محنة العبادي مع " المؤلفة جيوبهم"!

أخبار العالم العربي

محنة العبادي مع حيدر العبادي: رئيس الوزراء العراقي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/gz79

مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات في العراق، تضيق خيارات رئيس الوزراء حيدر العبادي في التعامل مع انتفاضة، تسعى الأحزاب الدينية الحاكمة إلى شل إرادتها عبر تشويه طابعها المدني السلمي، أو التلويح بحشد مقابل من جماهيرها، للرد على الشعار المركزي للمتظاهرين "باسم الدين سرقونا الحرامية" وللتدليل على أن الأحزاب الحاكمة قادرة على تحريك الشارع وفقا لإرادتها. 

 وإلى الآن فإن رئيس الحكومة، القيادي في حزب"الدعوة" أبرز أحزاب الائتلاف الحاكم، لم يتخذ الخطوة التي يطالب بها المحتجون؛؛ محاكمة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة.. وقبل ذلك تطهير القضاء المتهم بالتستر على شبكة الفساد وخطوطها الممتدة في كل السلطات بما فيها القضائية. 

وإذا كان المتظاهرون في جمعات الاحتجاج السابقة، رفعوا شعارات تدعم العبادي، وصدحت حناجرهم بتأييده، بل إن بعضهم رفع لافتة ( كلنا مع العبادي) فإن تظاهرات الجمعة الأخيرة طالبته بالرحيل، إذا لم ينفذ وعوده ويحيل كبار الفاسدين في حزبه الحاكم الى القضاء.

 وقد تتطور الأحداث بشكل متسارع الجمعة القادمة لتصل الى حد رفع شعارات تطالب بمحاكمته على أنه شريك في مؤسسة الفساد. وسط تقارير تتحدث عن أن قيادة حزب الدعوة كبلت يد العبادي فيما يتعلق بإحالة سلفه نوري المالكي الى القضاء بتهم؛ ليس هزيمة الموصل أمام داعش الوحيدة بينها. 

 إن خيارات العبادي الصعبة، ستفضي إلى نتائج متشابهة؛؛ إذا قرر الدخول في مواجهة مع حزبه والأحزاب " المؤلفة جيوبهم" على نهب الشعب، كما يسخر العراقيون، فإنه يطلق العنان للجماعات المسلحة التي تدعم هذه الأحزاب وتمول من قبلها، لأن تخوض حرب حياة أو موت دفاعا عن مصالح مموليها. وستنطلق الحملة، أغلب الظن، تحت شعارات دينية دفاعا عن " المعصوم" الجديد نوري المالكي الذي يلقبه أنصاره بمختار العصر!

 فقد حذّر حزب الدعوة في بيان صدر عقب عودة رئيس الوزرء السابق من إيران الأسبوع الماضي، من المس بالمالكي، او إحالته الى المحاكمة، أو تحميله المسؤولية عن هزيمة الموصل، أو مجزرة "سبايكر" التي راح ضحيتها أكثر من ألف وسبعمئة شاب متدرب في قاعدة عسكرية بمدينة تكريت ذبحوا من قبل إرهابيين، أثناء انسحاب غير منظم من القاعدة أمام زحف تنظيم داعش .

 وحمّلت لجنة التحقيق القائد العام للقوات المسلحة نوري المالكي مع القادة العسكريين المتورطين في عمليات فساد، المسؤولية. 

 ورغم أن المالكي يواجه تهما كثيرة، إلا ان أنصاره وحزب" الدعوة" الذي يرأسه يرفضون كل التهم ويعتبرونها حملة سياسية تستهدف القضاء على دوره في الحياة السياسية لغايات خاصة.

 وذهب عضو في الحزب الى القول إنه مثلما لا يجوز تحميل النبي محمد المسؤولية عن هزيمة المسلمين في معركة، كذلك لا يجب نقد المالكي!! 

 وإذا تراجع العبادي؛ والتزم بخط الأحزاب الحاكمة، وامتثل لأوامر حزب الدعوة فإنه يطلق العنان لأعمال احتجاجية من الصعب التكهن بطبيعتها لأنها تعكس حال الإحباط والشعور بالخديعة، وبأن قرارات رئيس الوزراء الإصلاحية لم تكن أكثر من تخدير لشارع اكتوى بلهيب صيف حارق، وإن المحتجين سيبردون مع أول نفحة مطر خريفية على الأبواب. 

 وفي كلا الحالتين سيكون العبادي؛ الخاسر، لأنه قد يفقد كرسي الرئاسة وربما رأسه. 

فمن المستبعد أن يتمكن رئيس الوزراء في فترة قياسية، من تشكيل حركة سياسية تدعم إصلاحاته، وتحرره من سطوة حزب الدعوة الذي يملك إمكانيات تعبوية متأتية من الأموال الضخمة التي استحوذ عليها خلال سنوات الحكم. وبات رموزه يدرجون في قوائم أغنى الأثرياء؛ يتصرفون بعقارات في أوروبا والجزر البريطانية وتتستر على أموالهم المنهوبة بنوك عربية وأخرى أوروبية. 

