في البحث عن ثروة بالملايين مع "عفريتة" في قاع البحر!
في ذلك اليوم المصيري من ديسمبر عام 1793، حين سلّم الملكيون الفرنسيون في ميناء طولون الفرقاطة السريعة "لا لوتين" إلى البحرية البريطانية، لم يكن أحد يتخيل أنها ستتحول إلى أسطورة.
كانت تلك الفرقاطة الفتية، ذات الاثنين وثلاثين مدفعا، تعد من أسرع السفن في الأسطول الفرنسي، لكنها وجدت نفسها فجأة جزءا من الصراع الدامي الذي اشتد في أعقاب الثورة الفرنسية.
لعب شاب طموح يدعى نابليون بونابرت، كان آنذاك قائد مدفعية الجمهوريين، دورا محوريا في حصار طولون، ما أجبر الحلفاء الملكيين والبريطانيين والإسبان على الانسحاب، لكن "لا لوتين"، وتعني العفريتة، كانت قد غادرت بالفعل تحت العلم البريطاني.
بإسقاط أداة التعريف الفرنسية "لا"، أطلق عليها البحارة البريطانيون اسما أكثر بساطة هو "لوتين". هكذا بدأت حياة جديدة في خدمة التاج البريطاني للسفينة "إتش إم إس لوتين".
انتقلت من مياه البحر المتوسط إلى بحر الشمال، حيث كلفت بمهام مرافقة سفن النقل في المياه الهولندية المضطربة. وفي عام 1795، خضعت لتعديلات مهمة رفعت عدد مدافعها إلى 38، لتعزز من مكانتها كفرقاطة من الدرجة الخامسة تقاتل بضراوة إلى جانب حلفاء بريطانيا.
اللافت أن الشهرة الحقيقية، والمصير التراجيدي، كانا ينتظرانها خلال رحلة بعيدا عن ساحات القتال. في التاسع من أكتوبر 1799، انطلقت "لوتين" من ميناء يارموث في مهمة سرية للغاية، تحمل في جوفها ثروةً طائلة عبارة عن شحنة من السبائك والعملات الذهبية والفضية تقدر قيمتها بمليوني جنيه إسترليني، وهو مبلغ كبير يعادل اليوم حوالي 125 مليون جنيه.
كان الهدف المعلن هو إنقاذ بورصة مدينة هامبورغ من أزمة مالية وشيكة، بينما رجح آخرون أن الأموال كانت مخصصة لتمويل القوات البريطانية وحلفائها في حربها ضد نابليون. بكل الأحوال، كانت المهمة محفوفة بالمخاطر.
في بحر الشمال العاصف، بين جزيرتي تيرشخيلينج وفيلان، تحولت الرحلة إلى كابوس. التيارات القوية والضفاف الرملية الخادعة، التي تشتهر بها تلك المياه، كانت في انتظارها. خلال عاصفة هوجاء، جنحت السفينة القوية وأصبحت عالقة في المياه الضحلة، لتنقلب بعدها وتستقر على عمق ضحل جدا. غرقت "لوتين" حاملة معها ثروتها الأسطورية وأغلب طاقمها، لتدخل بذلك تاريخ الكنوز الغارقة من أوسع أبوابه.
هنا تبدأ فصول الملحمة التي تجاوزت مجرد حادثة غرق. بعد بضعة أيام، بدأ هيكل السفينة الخشبي بالظهور فوق سطح الماء مع انحسار المد، كشاهد صامت على المأساة. كان الهولنديون، الذين كانوا في حالة حرب مع بريطانيا آنذاك، أسرع من تقدم للمشهد. أعلنوا ملكية الحطام وكل ما فيه، وسمحوا للسكان المحليين ببدء عمليات انتشال الكنز. لمدة عام ونصف، نُهب الحطام بشكل منهجي، حيث سمحت الحكومة للمشاركين بالاحتفاظ بثلث ما يجدونه. لكن الرمال المتحركة بدأت تبتلع السفينة ببطء، ومع تصاعد وتيرة الحروب النابليونية، نُسي الكنز والسفينة معا لما يقارب العشرين عاما.
عاد الاهتمام بالحطام في عام 1821، حين أعادت الحكومة الهولندية عمليات التنقيب، وسمحت هذه المرة للباحثين عن الكنوز بالاحتفاظ بنصف ما يعثرون عليه. لكن الأمور تعقدت بسبب تغير التحالفات السياسية، لم يعد الهولنديون والإنجليز أعداء. نتيجة لذلك، انتقلت حقوق انتشال الحطام قانونيا إلى التاج البريطاني، الذي أسندها بدوره إلى شركة لويدز الشهيرة للتأمين في لندن، التي كانت قد دفعت بالفعل تعويضات كاملة عن الشحنة المفقودة.
حوّلت شركة لويدز البحث عن كنز "لوتين" إلى واحدة من أولى وأشهر عمليات الإنقاذ المنظمة في التاريخ. على مدى عقود، نظمت الحملات تلو الأخرى، مستعينة بأحدث التقنيات المتاحة في ذلك الوقت. ورغم استخراج كميات من الذهب والفضة، إلا أن الجزء الأكبر من الكنز بقي رهين الأعماق، محاصرا بالكثبان الرملية المتحركة التي جعلت المهمة شبه مستحيلة. يعتقد حتى اليوم أن ثروة تقدر بعشرات الملايين من اليورو لا تزال مدفونة هناك.
من بين كل ما استُخرج، برزت قطعة أثرية واحدة لتصبح رمزًا مهما، وهو جرس السفينة. تم انتشاله عام 1858، وعلّق بفخر في المقر الرئيسي لشركة لويدز في لندن. لقرون، كان هذا الجرس يقرع مرة واحدة للإعلان عن فقدان سفينة، ومرتين للإعلان عن عودتها بسلام. وأصبح الجرس تذكارا ملموسا لقصة "لوتين" وتذكيرا صارخا بأهوال البحار والمحيطات.
تحولت "لوتين" من مجرد سفينة حربية إلى إرث ثقافي غني. فقصتها ليست مجرد حطام غارق وكنز مفقود، بل مرآة تعكس قصة صراعات سياسية وحروب وملاحم إنسانية للبحث والاستكشاف والاسترداد. اسمها نفسه تجاوز التاريخ ليدخل المعجم العملي، فأصبح مصطلح "لوتين" يُستخدم في وثائق التأمين البحرية للإشارة إلى حالات الاختفاء الغامضة أو الخسائر الكلية دون ترك أثر واضح. علاوة على ذلك، ألهمت قصتها المثيرة المؤلفين والروائيين، كما أصبحت موضوعا خصبا للأفلام الوثائقية التي تحاول كشف غموضها.
هكذا، تحيا "عفريتة" البحر في الذاكرة، ليس فقط كحطام يخفي تحته ذهبا، بل كأسطورة حقيقية تروي حكايات عن الطموح البشري، وقوة الطبيعة الجامحة، والسعي الدؤوب خلف الأحلام والثروات المخفية تحت الماء.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
لغز مومياوات شقراوات في الصحراء الصينية!
في أعماق صحراء تكلامكان القاسية، حيث تلفح الرياح الحارة الوجوه وتموج الكثبان الرملية كبحر ذهبي متجمد، يختبئ تحت الرمال لغز طالما حيّر عقول العلماء والمؤرخين.
التسونامي الأكثر دموية في التاريخ
في الساعة الثامنة من صباح يوم السادس والعشرين من ديسمبر لعام 2004، بالتوقيت المحلي، وقع أحد أشد الزلازل فتكا في التاريخ الحديث على "مقياس العصر الجيولوجي".
اللعنة أم الكرامة؟.. دماغ محفوظ في جمجمة عاشت قبل اختراع الكتابة!
في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدا في عام 1982، حولت أعمال بناء روتينية بركة في مستنقع ويندوفير بفلوريدا إلى واحد من أكثر الاكتشافات الأثرية إذهالا في التاريخ الأمريكي.
ليست "طلقة حظ".. "ميغ – 25" عراقية في مواجهة غير تقليدية مع طائرة أمريكية
شهد التاريخ العسكري الحديث حدثا فريدا في ديسمبر من عام 2002، حين دخلت مقاتلة عراقية من طراز "ميغ-25" في اشتباك جوي مع طائرة استطلاع أمريكية مسيرة من طراز "آر كيو-1 بريداتور".
لحظة اتفاق مرعب فوق جبال الأنديز!
انتهت في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1972، واحدة من أصعب محن الصراع من أجل الحياة في القرن العشرين، حين تمكن ستة عشر شخصا من العودة إلى الحياة من مخالب الجوع والصقيع.
قنبلة في كعب حذاء على متن طائرة!
في الثاني والعشرين من ديسمبر عام 2001، بينما كانت رحلة الخطوط الجوية الأمريكية رقم 63 تقطع الأجواء في طريقها من باريس إلى ميامي في ظروف بدت طبيعية تماما لكن لم تستمر طويلا.
مولد نووي بحجم كرة شاطئية.. والهيمالايا تبتلع سرّ الحرب الباردة
في خضم تنافس الحرب الباردة، وفيما شبح التسلح النووي يخيم على العالم، شهدت قمم جبال الهيمالايا الشاهقة فصلا غريبا وخطيرا من فصول الصراع الخفي بين القوى العظمى.
هدية أمريكية مذهلة لعدو لدود!
في نوفمبر من عام 1969، وبينما كانت رياح الحرب الباردة على أشدها، وصلت إلى أراضي الاتحاد السوفيتي من دون سابق إنذار، هدية أمريكية مذهلة.
15 كيلومترا من الجثث!
بعد عشرة أشهر من اشتعالها، انتهت في الثامن عشر من ديسمبر عام 1916 واحدة من أطول معارك الحرب العالمية الأولى وأكثرها وحشية.
"عرافة العصر الحديث".. حاضر ترامب ومستقبل إيفانكا وعشرات النبوءات
بين هفوات "هومر" وعبقرية "ليزا"، تتمايل نبوءات لا تعد ولا تحصى على أوتار السخرية في مسلسل "عائلة سيمبسون"، محوِّلةً هذه الكوميديا التلفزيونية إلى ما يشبه "عرافة العصر الحديث".
مشروع مغلق وشهادة تهدّد الإجماع.. هل كذبت أمريكا على العالم؟
في سبعينيات القرن الماضي، أعلن سلاح الجو الأمريكي رسميا إسدال الستار على أحد أكثر الفصول إثارة للجدل في تاريخه الحديث، وهو "مشروع الكتاب الأزرق".
مجزرة في "نهر الدم"!
فجر 16 ديسمبر 1838، استيقظ وادي نهر إنكومي على وقع تحرك عسكري حاسم، ليكتب بحبر من دماء الآلاف فصلا مأساويا في تاريخ جنوب إفريقيا، عرف فيما بعد بمعركة نهر الدم.
حفل شاي غير التاريخ!
في أمسية باردة من ديسمبر عام 1773، تمايلت في ميناء بوسطن ثلاث سفن تجارية تحمل صناديق شاي تبدو عادية، لكنها كانت عمليا، ورقة مساومة في لعبة سياسية كبرى توشك أن تغيّر مصير قارة.
التعليقات