سلاح أرهب الإسكندر الأكبر وجعله يقدّم أضحية لإله الخوف!
يُعد انتشار الفيلة المحاربة من سهول الهند القديمة إلى ساحات المعارك في أفريقيا وأوروبا واحدةً من أكثر الظواهر العسكرية إثارةً وتأثيراً في التاريخ العسكري القديم.
كانت هذه الكائنات الضخمة أكثر من مجرد أدوات في ساحة القتال، بل تحوّلت إلى رموز للقوة والنفوذ وإلى أسلحة إستراتيجية غيرت مجرى الحروب، ودفعت القادة العسكريين إلى تطوير تكتيكات جديدة لمواجهتها أو لاستغلال قوّتها الهائلة.
بدأت القصة في شبه القارة الهندية، التي تُعتبر المهد الأصلي لفكرة استخدام الفيلة في الحروب. تشير الأدلة التاريخية والنصوص السنسكريتية الفيدية إلى أن هذا الاستخدام يعود إلى حوالي عام 1000 قبل الميلاد، حيث اندمجت الفيلة بشكل عضوي في التشكيلات العسكرية الهندية التقليدية المعروفة باسم "تشاترنجا"، والتي ضمّت إلى جانبها المشاة والفرسان والعربات الحربية. من الملفت أن لعبة الشطرنج الاستراتيجية قد تطورت وانحدرت من هذا الاسم ذاته، ما يعكس العمق الثقافي والفكري للمفهوم العسكري الذي مثله الفيل في المخيّلة الهندية.
في الهند، لم يكن استخدام الفيلة عمليّة عشوائية، بل استغلالها تطور ليصبح فنا قائما بذاته. كان الفيل المحارب وحدة متكاملة تتألف من الفيل نفسه وثلاثة أشخاص: السائس الذي يوجهه، ومقاتلان يستعملان الأقواس والرماح من موقعيهما المرتفع على ظهره. تم استخدامها ببراعة ضد سلاح الفرسان، حيث كان الخوف الغريزي الذي تثيره في صفوف الخيول كفيلا بشل حركة فرسان العدو. ولتعظيم تأثيرها، كانت تُرتب في صفوف متباعدة بحوالي ثلاثين مترا، ويوضع المشاة خلفها في تشكيل خاص، مما كان يخلق منظرا أشبه بجدار متحرك تتخلله أبراج هجومية مرعبة. لم تقتصر فائدة الفيل على المعارك الميدانية المفتوحة، بل كانت أداة لا تقدر بثمن خلال عمليات الحصار، حيث كانت تُستخدم لتحطيم الحواجز والأبواب واختراق أسوار المدن المحصنة.
وصل تطوير هذا السلاح ذروته في عهد إمبراطورية موريا "322-185 قبل الميلاد"، التي أنشأت إدارةً حكوميةً متخصصة برئاسة "مشرف الفيلة"، كانت مهمتها الإشراف على جميع مراحل عملية الاستخدام الحربي: من اصطياد الفيلة البرية إلى تدريبها في مراكز متخصصة ورعايتها في محميات خاصة. وهذا الاهتمام الاستراتيجي تجسد بشكلٍ نظري في كتاب "أرثاشاسترا" للفيلسوف والمستشار كوتيليا، الذي قدّم إطارا شاملا لفن إدارة الدولة والحرب، متناولا بالتفصيل فن تربية الفيلة الحربية وتوظيفها تكتيكيا. وقد واجه القادة الغزاة الأجانب قوة هذا السلاح الفتاك بشكلٍ مباشر ومروّع. في معركة نهر هيداسبس عام 326 قبل الميلاد، اصطدم الإسكندر الأكبر بجيش الملك بوروس الذي ضمَّ صفوفا من الفيلة يتراوح عددها بين 85 ومئتي فيل، سببت ذعرا شديدا في صفوف الجيش المقدوني العتيد.
رغم انتصار الإسكندر في النهاية، فإن التقارير التي وصلته عن جيوش شرقية أخرى تمتلك آلاف الفيلة، إضافةً إلى الإرهاق الذي أصاب قواته، أقنعته بوقف تقدمه نحو عمق الهند، مما يشير إلى الأثر النفسي والاستراتيجي الحاسم الذي خلفته هذه الوحوش في حسابات أعظم القادة العسكريين في ذلك العصر.
من الهند، بدأت تقنية الفيلة الحربية رحلتها نحو الغرب. ويُرجَّح أن الجسر الذي عبرت عليه كان الغزو الفارسي الأخميني لوادي السند، حيث اطّلع الفرس على هذا السلاح وأدخلوه إلى جيوشهم. وفي المعركة الحاسمة عند غوغميلا عام 331 قبل الميلاد، نشر الفرس خمسة عشر فيلا حربيا في مركز جيشهم، ما أثار الرعب في نفوس المقدونيين لدرجة أن الروايات التاريخية تذكر أن الإسكندر نفسه قدَّم أضحية لإله الخوف في الليلة السابقة للمواجهة. لكن المفارقة أن الإسكندر، بعد أن اختبر قوتها، أصبح مفتونا بها، فأدمج الفيلة التي استولى عليها في جيشه الخاص. وتبنّى خلفاؤه، أي الخلفاء الديادوقوخ، هذه التقنية بحماسٍ شديد، لتصبح الفيلة سلاحا رئيسا في حروبهم فيما بينهم.
