حينما بدأ العد العكسي لتحرك أمريكي غيّر ملامح الشرق الأوسط
بدأ العد العكسي للحرب ضد العراق في عملية "عاصفة الصحراء" في 12 يناير 1991، بتفويض الكونغرس الأمريكي بمجلسيه الرئيس جورج بوش الأب باستخدام القوة لطرد القوات العراقية من الكويت.
شكل الغزو العراقي للكويت في الساعات الأولى من الثاني من أغسطس عام 1990، نقطة تحول مصيرية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، حيث عبرت قواته البالغة آنذاك حوالي 120 ألف جندي و350 دبابة حدود البلد الجار واحتلته في عملية سريعة ومفاجئة.
هذا الخطوة الخطيرة وغير المسبوق في العلاقات العربية الحديثة، هز أسس الأمن الإقليمي والدولي، وأطلق سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي بلغت ذروتها في حرب شاملة.
مع فشل كافة المساعي الدبلوماسية والجهود السلمية في إقناع النظام العراقي بالانسحاب غير المشروط، اتجه المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة إلى ساحة مجلس الأمن، الذي أصدر القرار التاريخي رقم 678 في 29 نوفمبر 1990. منح هذا القول الشرعية باستخدام "جميع الوسائل الضرورية" لتحرير الكويت، وحدد مهلة نهائية تنتهي في 16 يناير 1991 للامتثال العراقي.
بعد استنفاد المهلة دون أي تقدم دبلوماسي حقيقي، وقع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في اليوم الأخير توجيهاً يأذن بضربة عسكرية، لتبدأ بعد ساعات فقط، في الساعة الثالثة فجراً بتوقيت بغداد يوم 17 يناير 1991، عملية "عاصفة الصحراء" بقصف جوي مكثف من قبل قوات التحالف الدولي.
اعتمدت الاستراتيجية العسكرية للتحالف، الذي قادته الولايات المتحدة وضم قوات من 35 دولة، بشكل أساسي على التفوق الجوي الساحق والقوة النارية الهائلة لتجنب، قدر الإمكان، حرب برية طويلة ومكلفة. فقد حشدت القوات المتعددة الجنسيات على حدود العراق والكويت قوة ضخمة بلغ تعدادها نحو 600 ألف جندي، يدعمهم أكثر من أربعة آلاف دبابة، و3700 قطعة مدفعية، وحوالي ألفي طائرة مقاتلة، وأكثر من 100 سفينة حربية بما فيها ست حاملات طائرات. شكلت القوات الأمريكية النسبة الأكبر من هذه القوة، بنحو 80 بالمئة، وكانت مجهزة بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية في تلك الفترة.
تميزت الحملة الجوية باستخدام غير مسبوق للأسلحة الذكية والأنظمة المتطورة، وشملت طائرة الشبح من طراز "إف-117أ"، وصواريخ توماهوك التي تطلق من البحر، ونظام باتريوت المضاد للصواريخ، إلى جانب الاعتماد المكثف على أنظمة الملاحة الفضائية "نافستار" والحرب الإلكترونية والاستطلاع المتقدم.
ركزت الضربات في الأيام الأولى على تحييد نظام الدفاع الجوي العراقي ومراكز القيادة والسيطرة والمواقع الصاروخية ومنشآت الأسلحة غير التقليدية المُشتبه بها. ثم تحول التركيز لاحقا إلى تدمير البنية التحتية الصناعية العسكرية، وإلحاق خسائر فادحة بالقوات البرية المدرعة والمشاة الآلية المتمركزة في الكويت وجنوب العراق تحضيراً للمرحلة البرية.
أسفرت الحرب، التي أنهت رسميا بتحرير الكويت في 28 فبراير 1991، عن خسائر بشرية ومادية هائلة. تشير تقديرات الخبراء الغربيين إلى أن القوات العراقية خسرت ما بين 30 إلى 60 ألف قتيل وجريح وأسير، إضافة إلى تدمير 3800 دبابة، وأكثر من 1400 ناقلة جنود مدرعة، وحوالي 2900 مدفع، وما يصل إلى 360 طائرة.
بالمقابل، كانت خسائر التحالف محدودة نسبيا، حيث بلغت حوالي 300 قتيل وأكثر من 600 جريح و69 طائرة مقاتلة. إلا أن الجدل الأكبر يدور حول عدد الضحايا المدنيين العراقيين، الذي تتراوح التقديرات المختلفة بشأنه بين 100 إلى 200 ألف شخص، بينما أشارت الأرقام الرسمية العراقية حينها إلى ما يزيد قليلا عن 2300 قتيل.
امتدت الخسائر لتشمل الدمار الشامل للبنية التحتية المدنية والصناعية العراقية، فقد دمر حوالي 85 بالمئة من المؤسسات الصناعية، وتضررت صناعة النفط بشكل كارثي، حيث لم يبق سليما من أصل 820 بئرا منتجا سوى 58 فقط. ومع ذلك، فقد فاقت الآثار الإنسانية والاقتصادية المدمرة للعقوبات الدولية الشاملة التي فرضت على العراق لاحقا، الخسائر المباشرة للحرب نفسها. على مدى ثلاثة عشر عاما من الحصار، تكبد الاقتصاد العراقي خسائر فاقت 200 مليار دولار من عائدات النفط فقط، فيما عانت الغالبية العظمى من السكان من نقص حاد في الغذاء والدواء وكانت الحصص التموينية الأساسية لا تلبي سوى 10 بالمئة من الاحتياجات الفعلية وفق بعض التقديرات.
