عقد على الفوضى" الخلاّقة" في ليبيا (الجزء الخامس)

مفاجأتي مع العقيد القذافي

أخبار الصحافة

عقد على الفوضى
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/puuv

منذ الأيام الأولى لوصولنا طرابلس، قدمنا طلبا للقاء العقيد، وكتبت صفحة كاملة عن سيرتي الذاتية، وفيها مسقط الرأس والتحصيل الدراسي، واسم العائلة واللقب وهو أمر لم اعتده في حياتي.

لكن ذلك بناء على طلب مسؤولي الإعلام الخارجي الليبي الذين كانوا كل ثلاثة أيام يؤكدون لنا أن اللقاء قريب، وفي اليوم الرابع يطلبون معتذرين كتابة طلب جديد مع السيرة الذاتية قائلين "معلش الوضع مش باهي في البلد والأوراق ضاعت". وهكذا بلغ عدد الطلبات رقما لا أتذكره.

خلال فترة الانتظار، كنا نبعث بتقارير يومية عن التطورات العسكرية والسياسية في العاصمة الليبية، التي كانت السلطات تمنع الاحتجاجات فيها، وتحشد أنصار اللجان الشعبية الموالية للخروج، ورفع شعارات مؤيدة لنظام العقيد والجماهيرية الليبية العظمى.

وكانت الأجهزة الأمنية، تراقب تنقلات المراسلين، في كل زاوية يذهبون اليها، ويتابعون التغطيات عن كثب.

ولقد توصلت إلى صيغة للإفلات من الرقيب بوضع عبارة "كما تقول السلطات هنا"، خاصة وأننا لم نتمكن من الوصول إلى ممثلين عن الاحتجاجات، خلافا للفرق الصحفية التي كانت تغطي الأحداث في بنغازي، "معقل الانتفاضة"، كما كانت توصف مع أنها تفجرت أولا في مدينة البيضاء.

وكنا نحرص على تأكيد أن قصف الناتو، يصيب أهدافا ليست عسكرية، ويحدث أضرارا مدمرة للبني التحتية، ويوقع خسائر بين المدنيين.

وخلال تلك التغطيات، أجرينا حوارين مهمين:

مع موسى كوسا، رئيس جهاز الأمن الخارجي السابق، وزير الخارجية ( 2009-2011).

ووزير النفط شكري غانم (2005-2011).

وفي اللقاءين، لاحظت أن تصريحات كوسا، وغانم، اتسمت، بالحذر الشديد، وعدم الرغبة في الخوض بالتفاصيل، حتى أن وزير النفط (أمين لجنة إدارة المؤسسة الوطنية للنفط) طلب مسبقا، عدم طرح أسئلة سياسية، وأن يقتصر الحوار على مصير النفوط الليبية في ظل الحصار والعقوبات، والمقاطعة.

ولفت انتباهي، أن المسؤلين الليبيين، حرصا أن يكون التصوير، بعيدا عن صورة "الأخ العقيد" الشاخصة، بفخامة في مكاتبهما.

ودونت في أوراقي أن كوسا وغانم، يستعدان للانشقاق عن نظام "الأخ العقيد". وهذا ما حصل بالفعل بالتتالي.

موسى كوسا أواخر شهر آذار/ مارس 2001، قدم إلى لندن من مطار جربة جرجيس الدولي بتونس، ليظهر بعدها في العاصمة القطرية، الدوحة.

وشكري غانم انسحب من الحكومة أواسط أيار/ مايو 2011 والتحق بالمعارضة في الأول من حزيران/ يونيو. وصرح قائلا "الثوار يقاتلون من أجل دولة ديمقراطية".

وهكذا فقد كان أبرز رجال العقيد، يتسربون، الواحد، تلو الآخر، فيما أنجاله  معتصم، وسيف، وخميس، وهانيبال، يتحركون، لرأب التصدع، ولكن بعد فوات الأوان.

كنا نسمع، ونحن في الفندق الذي أصبح مقرا وحيدا للصحفيين الأجانب، تحت قصف الناتو، في ليبيا، (ريكسوس) أن نجل العقيد سيف، كان يزوره في ساعات الليل المتاخرة، ويلتقي مع وسطاء أوروبيين.

وحصل، أن من كان يحضره العقيد، وريثا لحكمه، يعقد لقاءات مع ممثلي اللجان الشعبية، في وضح النهار، وفي أوقات، يتوقف فيها قصف الناتو على العاصمة الليبية، التي بدت الحياة فيها، شبه متوقفة، حتى أفران الخبز توقفت عن العمل، لأن الشغيلة الأجانب، هربت من البلاد، بحثا عن ملاذ من الحرب، ولم يتوفر بين الليبيين من يعمل بالخبازة وبالمهن الأخرى الضرورية للحياة اليومية.

