صمتها في العلاقات مع روسيا، وحملتها على إعادة توجيه بوصلتها من بروكسل إلى موسكو، كانت التفجيرات التي استهدفت أقوى حصون الأمن التركي في مطار "أتاتورك" الدولي مؤخرا، لا سيما وأن المشبوه الأول في تدبير هذه التفجيرات، هو الإرهابي أحمد تشاتايف الذي تلاحقه المخابرات الروسية منذ 2003.

فهو، حسب طرح المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، "ضحية لآلة الأمن الروسية التي بترت يمناه وقطعت ساقه في مطاردته على نشاطات ثورية، وتحررية" في شمال القوقاز الروسي، الأمر الذي يتطلب رعايته وبذل النفس والنفيس من أجله، كي لا تطاله موسكو "التي قد يقضي تعذيبا في غياهب زنازينها على أيدي عتاة مخابراتييها".

تشاتايف، أصبح أخيرا وراء القضبان، وألبارسلان شيليك وصحبه المتهمون بقتل الطيار الروسي صاروا رهن الإقامة الجبرية في تركيا، وذلك بعد أن اعتلت "تكبيراتهم" شمال سوريا وتفاخروا أمام الكاميرات بنيلهم "شرف" قتل الطيار و"الانتقام" من روسيا على دعمها لـ"نظام الأسد" في سوريا، وكأن السوريين وكّلوهم للترافع محامين عنهم.

قرار أنقرة المصالحة مع موسكو، ترك صدى كبيرا، طنّ في أذني واشنطن التي قالت على لسان إليزابيت تيرودو الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الأمريكية: "لم نر سوى بيان المتحدث الرسمي باسم الكرملين"، لترسخ تيرودو بذلك الموقف الذي جرت العادة على تبني واشنطن له حينما تسير الرياح بما لا تشتهي سفنها.

الملفت في تصريح الناطقة الأمريكية، أنها أدلت بتأكيداتها هذه في أعقاب إعلان الرئيس التركي شخصيا أنه كتب لنظيره الروسي، واعتذر في خطوة تهدف إلى "إزالة السلبيات التي تشوب العلاقات" بين أنقرة وموسكو.

ومما تقدم، فإن أنقرة بخطوة الصلح مع موسكو، تكون قد أذهلت واشنطن حقا، واقتنصت فرصة الصفح الروسي، لتوظف خطوات الولايات المتحدة في المنطقة بما يخدمها، وترغم واشنطن وتحالفها على عقد شراكة فعالة لمكافحة الإرهاب، وربما انطلاقا من "إنجرليك" نفسها كما يشاع، استنادا لتصريحات صدرت عن وزير الخارجية التركي، وتضارب تفسيرها.

تركيا بإعرابها على لسان وزير خارجيتها عن استعدادها للتعاون العسكري مع روسيا، وعلى نفس المستوى إلى جانب جميع من يكافحون الإرهاب، وفي ضوء إعادة التطبيع مع تل أبيب كذلك، تكون قد اصطادت أكثر من عصفور بضربة واحدة، ودحضت اتهامات تنسب إليها بالوقوف وراء الإرهابيين في سوريا، أو التغاضي عنهم.

وتكون أيضا، قد فتحت ثغرة ولو ضيقة، في الجبهة الروسية الإيرانية على الحلبة السورية، بما يحد حسب خصوم إيران، من الثمار التي تطمح طهران لجنيها في المنطقة بأيدي الطيارين الروس، مستغلة عزل أنقرة لنفسها وخطيئة إسقاط القاذفة الروسية.

وفي تحليل اللوحة الجديدة التي صارت ترتسم ملامحها الأولى في أوراسيا، يبدو أن المستفيد الأول في التوازنات الجديدة التي أسست لها عبارة "أستميحكم عذرا" الصادرة عن الرئيس التركي، هو موسكو التي أتقنت استغلال إسقاط قاذفتها، رغم مرارة المصاب، لتدبّر لعبة خلطت بها أوراق بروكسل وأنقرة وواشنطن، وحاكتها بمسلّة الأكراد المدببة التي وخزت بها تركيا على طول حدود الأطلسي الجنوبية مع سوريا.

صفوان أبو حلا