صوت كالسوط.. نعم العرب خذلوا محمد صلاح

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/kukd

خذلت غالبية الدول العربية اللاعب المصري محمد صلاح في التصويت لاختيار أفضل لاعب في العالم قبل أيام، ليفوز بهذا اللقب اللاعب الكرواتي لوكا مودريتش، ليحل صلاح ثالثا في هذه المنافسة.

وحسب نظام التصويت، حصل محمد صلاح على النقاط التي خوّلته للبرونزية، إذا جاز التعبير، بمساعدة خمس دول عربية هي البحرين وسوريا وموريتانيا وفلسطين بالإضافة إلى بلده مصر التي حصل منها اللاعب الدولي على العلامة الكاملة، علما أن محمد صلاح لم يخرج خالي الوفاض، إذ فاز بجائزة "بوشكاش (التي تحمل اسم اللاعب المجري فيرينتس بوشكاش) كأفضل هدّاف لعام 2018.

لفتت انتباهي مشاركة الصحفي الرياضي حمزة اشتيوي من المملكة المغربية عبر مداخلة في برنامج حواري، عُرض على شاشة RT ONLINE، وأداره الإعلامي أشرف شهاب، تناول تصويت العرب لمحمد صلاح من خلال طرح سؤال.. "هل خذل العرب صلاح؟". فقد جاء في هذه المداخلة أنه: "كان على العرب أن يصوّتوا لمحمد صلاح.. وحتى من صوّت للوكا مودريتش فأظن ليس فيه عيب كثير، لأن لوكا مودريتش تألق بشكل كبير، صنع العجب العُجاب (؟) وهذا لا ينقص أبدا من قيمة محمد صلاح"، وإن شدد الأستاذ اشتيوي مجددا على أنه كان يجب على العرب منح صوتهم لمحمد صلاح انطلاقا من العاطفة.

الملفت في هذه المداخلة هو تقبّل فكرة التصويت العربي للاعب غير عربي، انطلاقا من أنه لاعب متألق ويتمتع بمهارات عالية.

ما من شك أن الموضوعية شيء رائع والتقييم غير الخاضع للأهواء هو الخيار الصحيح. لكن هل نعيش نحن كعرب ضمن هذه المعايير؟ فجأة صار العرب موضوعيين أكثر من الموضعية ذاتها، فقيّموا اللاعبين المرشحين للقب بنظرة ثاقبة، ورأوا أن مهارات محمد صلاح لا تخوّله لكي يتوج بهذا اللقب فمنحوا أصواتهم لمنافسيه!؟

من جانب آخر، كيف لنا أن نتخلى عن إرثنا "العظيم" وننسى تاريخنا المليء بالنزاعات "بين الأشقاء"، ولا نحيي تقليد داحس والغبراء؟ لكن إذا كان الصراع في حرب داحس والغبراء من أجل انتصار عربي على آخر، فالآن يبدو أن الهدف هو ضمان خسارة اللاعب المصري.. حتى في حال سيذهب اللقب إلى لاعب غير عربي.

عدم منح العرب أصواتهم للعربي محمد صلاح كان مفاجئا ولم يكن مفاجئا في الوقت نفسه. لم يكن مفاجئا لأن خطوة كهذه باتت أمرا معهودا. ولكنه يظل مفاجئا لأنه يصعب على عربي اعتياد أمر كهذا واستساغته بأريحية، لاسيما بعدما خذل العرب الأمير الأردني علي بن الحسين في الانتخابات لرئاسة الـ "فيفا" عام 2015، وكذلك في امتناع العرب عن منح أصواتهم للملكة المغربية في منافستها لتنظيم بطولة كأس العالم في نسخة 2026.

في الحقيقة لم أتمنى يوما أن أكون رئيسا للحكومة الإسرائيلية كما في يوم التصويت الذي خذلت فيه الدول العربية المغرب، لتمنح أصواتها لأمريكا وكندا والمكسيك. فلو كنت رئيس الحكومة الإسرائيلية لأوعزت بالتصويت للمغرب، كي يكون ذلك درسا للعرب. صحيح هو صوت واحد لا يسمن ولا يغني من جوع ولن يؤثر على النتيجة التي كان الإسرائيليون، وبكل تأكيد، على علم مُسبق بنتيجتها.. ولكن يا له من صوت كالسوط.. يمكن أن تعزوه تل أبيب إلى تأثير اليهود المغاربه في الدولة العبرية.

ولكن.. ولكي لا يكون الأمر جلدا للذات بشكل مبالغ فيه، تجدر الإشارة إلى أن أخذ الاعتبارات السياسية بعين الاعتبار في تقييم أمور يبدو أنها لا تمت للسياسة بصلة لا يقتصر على العرب فحسب، إذ لهذه الاعتبارات حضور واضح في الفعاليات الثقافية الغربية أيضا، أو في بعض منها على الأقل، كما هو الحال في مسابقة الـ "يوروفيجين". فهذه المسابقة تعج بالقرارات السياسية، بل هي تحولت في الواقع إلى مهرجان القرارات النابعة إما من مواقف سياسية أو انتماءات عرقية.

الصورة تبدو لدى المتلقي الغربي كالتالي.. العرب يخذلون بعضهم بعضا، إذ أن هذا المتلقي لا يدرك الفرق بين عربي وآخر. هل نرى نحن كعرب فرقا كبيرا بين الروسي والأوكراني مثلا؟ أو بين النمساوي والألماني؟ بين الدانماركي والنرويجي؟ وهكذا نحن في نظر الغربي.. كلنا عرب ونقطة.

القليل ممن في الغرب يعي الفوارق بين مطبخ عربي وآخر، وكذلك مدى تباين الأنماط الموسيقية الشعبية لدى شعب عربي مقارنة مع شعب عربي آخر. فالرقص الشرقي عربي والدبكة عربية والهبان والعلاوي وكذلك المعلاية.. كلها رقصات عربية. وكذلك الحال بالنسبة لمحمد صلاح. أي نعم هو مصري لكنه عربي، وبالنسبة لغالبية من هم ليسوا عربا، لن يختلف الأمر بالنسبة لهؤلاء في حال كان أبو مكة مصريا أو سوريا.. كويتيا أو ليبيا فكلّهم، أي كلّنا عرب.

لا يصح إلا الصحيح. في يوم ما، ربما، تنتهي الخلافات العربية التي لن يتذكر تفاصيلها أحد. لكن التاريخ لن ينسى أن عربيا خذل عربيا. شخصيا مع الموضوعية، لكننا لسنا كذلك، إذ من المعروف أننا كعرب نحكّم عاطفتنا أولا.. والمشكلة لم تعد في ذلك، بل تكمن المشكلة في أننا حينما نقيّم الأمور انطلاقا من العاطفة نفعل ذلك بطريقة غير صحيحة. من الخطأ أن نخطئ وهذا مفهوم بالنسبة لأي طفل. ولكن.. بما أننا عاطفيين، لماذا نغيّب العاطفة الجميلة ونحكّم العاطفة العدائية؟ ما المانع أنه، حينما نقرر ارتكاب الخطأ أن نخطئ على النحو الصحيح؟؟

... كان يجب أن ينحاز كل العرب لمحمد صلاح.

علاء عمر

المقالة تعبر عن رأي الكاتب

للمزيد

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا