اليهود بين الوطن التاريخي والتاريخ الوطني

أخبار العالم العربي

اليهود بين الوطن التاريخي والتاريخ الوطني
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/kw22

نشر موقع RT قبل ساعات فحوى رسالة بعثتها ناديا كوهين، أرملة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، للرئيس السوري بشار الأسد، تناشده إعادة رفات زوجها ليدفن في “أرضه” إذ أعدم بدمشق عام 1965.

عندما يكون وطن اليهودي اختياريا

إيلي كوهين.. المواطن الإسرائيلي إلياهو بن شاؤول كوهين، لاعب الدور الرئيس في المهمة الشهيرة التي تم تجنيده فيها للتجسس على سوريا، بصفته مهاجراً سورياً يُدعى كامل أمين ثابت العائد من الأرجنتين إلى وطنه الأم، الذي يُقال إنه كاد يتولى سُدة الحكم فيه، ليُفتضح أمره ويتم اعتقاله، بناء على إخبارية من السفارة الهندية عن تشويش في الاتصالات، تبيّن أنه بسبب الاتصالات التي كان يجريها الجاسوس ليفيد بتقاريره الاستخباراتية إلى تل أبيب.. وليعترف لاحقاً: “أنا إيلي شاؤول كوهين من تل أبيب، جندي في الجيش الاسرائيلي”.
أكثر ما يلفت الانتباه في رسالة السيدة ناديا هو كلمة “أرضه”، إذ أنها تؤمن فعلاً أن إسرائيل أرض زوجها كما هي أرضها، علماً بأنها من يهود العراق، وبأن إيلي كوهين وُلد في الاسكندرية بمصر لوالدين مهاجرين من حلب السورية.

وهل تكون الكنافة نابلسية بلا فستق حلبي؟

ثمة قوس من الضروري أن يُفتح هنا، وذلك بالإشارة إلى المغني الفرنسي الشهير إنريكو ماسياس، وهو من أصول يهودية جزائرية، الذي لطالما عبّر عن الحنين للجزائر وعن رغبته الجامحة بزيارة مسقط رأسه مدينة قسنطينة (Constantine)، التي  صدح صوته بأغنية تحمل اسمها. بناء على ما تقدم، وبالعودة إلى إيلي كوهين، إذا كان الحنين إلى “أرضه” لا يزال يداعب شغاف قلب إنريكو ماسياس، ألا يعني ذلك، ضمناً، أن إيلي كوهين دُفن في “أرضه” هو أيضاً.. بالنظر إلى أصوله السورية؟

قد تبدو حالة الانتماء للوطن هذه مُربكة في حال المقارنة بين كوهين وماسياس.. بل هي مُربكة فعلاً في حالة ماسياس وحده، الذي يعزف العود ويغني باللغة العربية ويتغنى ببلدان عربية، وفي الوقت ذاته يغني نشيد إسرائيل “هاتيكفاه” بما يجعلك تتفاعل معه حتى وإن كنت غير مُلم بالعبرية ولا تعرف كلمات النشيد.

في الحقيقة يبدو الأمر وكأنه تجسيد لتناقض واضح، على الرغم من أن نظرة اليهودي إلى إسرائيل ليست نظرة أي مواطن عادي لدولة عادية، إذ أنها، أولاً وأخيراً، تمثل دار الأمان بالنسبة لليهود، في حال جار عليهم الزمن.. كما هي العادة من حين لآخر.

كثيراً ما يُشار إلى تناقض الإسرائيليين بالإشارة إلى أن غالبية الشعب الإسرائيلي لا يؤمن باليهودية على الرغم من أن إسرائيل تأسست استناداً إلى الرواية الصهيونية القائمة على فكرة “أرض الميعاد”. ليس هناك تناقض هنا أيضاً انطلاقاً من الدافع نفسه، وهو أن اليهودي يظل يهودياً في نظر العالم، حتى وإن ألحد وصح إلحاده، ما يعني أن هذا الأخير يستشعر الحاجة الدائمة في “دار الأمان” التي قد يضطر للاحتماء بها، ومجدداً، في حال جار الزمن عليه.. كما هي العادة من حين لآخر.

