سلسلة رؤساء الاتحاد الروسي.. فلاديمير بوتين والالتفاف نحو الشرق

أخبار روسيا

سلسلة رؤساء الاتحاد الروسي.. فلاديمير بوتين والالتفاف نحو الشرقفلاديمير بوتين في قاعدة حميميم الروسية في سوريا
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/jzcl

في التقرير الرابع والأخير من سلسلة التقارير عن رؤساء روسيا، قبيل انتخابات الرئاسة الروسية في 18 مارس الجاري، تطلع RT قراءها على نتائج الفترة الرئاسية الثالثة لفلاديمير بوتين.

في 4 مارس عام 2012 حقق رئيس الوزراء والمرشح عن حزب "روسيا الموحدة" الحاكم فلاديمير بوتين فوزا في انتخابات الرئاسة الروسية، حاصدا، حسب المعطيات الرسمية، أصوات أكثر من 63% من أصوات الناخبين، بينما عيّن الرئيس المنتهية ولايته دميتري مدفيديف رئيسا للوزراء.

وأعلن بوتين، أثناء حملته الانتخابية الثالثة، عن عزمه على التركيز، في حال انتخابه، على بناء اقتصاد جديد قادر على المنافسة، مشددا على ضرورة كسر اعتماد اقتصاد البلاد على صادرات النفط والغاز.

وطرح بوتين عند توليه الحكم خطة طموحة لإجراء حزمة واسعة النطاق من الإصلاحات، بغية ضمان تطوير الاقتصاد في جميع الاتجاهات ورفع مستوى معيشة المواطنين وتطوير القطاع الخاص ومحاربة الفقر ورفع رواتب المتقاعدين والموظفين وتنمية الخدمات الاجتماعية.

وأقال بوتين مطلع فترته الرئاسية الثالثة عددا من محافظي الأقاليم، لتعيين مسؤولين ناشئين على مناصبهم.

وتمثلت خطة بوتين الإصلاحية بما يعرف "أوامر ماي"، لكن تطورات الأحداث اللاحقة منعت من تطبيق معظم الأهداف المطروحة فيها.

ويستخلص مؤيدو بوتين ومعارضوه في معظم تقديراتهم بخصوص فترته الرئاسية الثالثة إلى الاستنتاجات نفسها، حيث يشيرون إلى أن الحكومة الروسية ركزت في السنوات المقبلة على التصدي للتحديات الجيوسياسية، بدلا عن التركيز على تطبيق الإصلاحات المقررة.

وما يختلف فيه هؤلاء المراقبون هو ما إذا كانت روسيا تتحمل المسؤولية عن ظهور تلك التحديات أو كانت مواجهتها خطوة اضطرارية بالنسبة لها.

وفي شتاء عامي 2013-2014 اندلعت في أوكرانيا المجاورة أزمة سياسية عميقة رافقتها احتجاجات غير مسبوقة وسط العاصمة كييف وأعمال عنف بين الطرفين.

وأعربت موسكو عن دعمها لحكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، بينما كانت دول الغرب تؤيد المعارضة.

احتجاجات معارضة وسط كييف

وبعد الإطاحة بحكومة يانوكوفيتش التي تعتبرها روسيا انقلابا غير شرعي، أجري في شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبل في 16 مارس استفتاء شعبي صوتت فيه الأغلبية الساحقة من سكان المنطقتين (أكثر من 95%) لصالح الانفصال عن أوكرانيا وإعادة الانضمام إلى روسيا، لتعودا رسميا إلى قوام الاتحاد الروسي في 18 مارس.

في موازاة ذلك، أعلنت منطقتا دونيتسك ولوغانسك جنوب شرق أوكرانيا عن استقلالهما من جانب واحد أيضا، ما أسفر عن اندلاع مواجهة مسلحة في المنطقة بين القوات الموالية للحكومة الأوكرانية الجديدة وسكان الجمهوريتين الشعبيتين المعلنتين ذاتيا.

ودقت هذه الأحداث إسفينا بين موسكو والغرب، حيث اعتبرت الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية أن انفصال القرم وسيفاستوبل عن أوكرانيا جاء مخالفا للقانون الدولي، متهمة روسيا بدعم الانفصاليين عسكريا في دونيتسك ولوغانسك، الأمر الذي نفته موسكو قطعيا.

وفرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها حزمة من العقوبات الاقتصادية على روسيا على خلفية الأحداث في أوكرانيا، لترد موسكو على ذلك بخطوات عقابية مضادة، بما فيها حظر استيراد بعض البضائع الغذائية من الغرب.

إبرام اتفاقية بشأن إعادة انضمام شبه جزيرة القرم وسيفاستوبل إلى روسيا

وأسفرت العقوبات الغربية التي استهدفت روسيا على خلفية انخفاض أسعار النفط في العالم عن اندلاع أزمة اقتصادية جديدة في روسيا، وهي الأسوأ منذ تسعينيات، حيث هبط سعر العملة الروسية الروبل بشكل حاد أمام الدولار واليورو.

وتختلف تقييمات المراقبين إزاء تعامل الحكومة الروسية مع الأزمة الاقتصادية، حيث يشير البعض إلى أن الاقتصاد الروسي لم ينهر تحت ضغوط العقوبات الأمريكية بل عاد إلى النمو اعتبارا من العام 2017، حيث استفاد بوتين من تجاربه في التعامل مع الأزمة المالية عامي 2008 و2009.

من جانب آخر، يعتبر الآخرون أن الجهود المبذولة من قبل الحكومة من أجل احتواء الأزمة داخل البلاد وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين لم تكن كافية، وتؤكد ذلك استطلاعات للرأي العام حيث أجاب 15% من المستطلعين في نوفمبر الماضي أن أهم نقيصة للرئيس عدم كفاية الاهتمام بمصالح المواطنين البسطاء (بينما لم ير 20% من المشاركين في الاستطلاع أي نقيصة في بوتين وامتنع 33% عن الإجابة).

وعلى خلفية الأزمة الأوكرانية، تعرضت الحكومة الروسية لانتقادات من قبل المدافعين عن حقوق الإنسان والأوساط الثقافية الدولية لإدانة المخرج الأوكراني من مواطني القرم أوليغ سينتسوف بتهمة الإرهاب، حيث دعا نخبة رجال السينما الروس والأجانب بوتين غير مرة إلى العفو عنه .

ويستنتج الخبراء أن أهم إنجاز اقتصادي لفترة بوتين الرئاسية الثالثة هو استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي.

وعلى الصعيد الدولي، ما زالت الهوة التي برزت بين موسكو والغرب على خلفية أحداث أوكرانيا تتسع أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل الأزمة السورية، حيث كانت موسكو تنتقد تدريجيا ازدواجية معايير واشنطن وحلفائها تجاه الأزمة، مع تأييد حكومة الرئيس السوري بشار الأسد.

وعلى خلفية هجمات إرهابية جديدة استهدفت أواخر عام 2013 مدينة فولغوغراد وأودت بأرواح 36 شخصا، كثّفت موسكو حربها على الإرهاب، وتحولت إلى مرحلة جديدة مع إعلان الكرملين في 30 سبتمبر 2015 عملية مكافحة الإرهاب في سوريا بدأها الجيش الروسي.

عرض عسكري في قاعدة حميميم الروسية في سوريا

وأتاح الدعم الروسي لقوات الحكومة السورية الانتصار على تنظيم "داعش" عسكريا في البلاد، وأسفر عن حدوث تغير جذري في سير الصراع، وذلك بالتزامن مع الجهود الدبلوماسية المبذولة من قبل موسكو بغية إطلاق عملية التسوية، بما في ذلك مؤتمر أستانا وسوتشي اللذان نظمتهما روسيا بالتعاون مع تركيا وإيران.

وكانت موسكو تدافع تدريجيا عن موقفها من اللعبة الدولية وخاصة في مجلس الأمن الدولي حيث استخدمت حق الفيتو ضد سلسلة مشاريع غربية موجهة، ضد الحكومة السورية، حسب رأي روسيا .

وفي أغسطس 2015، هاجم بوتين في أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 15 عاما حكومات دول الغرب لسياساتها تجاه الشرق ألأوسط، وعرض تشكيل تحالف دولي واسع لمكافحة الإرهاب.