لم تكن عملية عاصفة الصحراء مجرد حرب لتحرير دولة محتلة، بل كانت حدثا مصيريا أعاد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بأكملها. أحدث الغزو العراقي للكويت شرخا عميقا في جدار الأمن الإقليمي، ترتب عليه دخول المنطقة في دوامة من عدم الاستقرار والعنف امتدت لعقود. مهّدت هذه الحرب والظروف التي أعقبتها مباشرةً الطريق لمسار آخر، تجلى أخيرا بغزو العراق واحتلاله عام 2003 وإسقاط نظام صدام حسين. هكذا، غرق البلد الذي كان يوما من أقوى دول المنطقة، في دوامة من العنف الطائفي وعدم الاستقرار، دمرت مقدراته وسقط مئات الآلاف من أبنائه، قبل أن يبدأ مسار طويل وشاق للتعافي النسبي الذي ما يزال هشا حتى اليوم.
إقرأ المزيد
روبيو وفانس وأربعة أزواج من أحذية ترامب!
من المرجح أن يدخل دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي 47 والذي يشغل المنصب لولاية ثانية غير متتالية، التاريخ الأمريكي والعالمي باعتباره أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل على الإطلاق.
بقعة سوداء لوثت القرن العشرين!
في خضم حرب الخليج الثانية، وتحديدا في 19 يناير من عام 1991، يعتقد أن الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، اتخذ قرارا تسبب في كارثة كبرى.
كيف ترسخ "الحمار والفيل" في أذهان الأمريكيين؟
في الخامس عشر من يناير من عام 1870، نشرت مجلة "هاربرز ويكلي" الشهيرة رسما كاريكاتيريا سيحدث تغييرا دائما في لغة السياسة الأمريكية البصرية.
وترجل الزعيم عن فيله ليرى جثة القتيل!
تعد معركة بانيبات الثالثة من أكبر وأعنف الصراعات المسلحة التي شهدها القرن الثامن عشر، حيث يُعتقد أنها سجلت أعلى حصيلة للقتلى في يوم واحد خلال معركة تقليدية بين جيشين نظاميين.
عالم صيني يحذر: نسير على خطى الحربين العالميتين الأولى والثانية نحو الثالثة!
يُقارن البروفيسور جيانغ شيويه تشين أحيانا بـ"نوستراداموس"، عراف القرون الوسطى الشهير، لكن الفارق الجوهري أن توقعاته للمستقبل لا تقوم على التكهنات الغامضة.
بين لعنة الشمبانيا وتايتانيك.. حينما "سقط" قبطان سفينة منكوبة بالصدفة في زورق نجاة!
في ليلة 13 يناير 2012، بينما كان البحر التيراني ساكنا، غرقت سفينة الركاب الفاخرة "كوستا كونكورديا" على مقربة من شواطئ جزيرة جيجليو الإيطالية، من دون أن تعصف بها رياح أو أمواج.
عندما بدأ العد التنازلي.. زر خاطئ كاد يفجر كارثة نووية عالمية
دوى في صبيحة الثالث عشر من يناير عام 2018 في هاواي إنذار مفزع صادر عن منظومتي الإنذار الرسميتين، نظام الإنذار العام للطوارئ ونظام الإنذار اللاسلكي للطوارئ.
"شرارة" كسر الطوق عن "لينينغراد"
في 12 يناير عام 1943 شن الجيش السوفيتي عملية عسكرية واسعة حملت الاسم الرمزي "إيسكرا" (لشرارة) وتمكن من فك الحصار عن مدينة لينينغراد جزئيا وإعادة ربطها ببقية أراضي الاتحاد السوفيتي.
بين الموت الطبيعي والقتل.. أبرز الراحلين في عام 2025
شهد عام 2025 رحيل عددٍ بارز من الشخصيات الدولية المرموقة في المجالات السياسية والعسكرية والدينية، تاركين وراءهم آثارا متننوعة في بلادهم والعالم.
ليست "طلقة حظ".. "ميغ – 25" عراقية في مواجهة غير تقليدية مع طائرة أمريكية
شهد التاريخ العسكري الحديث حدثا فريدا في ديسمبر من عام 2002، حين دخلت مقاتلة عراقية من طراز "ميغ-25" في اشتباك جوي مع طائرة استطلاع أمريكية مسيرة من طراز "آر كيو-1 بريداتور".
قنبلة في كعب حذاء على متن طائرة!
في الثاني والعشرين من ديسمبر عام 2001، بينما كانت رحلة الخطوط الجوية الأمريكية رقم 63 تقطع الأجواء في طريقها من باريس إلى ميامي في ظروف بدت طبيعية تماما لكن لم تستمر طويلا.
مولد نووي بحجم كرة شاطئية.. والهيمالايا تبتلع سرّ الحرب الباردة
في خضم تنافس الحرب الباردة، وفيما شبح التسلح النووي يخيم على العالم، شهدت قمم جبال الهيمالايا الشاهقة فصلا غريبا وخطيرا من فصول الصراع الخفي بين القوى العظمى.
هدية أمريكية مذهلة لعدو لدود!
في نوفمبر من عام 1969، وبينما كانت رياح الحرب الباردة على أشدها، وصلت إلى أراضي الاتحاد السوفيتي من دون سابق إنذار، هدية أمريكية مذهلة.
التعليقات