وفي هذا الصدد يُروى أن صحفياً أمريكياً أجرى لقاءً مع الجنرال الإسرائيلي رفائيل إيتان، وأنه بعد انتهاء اللقاء سأله الجنرال عن معتقده الديني فأجاب الصحفي بأنه ملحد، ليرد رفائيل إيتان: “حسناً حسناً.. لكن هل أنت ملحد مسيحي أم ملحد يهودي؟”.

عند الحديث عن انتماء اليهودي إلى “وطن”، يصعب تحديد المعنى المقصود من هذا المفهوم، الذي يبدو واضحاً وغير قابل للنقاش عند الحديث عن أي شعب آخر.

تشير الوثائق التاريخية المتعلقة بالحرب الوطنية العظمى (الحرب العالمية الثانية) إلى أن اليهود السوفييت احتلوا المركز الرابع من حيث العدد، العدد لا النسبة، ضمن مواطني البلاد الحاصلين على أوسمة التكريم وميداليات البطولة في القتال، وذلك بعد الروس والأوكرانيين، والبيلوروس الذين تراجعوا عن المركز الثالث ليشغله اليهود في هذه القائمة ابتداءً من 1 يونيو/حزيران 1943.

إذاً لم يهاجر هؤلاء اليهود إلى فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني في حينه، كالكثير من أبناء جلدتهم الآباء المؤسسين للدولة العبرية، وظلوا في بلادهم واستبسلوا في الدفاع عنها.

هناك الكثير من يهود البلاد العربية، ممن يفضل البعض أن يطلق عليهم مُسمّى “اليهود العرب”، فضّلوا أيضاً البقاء في بلادهم العربية، وصدحت أصواتهم بالإعلان عن انتماءاتهم لبلادهم هذه، وربما أشهر هؤلاء الأديب المغربي الراحل إدموند عمران المالح، الذي كان يرفض بشكل قاطع ترجمة أعماله إلى اللغة العبرية، تعبيراً عن رفضه للصهيونية وعن عدم اعترافه الشخصي بدولة إسرائيل. كما يُذكر من بين هذه الأسماء المحامي المصري الراحل شحاتة هارون، الذي كان يعرب عن تعاطفه التام مع الفلسطينيين وكان يقول: “أنا مصري حين يُضطهد المصريون، ويهودي حين يُضطهد اليهود، وفلسطيني حين يُضطهد الفلسطينيون، وأسود حين يُضطهد السود”.

لكن مشكلة تحديد الهوية واجهت، وربما لا تزال تواجه، الكثير من اليهود، وممن وجد حلا لهذه المشكلة كان الممثل ،المخرج الفلسطيني الراحل جوليانو مير خميس، الذي كان يعرّف نفسه بقوله “أنا فلسطيني مائة في المائة، يهودي مائة في المائة”، وذلك في مقابل الموسيقار، المايسترو الإسرائيلي دانييل أورون، الذي وُلد لأب عربي (من يافا) وأم يهودية، كخميس، إلا أنه يعرّف نفسه بأنه يهودي فقط.

لو لم تكن هناك دولة إسرائيل لربما كان من الطبيعي أن يرى اليهودي، المواطن الروسي مثلاً أنه يهودي روسي وينتهي الأمر. لكن حالة الارتباط العضوي بين اليهود وإسرائيل التي تفرض نفسها، شئنا أم أبينا، تجعل مسألة تحديد الهوية أمراً شائكاً، ما يعيد إلى الأذهان مقولة انتشرت بين اليهود السوفييت المهاجرين إلى إسرائيل، أو العائدين إلى أرض الميعاد، مطلع تسعينات القرن الماضي وهي: “كنّا يهوداً في روسيا لكننا أصبحنا روس في إسرائيل”.. وذلك في مقابل مقولة ثانية وردت على لسان الإعلامي كيريل نابوُتوف: “سُتقام مباراة بين روسيا وإسرائيل.. أنا أشجع بلدي”.

