"السلطان" وصندوق باندورا العربي

أخبار العالم

مقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hmz6

باندورا في الميثولوجيا الإغريقية هي المرأة الأولى، التي خُلقت من طين، وأرسلها زيوس إلى الأرض عقابا للبشر على سرقة بروميثيوس النار المقدسة.

وقد أهدى زيوس إلى باندورا صندوقا مغلقا، حَبَس فيه كل أرواح الشر. وكما توقع أب الآلهة والبشر عند الإغريق، فإن باندورا لم تستطع لفضولها النسائي مقاومة إغراء فتح الصندوق. وما إن فتحته، حتى انطلقت منه جميع الشرور، التي عمت بني البشر، وحلت بالأرض الرزايا، ولم يبق في الصندوق غير قيمة واحدة لم تخرج منه، هي الأمل.

وللعرب حكاية مع صندوق باندورا، منذ أن أطبق على ديارهم تسونامي "الربيع" الهدَّام. وله صلة ببلاد الأتراك، التي كانت الأمور فيها تبدو على ما يرام، ولا سيما بعد فوز حزب "العدالة والتنمية" في انتخابات عام 2007، وإعلان أحمد داود أوغلو "منظِّر السلطان" عن سياسة "صفر مشكلات مع الجيران". وكذلك، بعد أن أشاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما عام 2010 بتركيا، وسماها "دولة الديمقراطية الإسلامية الكبرى".

بيد أنه، وكما قال الضابط مارسيليوس في مسرحية "هاملت"، كان "هناك شيء ما متعفن في مملكة الدنمارك"، بدأ يتجلى مع حلول ما يسمى بـ"الربيع العربي".

وبغض النظر عن الخطيئة، التي ارتكبها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكي يُهدى إليه صندوق "الربيع العربي"، فقد كانت أبالسته تعلم أن غرور أردوغان لن يسمح له بالتفكير مليا قبل فتحه.

وأصبح "السلطان" يريد أن تكون تركيا أكبر من مجرد دولة ديمقراطية إسلامية. وأصبح حزب "العدالة والتنمية"، مع بدء موجات "الربيع العربي"، ينسق مع "ثوار" مصر وليبيا وتونس وسوريا.

وأرادت تركيا الأردوغانية تحقيق مشروع دولة طورانيا الكبرى من البحر الأدرياتيكي إلى المحيط الهادئ.

وأصبح "الصدر الأعظم" أحمد داود أوغلو يتحدث عن نظام عثماني جديد بنهجه الطوراني القومي المتعصب للجنس التركي في الشرق الأوسط.

ولم تعد سوريا منذ عام 2011 نموذجا مثاليا لسياسة تركيا الخارجية "صفر مشكلات مع الجيران".

وفور بدء الاحتجاجات في درعا، بدأ أردوغان بتقديم نصائحه إلى الرئيس السوري بشار الأسد، وكأنه واليه على دمشق، محذرا إياه من مصير يحدق به كمصير الزعيمين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك.

وعندما رفض الأسد الخضوع، اغتاظ "السلطان"، وأقسم بأغلظ الأيمان أنه سيدخل إلى دمشق على صهوة حصان أبيض، وأنه سيقيم الصلاة عما قريب في مسجد دمشق الأموي، وأكد بلهجة العارفين أنه لم تبق سوى أيام معدودة على بقاء الرئيس السوري في منصبه.

بيد أن مقاومة الجيش العقائدي السوري وحلفائه غير المنتظرة خلطت أوراق اللعبة التركية. ثم تلقت الخطة الأردوغانية ضربة قاصمة عام 2014 في مصر؛ حيث أزاح العسكريون ولاة بني عثمان من "الإخوان المسلمين" عن سدة الحكم. وجرت الرياح بما لم يشته أردوغان؛ وهذا ما أغضبه.

وما أغضب أكثر "السلطان"، الذي ترقص الشياطين الفالس في رأسه، كما قال رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض كمال كليتشدار أوغلو، هو أن الرئيس الأمريكي رفض أن يشن نيابة عنه حربا ضد دمشق، وأن باراك أوباما أقفل باب قاطرة السياسة الأمريكية أمام "الراكبين من دون تذاكر". وهذا ما دفع بـ"السلطان" لأن يبدأ اللعبة منفردا، فحشد ألوف الإرهابيين من شتى بقاع الأرض على الأراضي التركية. وكان من عاقبة هذه اللعبة الخطرة أن هؤلاء رفضوا فيما بعد أن يبقوا ألعوبة في يد الخليفة العثماني الجديد، وتوحدوا في تنظيم "داعش".

هذا، في حين تعيش العلاقات الروسية-التركية أسوأ حالاتها، منذ إسقاط المقاتلات التركية قاذفة "سوخوي-24" الروسية فوق الأراضي السورية في ٢٤ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وتعزيز موسكو وجودها العسكري في سوريا بمنظومات الدفاع الجوي "إس-400"، وإغلاقها السماء السورية في وجه الطائرات التركية.

ومن ناحية أخرى، شجعت الاضطرابات في سوريا، وفقدان دمشق السيطرة على أجزاء من البلاد، الكرد على العمل من أجل دولتهم المستقلة، وأصبحوا يتلقون مساعدات ضخمة من واشنطن وموسكو لمحاربتهم "داعش". وبالطبع، فقد ألهم هذا المثال الكرد الأتراك، الذين استأنفوا نضالهم على الأراضي التركية من أجل الاستقلال.

كما أن أوروبا غضبت من أنقرة، التي أغرقت القارة العجوز بمئات الألوف من اللاجئين السوريين، ومن سياسة الابتزاز التي يمارسها الرئيس التركي مع الاتحاد الأوروبي، الذي ستكون دوله مجبرة على استقبال الأتراك من دون تأشيرة دخول، وعلى دفع مليارات الدولارات لأنقرة لوقف زحف المهاجرين غير الشرعيين إلى القارة العجوز.

وإذا كانت تركيا غاضبة من الولايات المتحدة لموقفها من الكرد، فإن واشنطن أفهمت أنقرة غير مرة أنها بعكس الأوروبيين لا تنوي أن تصبح أسيرة لغطرسة أردوغان بالمرة.

أما على الصعيد التركي الداخلي، فقد بلغ عدد الدعاوى، التي تقدم بها أردوغان إلى القضاء ضد من يزعم أنهم قاموا بتحقيره، نحو 2000 دعوى. بل إن أردوغان تقدم مؤخرا بشكوى رسمية ضد ممثل كوميدي ألماني بهذا الصدد.

وتركيا تعاني تدهورا خطيرا جداً في مستوى الحريات، وخاصة في حرية الصحافة والرأي، بحيث لم يسلم الأطفال من الاعتقال بسبب كتابات ضد أردوغان في "فيسبوك".

وبعد أن أبدى أحمد داود أوغلو استنكاره لأردوغان للتعسف في التعامل مع الصحافيين ووسائل الإعلام، كان مجبرا يوم 5 مايو/أيار الجاري على الاستقالة من رئاسة الحكومة.

 وليس من تعبير أدق على التضييق على الحريات مما أوردته إحدى الصحف التركية، من أن نابليون بونابرت زار أردوغان في قصره الفخم في اسطنبول، وأعرب عن دهشته من إحكام أردوغان قبضته على وسائل الإعلام. وقال له: "لو أنني كنت أملك في أيامي كل هذا القدر من وسائل الإعلام المؤيدة لي، لما سمع أحد بهزيمتي في واترلو".

في عام 2008، حازت المخرجة التركية المبدعة يشيم أستا أوغلو الجائزةَ الكبرى من مهرجان سان سيباستيان السينمائي في إسبانيا عن فيلمها "صندوق باندورا"، الذي يتناول مشكلة اختلاف الرؤى الثقافية بين الأجيال، (التي يعانيها العجوز الفكري أردوغان بالمناسبة).

وما يبعث على التفاؤل هو أن الأمل في نهاية الفيلم يخرج أيضا من الصندوق ولا يبقى حبيسه كما في الأسطورة.

حبيب فوعاني