موسكو تسترد مالها ولو بعد حين

أخبار روسيا

موسكو تسترد مالها ولو بعد حين
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hfaq

اعتبر فيليب بريدلاف قائد قوات الأطلسي في أوروبا أنه بوسع الولايات المتحدة قتال روسيا ودحرها في أوروبا الأمر الذي أثار خشية الأوروبيين أن تغدو أراضيهم ساحة لنزال يفنيهم.

وعاد القائد العسكري الأمريكي الذي تنعته الدوائر العسكرية الروسية بـ"الثرثار"، ليخفف من وقع ما صرح به، وأكد أن بلاده لا تريد حربا مع روسيا، لكنه يتوجب عليها امتلاك الطاقات اللازمة لذلك.

مساعد الرئيس البولندي للشؤون الدولية كشيشتوف شيرسكي، وفي حديث لصحيفة "غارديان"، استبق بريدلاف دون الشذوذو عن طرحه، واعتبر أن "طموحات فلاديمير بوتين لا متناهية، وهي في تعاظم مستمر، تغذيها الانتصارات التي حققها، وبشكل رئيس نتيجة لتغاضي القادة الأوروبيين والأمريكيين".

وأضاف أن "الأمر قد وصل على هذا الصعيد، أي مغالاة بوتين في طموحاته، إلى حد لم تعد الولايات المتحدة قادرة فيه على تجاهل ما يحدث، إذ اعترفت بالخطأ الذي ارتكبته والمتمثل في إدارة ظهرها لأوروبا والكف عن مساعدتها في ردع الزعيم الروسي".

وخلص إلى أن الرئيس الروسي "قد أظهر للجميع قدرة بلاده على ضرب أي بقعة في العالم، وأنه لا يعتزم البقاء ضمن حدود أراضيه".

وعليه، وبالوقوف على ما صرح به مساعد الرئيس البولندي، والجنرال الأمريكي، يبدو أنه كان من الأجدى بالأول أن يستهل حديثه بالاعتراف الذي ختمه به، حينما أقر بقدرة روسيا على ضرب أي بقعة في العالم، فيما كان يتوجب على الثاني، أن يستهل تصريحه أيضا بما ختمه، وأن يمتلك هو وبلاده وحلفه القدرات اللازمة أولا، ومن ثم يتباهى بقدرة افتراضية على دحر روسيا.

وكان عليهما كذلك، وما هو أهم، أن يستذكرا ما صرح به الرئيس فلاديمير بوتين حينما أكد أن العملية الجوية الروسية في سوريا قد أثبتت قدرة موسكو على إطلاق قاعدتها في أي نقطة في العالم وخلال يومين.

 هما يتناسيان وجيش عرمرم من المؤمنين بفرضية "الترخيص الأمريكي لروسيا"، العملية الخاطفة التي نفذتها قوات روسية خاصة في القرم تحت جنح الظلام وخلصت إلى استسلام 20 ألف عسكري أوكراني دون أن يطلقوا رصاصة واحدة وعلى مرأى من واشنطن والأطلسي وقواته في أوروبا.

فالولايات المتحدة التي خذلت فيليب بريدلاف، ومساعد الرئيس البولندي وقبلهما ميخائيل ساكاشفيلي في جورجيا وبيترو بوروشينكو وجوقته الانقلابية في أوكرانيا وغيرهم كثيرين، لم تحرك ساكنا واكتفت بالتهديد الكلامي والوعيد معلنة احتفاظها بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين.

وبالوقوف على لهجة المتوعدين، ومن ينتظرون أن تتحقق أمنياتهم ويلوحون بالأذرع بعد انتهاء العراك، ويديرون أعتى المعارك الكلامية ليخسروها هي الأخرى، لا يتضح سوى تجاهلهم المتعمد لما حققته روسيا وإيمانهم المريض بخرافة الرد الأمريكي "الأسطوري". فواشنطن، صمت أذنيها متجاهلة جميع نداءاتهم، حيث عجزت أمام نفسها والعالم عن مواجهة جميع التحركات الروسية الكبيرة وبشهادة جون ماكين وملايين مثله.

اللعبة تشارف على النهاية، والاتفاق الأخير بين موسكو وواشنطن على إعلان الهدنة في سوريا، وإجماع مجلس الأمن على قرار أممي يدعم الهدنة ويصنف الإرهابيين هناك، كان ضربة موجعة أسفل البطن تلقاها من كانوا ينفخون في نار النزاع السوري ويمدونه بالوقيد، ويعولون على الولايات المتحدة وردها لردع روسيا وإعادتها إلى حيث جاءت.

ومما تقدم، وفي تحليل التطورات الأخيرة في الأزمة السورية واتفاق واشنطن وموسكو على تمهيد الطريق أمام وقف إطلاق النار في سوريا وإعلان هدنة تستثني تنظيمي "داعش"، و"جبهة النصرة" وسواهما من الزمر الإرهابية من أي سلام، يكون العالم قد عاد إلى سنة 1989.

الهدنة المعلنة في سوريا والإقرار الأمريكي الصريح بندية الخصم والمنافس الروسي، عادت بالعالم إلى حقبة القطبين والدولتين العظميين، إثر انتصار مؤزر للدبلوماسية والسلاح الروسيين اللذين أعادا صياغة الجغرافيا وجيوسياسة العالم في القرن الحادي والعشرين وبزخم مغاير لما ساد في القرن الماضي.

هذا التحول، والواقع الجديد الذي رسمت موسكو خطوطه العريضة بصواريخها المجنحة وسواعد طياريها وعسكرييها، أفاقت الغرب وأنعشت واشنطن من غيبوبة النشوة التي فصمتها عن الواقع لأكثر من عقدين من الزمن.

وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، حينما صرح مؤخرا بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الشخص الوحيد في العالم القادر على وقف الحرب السورية وبمكالمة هاتفية واحدة، كان على حق وصدق في حكمه.

المكالمة الهاتفية التي تكهن بها وزير الخارجية البريطاني صدرت عن الكرملين وتلقاها البيت الأبيض، وأعقبها حديث متلفز للرئيس الروسي أطلع فيه مواطنيه والعالم على ما اتفقت عليه موسكو وواشنطن، معلنا بذلك حسب مراقبين، انبعاث ثنائية القطبية في العالم من جديد.

أوتو فون بسمارك، وقبل تصريح وزير الخارجية البريطاني بأكثر من قرن من الزمن، حذر الأمة الألمانية من أي صدام مع روسيا وقال "إن سلبت الروسي ماله وسكت، فاعلم أنه سيعود ليسترده ولو بعد حين".

وفي تحليل ما تقدم، وتوكيدا لصواب بيسمارك في تحذيره، تكون موسكو قد عادت بعد عشرين عاما على زوال الاتحاد السوفيتي واستسلامها اقتصاديا لتسترد "مالها" المسلوب، على غرار ما استردته وبعد زهاء عشرين عاما كذلك، من أوروبا وألمانيا حصرا سنة 1945 تعويضا عن انسحابها من الحرب العالمية الأولى وعن مالها الذي سلب حينها أيضا.

عزل روسيا وإقصاؤها مستحيل، فهي تعود لتسترد مالها ولو بعد حين.

صفوان أبو حلا