بغداد بعد تفجير الكرادة غير ما قبله

أخبار العالم العربي

بغداد بعد تفجير الكرادة غير ما قبله
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hui1

بعد عودته إلى بغداد، وقبل تظاهرة الجمعة الماضية، وبعد استعراض بغداد العسكري، أطل الصدر وهو يرتدي لباسا عسكريا في ساحة التحرير، وأكد: "لا – لاستسلام بغداد".

وقال مقتدى الصدر إنه "يوجه رسالة إلى العراقيين، يحثهم فيها على عدم الاستسلام  للإرهاب؛ ومشددا على رفضه أي انتشار عسكري مسلح، وعلى ألاَّ تستسلم العاصمة للإرهاب أو الخوف.

وبعد أن نظَّم الجيش والشرطة وفصائل من "الحشد الشعبي" استعراضا عسكريا، لم يدم أكثر من ساعة، وحضره حيدر العبادي الخميس، طالبت خلية الإعلام الحربي بتأجيل تظاهرة الصدريين.

وأضافت أن" التظاهرة غير مرخصة، وأن قوات الأمن ستتعامل مع أي مظاهر مسلحة فيها باعتبارها تهديدا إرهابيا". وعلى الرغم من ذلك، فقد تمسك الصدر بخروجها، فتجمع ألوف من أنصاره الجمعة في ساحة التحرير، وألقى الصدر فيهم كلمة قصيرة.

وقد ردد الصدر شعارات وطنية، منها: "نعم، نعم للعراق"، و"إخوان سنة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه"، و"بغداد حرة حرة، أمريكا اطلعي برة". 

ثم انسحب الصدر، وأنهى الصدريون التظاهرة، وتعاهدوا على العودة كل يوم جمعة حتى تتحقق أهدافهم.

وهكذا بدت بغداد إثر تفجير الكرادة، الذي أطاح وزيرَ الداخلية وقادةَ أمن آخرين، وعلى أبواب تحرير نينوى، أنها على مفترق طريق وعلى سباق مع الزمن.

سباق قديم جديد مع الزمن يجري في بغداد، بين طرفين متنازعين من أطراف "التحالف الوطني"؛ طرف يقوده الصدر، وآخر يقوده نوري المالكي. ويقف العبادي في المنتصف بين الطرفين لئلا تخرج الأمور عن السيطرة. ولهذا ربما وقف العبادي وحيدا في منصة الاستعراض العسكري الذي تم إعداده على عجل.

وهذا السباق أو الصراع قديم جديد؛ اذ شهدته بغداد منذ أغسطس/آب 2014؛ حين تم عزل المالكي وتكليف العبادي برئاسة الوزراء، وزادت حدته بعد إطاحة المالكي في أغسطس/آب 2015، من موقعه كنائب لرئاسة الجمهورية. ثم تطور أكثر بحراك شعبي وصل مداه إلى اقتحام الصدريين المنطقة الخضراء في 30 أبريل/نيسان الماضي؛ حين هتفوا "إيران: برة، برة".

ثم اقتحم الصدريون المنطقة الخضراء مرة أخرى في العشرين من مايو/أيار الماضي؛ مطالبين بحكومة تكنوقراط بعيدا عن المحاصصة السياسية. وفي الوقت الذي اعتكف الصدر بعد اقتحام الخضراء الأول وذهب إلى إيران، هرب العبادي ومعه "الحشد الشعبي" إلى الأمام باتجاه معركة الفلوجة بعد الاقتحام الثاني، منعا لخروج الصراع بين الأطراف عن السيطرة في بغداد.

ثم عاد الطرفان إلى بغداد، فوجدوها غير بغداد التي تركوها بعد اقتحام "الخضراء" الثاني؛ اذ ضربها تفجير مجنون في منطقة الكرادة لم تألفه منذ عام 2003.

وهكذا يستمر الهروب إلى الأمام ليس فقط تجنبا لصدام مسلح بين طرفي "التحالف الوطني"، بل هروبا إلى الأمام ايضا من أي استحقاق سياسي في بغداد يحلحل الأزمة السياسية التي ماتت سريريا، برأي كثيرين.. وسياسة الهروب إلى الأمام تواترت اخيرا وتقاربت أزمنتها، وأصبحت محاصرة أكثر من أي وقت مضى، وخاصة أن الجميع يقف اليوم محاصرا بحدثين كبيرين، كأنهما وجهان لعملة واحدة.

حدثان كبيران، ولكل منهما تداعياته، التي ستضطر العبادي إلى أن يضع حدا لسياسة الهروب، لأنه سيكون أمام أحد خيارين: إما أن يقوم بصولة فرسان يعيد بها الدولة، أو تسبقه فصائل "الحشد الشعبي" بانقلاب، فيتكرر في العراق سيناريو اليمن في عام 2014.

والحدثان المهمان اللذان يحاصران الجميع، هما: تفجير الكرادة، الذي يطارد الجميع من الخلف، وتحرير نينوى الذي يقف شاخصا أمام الجميع. ويصدق في الأطراف جميعا هنا قول طارق بن زياد حين خطب بجنده بعد عبور جبل طارق، فقال: "العدو من أمامكم والبحر من ورائكم".

فتفجير الكرادة يدفع باتجاه تحقيق دولي ربما سيكشف أسرار تفجيرات وقعت منذ عام 2003؛ إذ لم تعلن أي جهة رسمية عراقية مسؤولية أي طرف عنه بحيادية وحرفية، ربما باستثناء سقوط نينوى الذي تم أرشفته في أدراج القضاء العراقي. ذلك أن تفجير الكرادة كان حدثاً غير مسبوق منذ عام 2003. وتتحدث الأنباء أن سلاحاً محظوراً قد تم استخدامه في قتل أكثر من 250 شابا في مقتبل العمر.

وتحرير نينوى هو الحدث الآخر الذي يحاصر الأطراف جميعا؛ لأنه سيفتح عهد ما بعد "داعش" على مصراعيه. وإذا ما تم تحرير نينوى في خريف هذا العام، فإنه سيفتح بالتأكيد الحديث عن حل سياسي، ربما ينهي أزمة سلاح خارج عن الدولة بحجة محاربة التنظيم الإرهابي.

وبين تفجير الكرادة وتحرير نينوى، ينتقل الصدر من "إيران: برة، برة" إلى "أمريكا برة، برة". ويتهيأ المالكي لقيادة "الحشد الشعبي"، في ظل تنبؤات لبعض المتابعين تتحدث عن أنه سيستغل تفجير الكرادة، ليحول الحشد إلى حرس ثوري، كما استغل سقوط نينوى في تأسيسه. وبالحرس الثوري، قد ينقلب المالكي على العبادي، أو يفرض شروطه عليه.

وبين الصدر والمالكي كما بين الكرادة ونينوى، وبين أمريكا وإيران، يقف العبادي ماسكا عصا الهروب إلى الأمام من الوسط، حتى تقع الواقعة، أو تفتح دينامية الأحداث فرصة لتسوية سياسية.

 عمر عبد الستار - بغداد