وتضررت العلاقات بين موسكو وواشنطن أكثر على خلفية اتهام الولايات المتحدة روسيا بالتدخل في انتخابات الرئاسة الأمريكية التي أجريت في نوفمبر 2016، بينما تصر موسكو على أن الطرف الأمريكي لم يقدم أي أدلة تثبت تلك المزاعم.

وعلى الصعيد المتصل بالملف السوري، شهدت العلاقات الروسية التركية، خلال فترة بوتين الرئاسية الثالثة، حالة من "الكر والفر"، حيث بات البلدان على وشك مواجهة مسلحة، بعد إسقاط القوات التركية في 24 نوفمبر 2015 مقاتلة روسية من طراز "سو-24" أثناء تنفيذها تحليقا قتاليا في سوريا، وقُتل طيارها بأيدي المسلحين.

أطلقت موسكو على خلفية هذا الحادث حملة ضد أنقرة، ووجهت إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتهامات بدعم تنظيم "داعش"، لكن العلاقات بين البلدين عادت بعد عدة أشهر إلى طبيعتها، لا سيما في ظل إدانة موسكو محاولة الانقلاب الفاشلة في أنقرة منتصف صيف 2016.

وأثارت تطورات الأزمة السورية، مع تواجد قوات عدة جيوش أجنبية داخل البلاد، أحاديث عن العودة إلى الحرب الباردة واسعة النطاق وحتى إمكانية احتدام مواجهة عسكرية مباشرة بين القوات الروسية والأمريكية، لكن موسكو تحتفظ باتصالاتها مع عسكريي واشنطن لمنع وقوع حوادث عسكرية بين الطرفين.

فلاديمير بوتين يعقد اجتماعا مع دونالد ترامب

وأظهرت العملية الروسية في سوريا نجاح إصلاحات موسكو في المجال العسكري، حيث تولى وزير الطوارئ السابق سيرغي شويغو، مطلع ولاية بوتين الرئاسية الثالثة، منصب وزير الدفاع، خلفا للمسؤول المدني أناطولي سيرديوكوف.

وعادت روسيا في تلك السنوات إلى تجربة الاختبارات المفاجئة واسعة النطاق لجاهزية قواتها في مختلف مناطق البلاد.

هذا وأعلن بوتين، حتى قبل اندلاع الأزمة الأوكرانية، عن "الالتفاف نحو الشرق" وتطوير العلاقات مع الدول الآسيوية، بالدرجة الأولى الصين.

وما زالت روسيا أثناء فترة بوتين الرئاسية الثالثة تواصل البحث عن الشركاء الجدد في العالم، بتطوير علاقاتها مع الدول الشرقية وأمريكا اللاتينية، وفي أكتوبر الماضي قام الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز بزيارة تاريخية إلى موسكو، حيث وقع الطرفان على سلسلة اتفاقيات هامة.

ولعبت موسكو دورا ملموسا في إبرام الاتفاق بين إيران والمجتمع الدولي بخصوص برنامج طهران النووي.

وفي مجال الرياضة، استضافت روسيا أثناء فترة بوتين الرئاسية الثالثة الألعاب الأولمبية الشتوية في عام 2014 وستستضيف في العام الجاري كأس العالم لكرة القدم، لكن فريقها مُنع من المشاركة في الأولمبياد الشتوي 2018 في كوريا الجنوبية على خلفية أزمة المنشطات.

وشهدت روسيا، أثناء ولاية بوتين الثالثة، تنشيطا للحركة الاحتجاجية في البلاد، حيث خرجت في ربيع العام الماضي تظاهرات احتجاجية معارضة للفساد الحكومي.

وبشكل عام، اتسمت سنوات حكم بوتين بالتعزيز المستمر لسيطرة الحكومة على مجالات الحياة في البلاد، مع كل ما يحمله ذلك من التبعات الإيجابية والسلبية، ومهما كانت نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة فيبدو بكل وضوح أن العديد من التحديات الداخلية والخارجية لا تزال قائمة وملحة وتتطلب عملا جديا من قبل الحكومة الروسية.

المصدر: RT

نادر عبد الرؤوف