ويمكن لمن يرى في العبادي، معولا يهدم تحالف الفساد؛ أن ينفق بعضا من المال المنهوب لإسقاطه دون عناء. 

 ووفقا للمطلعين على الشأن الداخلي لهذه الأحزاب، فإن قادتها يدرسون كل الاحتمالات في حال واصل " المارق" العبادي إصلاحاته وحولها إلى إجراءات حقيقية. 

 بالمقابل من غير المحتمل أن تذهب مرجعية النجف، التي تحض العبادي على ضرب الفساد بقوة، بعيدا في تأييده، آخذة بنظر الاعتبار قوة وهيمنة الأحزاب الدينية التي تستمد شرعيتها أيضا من توصية قديمة للنجف؛ دفعت أتباعها إلى التصويت لصالح ممثليهم في أول انتخابات برلمانية بعد احتلال العراق.

 ومع أن المرجعية سحبت تأييدها حين اتضح أن الحكام الجدد عاثوا في البلاد فسادا؛  إلا أن  شبكة التعبئة الأخطبوطية للأحزاب الدينية، قادرة على خنق صوت المرجعية، والتلويح بخطر العلمانيين الذين يريدون إسقاط حكم الإسلام، كما يعلنون في خطبهم ومنتدياتهم.  

 وقد بدأت أول نذر التعبئة بتصريحات قيادي في تنظيم مسلح، من أتباع المالكي، اتهم حركة الاحتجاج بأنها تقاد من قبل عملاء المخابرات الأجنبية ودوّل الجوار. وهدد قيادي آخر في حزب، يتهم الشارع العراقي قيادتَه بالفساد؛ أن حزبه قادر على إخراج الملايين ضد ساحات الاحتجاج التي تصل أعداد المشاركين في تظاهراتها بضعة آلاف. 

وتتحدث تقارير من مدن الفرات الأوسط في العراق عن حوادث اختطاف لناشطين في حركات الاحتجاج على يد جماعات توصف بأنها تأتمر بأوامر مسؤولين، طالبت التظاهرات بإقالتهم وإحالتهم الى المحاكم بتهم الفساد واستغلال المنصب. 

 إن أكثر ما يخيف المؤسسة الدينية الحاكمة؛ انفلات الحركة المدنية من عقالها. بعد سنوات من الضخ المذهبي؛ أن من يحكم في العراق هم أتباع "أهل البيت"؛ لتظهر فجاة في الشارع ألوف من اتباع المذهب المعدمين يهتفون بحناجر تنزف جوعا وقهرا" باسم الدين باغونا الحرامية" !!

 ولم تجد مرجعية النجف مع انطلاق الاحتجاجات، إلا الوقوف إلى جانبها كي تنأى بنفسها عن تهمة التستر على الفساد.

ولعب هذا الموقف دورا بالغ الأهمية في كبح من كان يخطط؛ خاصة في مدن جنوب ووسط العراق؛ لقمع المتظاهرين.

ومنحت العبادي دفعا للمضي قدما في إصدار قرارات؛ بنى عليها المحتجون آمالا بالفرج القريب. 

وفي نفس السياق. أرغمت مرجعية النجف، الأحزاب الدينية المتهمة بالفساد على أن تعلن تأييدا غريبا لإجراءات العبادي. حتى أن المتظاهرين سخروا في لافتاتهم؛ اذا كُنتُم أنتم مع الإصلاح. فضد من نحتج إذا؟! 

 ووجدت المؤسسة الدينية نفسها أمام خيار لا بديل له؛ احتواء الاحتجاجات؛ والعمل على تفريغ الإصلاحات من مضمونها العملي، بوضع الفيتو على قرارات موجهة أصلا ضد القيادات الحزبية المسؤولة مباشرة عن شبكة الفساد. وجعلها حبرا على ورق، لا تطول قيادات معينة في الطبقة الحاكمة. 

وأمام خارطة؛ اجتماعية وسياسية معقدة، وحرب استنزاف مكلفة مع تنظيم داعش المهيمن على حوالي ثلث مساحة العراق. وتدخلات إقليمية متشابكة؛ يجد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، نفسه أمام خيارات كلها مر قد تكلفه حياته. 

وفي انتظار جمعة جديدة، فإن حركة الاحتجاجات التي وصلت في البصرة بجنوب العراق، حد الاعتصام، قد تدخل منعطفا يشعل بؤرة نزاع مسلح؛ الواضح أن بعض المليشيات تستعد له بوحي من المطلوبين للعدالة بتهم الفساد وتدمير البلاد على مدى سنوات من حكم يؤكد المحتجون على أنه لم يحقق منجزا واحدا.

 

سلام مسافر 

الأزمة اليمنية