فهل هؤلاء يهود من أصول روسية أم هم روس من أصول يهودية؟

يمكن إسقاط  السؤال ذاته على كل اليهود، سواء المقيمين في البلدان التي وُلدوا فيها أم في إسرائيل، بمن في ذلك “اليهود العرب”، لا سيما من اليمن والمغرب والعراق، الذين لا يزالون يعبّرون عن مشاعر الانتماء والشوق إلى بلدانهم، التي قد يصعب على أحدهم وصفها بأنها الأصلية، وإن كان هذا الانتماء وجدانياً وعلى المستوى العاطفي، وذلك بأغانٍ فلكلورية تسمع فيها نبرة حنين طاغية إلى الجذور.. أم تُرى هي “الجذور”؟

إذاً.. هل إسرائيل وطن فعلاً أم هي “دار أمان” فقط لبعض من اليمنيين والعراقيين والمغاربة وغيرهم؟.. مع تقبل المجتمع الإسرائيلي لأن يصف هؤلاء أنفسهم من منطلق الانتماء للبلاد التي جاؤوا هم أو أجدادهم منها.

في هذا السياق.. يبدو غريباً أن تصدر تصريحات عن مسؤول إسرائيلي كبير، كرئيس الكنيست الإسرائيلية الأسبق أبرهام بورغ، يصف نفسه فيها بأنه “يهودي فلسطيني”، إذ ولد في مدينة حبرون، (المدينة الفلسطينية المحتلة حالياً والمعروفة عربياً باسم الخليل)، مسقط رأس أجداده لجهة والدته. من الملفت أن مصطلح “يهودي فلسطيني” غير منتشر في داخل إسرائيل، ويوصف يهود البلاد هؤلاء إما بالسفارديين أو بالصابرا، وذلك لخصوصية حالة العداء بين إسرائيل وفلسطين المحتلة. والصابرا هو لقب أطلق على صغار اليهود الفلسطينيين، الذين كانوا يشعرون بعقدة نقص أمام اليهود الأوروبيين، فلم يكن متاحاً أمام هؤلاء وسيلة لإثبات وجودهم سوى بتحدي اختبار الصبر وقوة التحمل، وذلك بأن يقبضوا براحات أكفّهم على ثمار الصبار ومن ثم يقومون بتقشيرها، ما كان يتسبب لهم بجروح.

الجدير بالذكر أن هناك يهود فلسطنيين على جانبيّ خط النار. فيّذكر، على سبيل المثال، إلياهو بيتزوري، قاتل اللورد موين في القاهرة، بالشراكة مع اليهودي اللبناني إلياهو حكيم، علماً بوجود يهود فلسطينيين في حركة النضال العربي ضد إسرائيل، يُذكر منهم الراحل إيلان هاليفي الذي كان يشغل موقع ممثل منظمة التحرير في أوروبا، كما  شغل مقعد ممثلها في الدولية الاشتراكية ، بالإضافة إل أنه تبوأ منصب مستشار في وزارة الخارجية الفلسطينية عقب تأسيس السلطة.

الحديث عن الوطن ذو شجون بالنسبة لكثيرين. أما بالنسبة لكاتب هذه لسطور، فالحديث عن الوطن لا يعني أكثر من محاولة لفهم شيء هلامي مُبهم يُقال لنا إنه مُقدس، تُنتهك باسمه المقدسات الحقيقية، حتى أنه لم تعد تتبادر إلى الذهن بسببه أي انطباعات سوى أنه شركة، تُستغل لتحقيق أهداف بعض على حساب بعض آخر. الوطن، كما أراه، هو امرأة باهظة الثمن، يتمناها الجميع وينالها قلة، فيما يجلس المواطن الدرويش ليشاهدها ويحلم بها ويتحسر على نفسه.. فيما هي تضاجع غيره.

واحدة من أشهر أغاني الفنان اليهودي الجزائري، أو الجزائري اليهودي، سليم هلالي (بفتح الهاء) هي Moi, je suis d'un pays، التي يقول فيها.. Mon pays c’est l’amour، أي.. “وطني هو الحب”.

أليس هذا هو الحل الأنسب لليهود.. ولغير اليهود أيضاً؟

ولكن.. وبالعودة إلى الأرض لمواجهة الواقع الذي يفرض نفسه،  وبالنظر إلى رسالة السيدة ناديا كوهين، ثمة سؤال يطرح نفسه.. إذا فشل الجاسوس إيلي كوهين بتبوّؤ منصب الرئاسة في سوريا، تُرى كم جاسوسا إسرائيليا نجح في هذه المهمة.. وترأس هذا البلد أو ذاك.

علاء عمر

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا

"إدارة الاستقالات".. ترامب: وزير الدفاع الأمريكي قد يغادر منصبه قريبا