مرت الأيام، سريعة، مكتظة بالأحداث، والهلع بسبب القصف الذي لم يكن يقترب كثيرا من فندق ريكسوس، بفضل الصحفيين الغربيين المقيمين في غرفه الفخمة، غالية السعر.

فقوات الناتو، حريصة على حياة أبناء جلدتها، ولعلها المرة الاولى، نشعر فيها بالامتنان" للإمبريالية الهمجية"!

لكن صبرنا نفد في انتظار المقابلة الموعودة مع العقيد القذافي، فاتصلت بالناطق الرسمي المتحدث بإنجليزية نادرة وسط متعلمي ليبيا، بعد سنوات من الانقطاع عن تعلم اللغات الأجنبية، موسى إبراهيم. الشاب الدمث، أكد لنا ان اللقاء سيتحقق، وحين سألته هل يحتاج العقيد إلى الأسئلة مسبقا، رد ليس بالضرورة، مضيفا "لكن المحاور على الأقل" .

وثانية كتبت رسالة جديدة مع السيرة الذاتية. وقبل أن أسلمها قلت لموسى بين الجد والهزل "هذا خر إنذار فقد عيل صبرنا" .
رد موسى أن اللقاء سيتم "فجاة". و بعد أقل من ساعة على اتصالي بادارة القناة في موسكو لتدبير أمر عودتنا لأننا لم نعد نطيق الانتظار والبقاء أكثر من شهر في طرابلس، جاء ممثل الإعلام الخارجي مهرولا وقال تحضروا ... بعد قليل سنتوجه إلى باب العزيزية . سيارة الجيب التي أقلتنا إلى "عرين القائد" دخلت منطقة خربة فيها آثار هدم قديم، وقصف لم تبق من ضرباته غير جدران متهاوية وحجارة متناثرة، وأكوام من القمامة الحديثة تكدست، مع بقايا القصف الأمريكي عام 1989 على باب العزيزية مقر القذافي الذي أمر بعدم رفع الانقاض والبقاء على "صورة حية لوحشية اليانكي" الذي قتل في ذلك القصف إحدى كريمات العقيد بالتبني.

ركام العزيزية، ينتهي بمبنى كالح اللون، صالة استقبال الضيوف مع أثاث لاينم عن ترف، وألوان اختلط فيها الأحمر الفاقع مع الأخضر القاتم، وموظفين بزي رث وساعة معلقة في نهاية الصالة متوقفة العقارب. لم يمض وقت طويل حتى أبلغونا بالانتقال إلى الخيمة. وتبدى الارتباك واضحا على أحد مصوري الفريق.
سألته بالروسية "لماذا أنت مرتبك؟" قال محرجا "حتما سنخضع للتفتيش وجيوبي مليئة بقطع حلوى وتمر لأني تركت التدخين وأحتاج إلى ما يعوض عنه".

وصار يفرغ جيوبه من قطع الحلوى قبل أن نصل إلى الخيمة. لم نخضع إلا لتفتيش بسيط، فحصوا الكاميرات فقط. واحتفظنا بالهواتف النقالة، أمر أثار دهشتي وأدخل البهجة في نفس المصور "ديمتري" الذي لم يفلح في التخلص إلا من ربع  "الاحتياطي الاستراتيجي" لحلواه !وقفنا عند بوابة الخيمة. الحراس ينتظرون معنا ولم يكن يحملون معهم سلاحا ظاهرا. فجأة بدأوا برفع المقاعد الخشبية المغلفة بقماش فاقع الحمرة، من الخيمة وأحظروا بدلها كرسيين أبيضين من البلاستيك. لاحظت أن الكرسي الذي قالوا إنه مخصص لي في مواجهة العقيد مغبرا. طلبت من مساعد المصور أن يمسحه. فالتفت أحد الحراس إلى الحركة وسارع بمسح كرسي العقيد المغبر أيضا. وصل العقيد، صافحنا بحرارة، ومعه مترجم. وقبل أن يدخل الخيمة سألني المترجم الذي سمعني أتحدث العربية، هل تحتاج إلى ترجمة إنجليزية. قلت مستغربا "لا".

ولكن بعد انتهاء المقابلة اتسعت دهشتي حين قال لي العقيد بلهجته الصعبة "أنت تتحدث العربية بطلاقة ". أجبته "طبعا، سيادة العقيد، فأنا عربي ابن عربي ومن أم عربية". هنا اكتشفت أن "إدارة الرئيس" لم تبلغ العقيد حتى بأسماء الفريق ولا بسيرتي الذاتية. وأيقنت أن العقيد فعلا لا يحكم ولا يدير وأن ليبيا دولة بلا مؤسسات. دولة الخيمة .
يتبع...
سلام مسافر

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة
موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا