فوج الخالدين!

في ذكرى النصر في الحرب الوطنية العظمى

فوج الخالدين!فوج الخالدين
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hmlz

ودعت روسيا مؤخرا بطلها ألكسندر بروخورينكو الذي مات ميتة الشهداء دفاعا عن بلاده وكرامته الإنسانية إذ أبى أن يشاطر ثلة من الجنود السوريين مصيرهم وأن يقضي نحرا على مسرح تدمر.

الملازم أول في قوات المهام الخاصة الروسية، ذو الـ26 ربيعا، وعندما أدرك حصاره من عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي من جميع الجهات، واستحضارا لبطولات أجداده في الحرب العالمية الثانية، استدعى نيران الطائرات الروسية على نفسه، وأرسل لها إحداثيات مكان تواجده والدواعش حوله قائلا: وصلت إلى النهاية، اضربوا. بلّغوا أهلي بأنني أحبهم بلا حدود!

وعملا بالتعليمات المرعية في الجيش الروسي، لبّى الطيارون النداء، وسددوا قذائفهم إلى الإحداثيات التي سماها الملازم أول بروخورينكو، ليقضى نحبه بنيران رفاقه في السلاح ويزهق معه أرواح شذاذ الأفق الذين تاقوا لذبحه على مرأى من العالم في مسرح تدمر أو في أي مذبح آخر على أرض سوريا الطاهرة.

بطولة بروخورينكو، لم تكن جديدة على أبناء الشعب الروسي، فهي استمرار لبطولات عرفها عنهم الأعداء والأصدقاء مذ عهد إمارة موسكو الأولى، ومذ صدوا غزوات المغول والتتار والفايكينغ والفرس والأتراك وممالك السويد والمجر والنمسا وغيرها، ودحروهم ليغتنموا منهم سائر ما جمعوا من أراض وثروات على امتداد أوراسيا، روسيا المعاصرة التي صارت بعد ذلك تتربع إلى الأبد على قارتين.

الدوائر الرسمية الغربية لم تكترث لهذه المأثرة، بل مرت عليها مرور الكرام، باستثناء بعض الأقلام الحية التي أولتها حق اهتمام وتغطية، فيما كان الزوجان ماجي الفرنسيان، المتحدران من عائلة حرة كافحت الفاشية والنازية في أوروبا، أصدق ممن تجاهلوا هذا العمل البطولي.

تضامن الزوجين ماجي، أفصحا عنه في رسالة بعثا بها إلى سفارة روسيا الاتحادية لدى فرنسا، أعربا فيها عن دهشتهما لتجاهل وسائل الإعلام الفرنسية رجولة بروخورينكو، وعبّرا فيها عن رغبتهما في وهب أسمى ما لديهما، وهي أوسمة تقلّدها عم الزوجة من فرنسا وشعبها، كما أرفقا رسالتهما بمبلغ متواضع من المال لشراء هدية رمزية لمولود بروخورينكو الذي لم يبصر النور بعد، ولن يسمع صوت أبيه.

العقيلان ماجي، آثرا في الرسالة مؤازرة روسيا وعائلة الشهيد، نعم الشهيد بروخورينكو، لأن الروس يعرفون الشهادة وفي قاموسهم يصفون الشهداء بالأبرار، رغم أنهم في منطق الجهلة ومن امتهن ذبح الناس، "كفار وملحدون"!

فبروخورينكو قضى من أجل موسكو وتدمر ودمشق وحلب وباريس وبروكسل والشعوب الحرة التي تنبذ الإرهاب، وتبصق في وجه داعميه ومن غضوا الطرف عنه في أكبر مؤامرة عرفتها البشرية لغايات آنية وأغراض بخسة.

الرد الروسي لم يتأخر، وجاء على أرفع المستويات، إذ أرسل لهما الرئيس فلاديمير بوتين دعوة خاصة باسم روسيا الاتحادية لحضور مراسم تأبين الشهيد بروخورينكو في مسقط رأسه في قرية غورودكي في مقاطعة أورينبورغ جنوب الأورال الروسي، ولوقيا بما يستحقانه من حفاوة وتكريم، كما نالا شرف الدعوة لحضور العرض العسكري المهيب في الساحة الحمراء في الـ9 من مايو/أيار.

سفيرا الحضارة الأوروبية إلى روسيا، تشرّفا كذلك بدعوتهما إلى فعالية "الفوج الخالد" في أعقاب العرض العسكري في الساحة الحمراء، والتي سيشارك فيها ما لا يقل عن نصف مليون شخص، قضى آباؤهم وأجدادهم في حرب البقاء، وصدوا طاعون الفاشية التي حرقت وأبادت شعوبا بأكملها، ومحقت البلدان والأعراق، حتى اصطدمت بصخرة المستحيل ونازلت الجيش الأحمر.

"فوج الخالدين"، مسيرة شعبية يشارك فيها أبناء وأحفاد الأبرار الباقين، رافعين صور من قاتلوا حتى النهاية في الحرب الوطنية العظمى وبينهم والد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأب، ومن ساروا مشيا على الأقدام وراء الدبابات من موسكو ولينينغراد وكييف ومينسك حتى برلين!

الروس بـ"فوج الخالدين"، يقولون للخصوم: أجدادنا باقون، فبفضلهم نحيا وإياكم أحرارا، وهاكم نسير ونرفع صورهم عاليا لتعانق النجوم، وكل منا جاهز إذا نادته البلاد للسير على خطاهم، ومهما حاولتم تزوير التاريخ لن تفلحوا، فنحن وحلفاؤنا في الاتحاد السوفيتي من صقل النصر، والصورة الفوتوغرافية أصدق، والتسجيلات الحية لمعمعة الوجود التي خاضها آباؤنا شاهد، وفي مأثرة ملازمنا الأول بروخورينكو عبرة.

ألكسندر بروخورينكو، ابن فلاّح روسي استهواه الزي العسكري، وأحب الخدمة في الجيش مذ كان صغيرا، والتحق بعد المدرسة الثانوية بالأكاديمية العسكرية الروسية للدفاع الجوي، لينهي الدراسة فيها بنجاح، ويقع عليه الاختيار لتفيذ مهمة خاصة خارج البلاد لحماية مصالح روسيا.

استشهد بروخورينكو على أرض سوريا في الـ17 من مارس/آذار 2016 تاركا زوجة حبلى، وأبوين مسنّين، لكنه حظي بتضامن جميع الضمائر الحية الرافضة للإرهاب وداعميه، وشرّف اسم عائلته وخلده، واهبا لذويه وقريته أرفع أوسمة الدولة والشعبين الروسي والفرنسي، فهل يتفكّر مروّجو الإرهاب ومربّيو الأفاعي كما يصفهم الروس؟

صفوان أبو حلا