بلغ هذا الاهتمام ذروته في معركة إيبسوس عام 301 قبل الميلاد، حيث نشر سلوقس الأول أربعمئة فيل حربي حصل عليها بموجب معاهدة دبلوماسية مع الإمبراطور الهندي تشاندراغوبتا موريا، تنازل فيها عن أراضٍ شاسعة مقابل هذه الفيلة. وهكذا، تحولت الفيلة من أداة حرب إلى عملة دبلوماسية وسياسية بالغة القيمة، ترمز إلى التحالفات والقوة الناعمة للممالك.
من العالم الهلنستي، انتقلت التقنية غرباً إلى شمال أفريقيا، حيث تبنتها قرطاج ببراعة. وبُعدها عن مصادر الفيلة الآسيوية دفعها لاستخدام فيلة الغابات شمال الأفريقية، وهي سلالة منقرضة الآن وكانت أصغر حجما من نظيرتها الآسيوية، لكنها احتفظت بقدرتها التخريبية الهائلة. وارتبط استخدامها بشكلٍ وثيق بالأسطورة العسكرية حنبعل خلال الحرب البونيقية الثانية. ولا تزال حملته الجريئة عبر جبال الألب عام 218 قبل الميلاد، صحبة 37 فيلا، حدثا أسطوريا يرمز إلى القمة في الجرأة والتحدي اللوجستي. ورغم أن معظم هذه الفيلة نفق بسبب قسوة البرد والتضاريس، إلا أن فيلا واحدا على الأقل، وهو الفيل الشخصي لحنبعل المسمى "سوروس"، نجا ليشارك في المعارك اللاحقة في الأراضي الإيطالية.
مع كل هذه القوة والهيبة، لم يكن استخدام الفيلة سلاحا لا يقهر، بل كان سلاحاً ذا حدين ينطوي على مخاطر جسيمة. فطبيعتها الحية تجعلها عرضة للذعر والفوضى، وإذا ما أُصيبت أو جُنت، يمكن أن تتحول إلى قوة عشوائية تدمر صفوف جيشها بقدر ما تدمر صفوف العدو. وهذا الضعف الاستراتيجي تجلّى بوضوح في المعركة الفاصلة عند زاما عام 202 قبل الميلاد. فقد استعد القائد الروماني سكيبيو الإفريقي لمواجهة فيلة حنبعل، فأمر بتشكيل ممرات واسعة في صفوف جيشه، وملأ هذه الممرات بوحدات من المشاة الخفيفة المسلحة بالرماح. وعندما هجمت الفيلة، سُمح لها بالمرور عبر هذه الممرات دون أن تتمكن من اختراق التشكيل الروماني بشكلٍ كارثي، ثم تعرّضت للهجوم من الجوانب من قبل الرماة والمشاة، مما أجبر الكثير منها على الارتجاع نحو صفوف القرطاجيين، مُحدثةً فوضى وذعرا أفقدا الجيش القرطاجي تماسكه وساهما في هزيمته النهائية.
على هذا المنوال، تروي قصة الفيلة الحربية فصلا مذهلا من فصول التبادل الثقافي والتكنولوجي العسكري في العالم القديم. هي تختصر رحلة انتقال المعرفة من الشرق إلى الغرب، وتحول الاستراتيجيات العسكرية، والتفاعل العميق بين الإنسان والطبيعة في سعيه للسيطرة والنصر. ورغم أن دورها الميداني تراجع مع تطور أساليب الحصار والأسلحة المضادة، إلا أن رمزيتها كتجسيد للقوة الملكية والإمبراطورية استمرت لقرون طويلة، لتظل شاهدا على حقبة كانت فيها عظمة الحرب وعظمة الطبيعة متلازمتين في ساحات الحرب.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
بين السماء والأرض.. ستة أيام عنيفة في إيران!
في الثالث من فبراير عام 1972، شهدت إيران، البلد الآسيوي الواسع ذو المناخ الجاف المعروف بحرارته اللافحة وصحاريه المترامية، بداية واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في تاريخها الحديث.
أمام جحر فأر الأرض في انتظار أنباء الشتاء!
في ظلال شهر فبراير المتأرجح بين برد الشتاء وأنفاس الربيع الأولى، تستيقظ عادة قديمة هادئة في قرى أمريكا الشمالية، لتصبح حدثا يترقبه الملايين.
هوغو تشافيز ونبوءة بـ"رائحة الكبريت"!
يُمكن وصف الراحل هوغو تشافيز "1954-2013" بأنه القائد العسكري والسياسي الفنزويلي الذي صاغ، بعمق وإصرار، معالم الوضع القائم ليس في فنزويلا فحسب، بل وفي محيطها الإقليمي.
تأبين نهر ميت في أوروبا!
في ليلة 30 يناير عام 2000، شهدت بلدة بايا ماري الرومانية كارثة بيئية هائلة. أطلق مصنع حوالي مائة ألف متر مكعب من محاليل السيانيد السامة في رافد نهر سومش، يصب في نهر تيسا.
ليلة الثلاثين من يناير.. الهجوم الذي غيّر مفهوم الشرف
تتربع حكاية "السبعة والأربعون رونين" على عرش الملاحم اليابانية الخالدة، لتشكل نسيجا مأساويا يتعدى كونه مجرد واقعة تاريخية عابرة.
التعليقات