عيد ميلاد أول سيارة!
في تاريخ صناعة السيارات ، توجد تواريخ قسمت الزمن إلى" ما قبل "و"ما بعد". هذا الأمر ينطبق على حصول المهندس كارل بنز على براءة اختراع للعربة "موتورواجن"، أول سيارة في العالم.
لم تكن تلك الوثيقة التي حصل عليها في 29 يناير 1886 مجرد تسجيل قانوني لفكرة جديدة، بل كانت شهادة ميلاد رسمية للسيارة الحديثة، وبوابة انطلاق لعصر جديد في عالم النقل والمواصلات، حملت في طياتها بذور ثورة ستعيد تشكيل نمط حياة البشر.
على الرغم من أن هذه المركبة الأولى كانت تشبه في هيكلها الأساس دراجة ثلاثية العجلات، مجهزة بإطار أنبوبي وعجلات ذات أسلاك وإطارات مطاطية مستعارة من عالم الدراجات الهوائية، إلا أنها احتضنت في صلب بنائها مفهوما ثوريا يتمثل في محرك احتراق داخلي يدفعها ذاتيا دون الحاجة إلى قوة خارجية.
زودت "موتورفاغن" بمحرك رباعي الأشواط أحادي الأسطوانة، وُضع أفقيا في المؤخرة، وكانت قدرته لا تتجاوز ثلاثة أرباع الحصان، ما سمح لها بالتحرك بسرعة قصوى تبلغ ستة عشر كيلومترا في الساعة. اعتمدت العربة على عجلة أمامية واحدة قابلة للتوجيه وعجلتين خلفيتين دافعتين، وكان نظام التبريد يعمل بتبخير الماء، فيما كان الاشتعال يعتمد على لهب مفتوح. بالرغم من أن تصميمها ثلاثي العجلات قلل من استقرارها وتطلب مهارة فائقة في قيادتها، إلا أنها نجحت في اختراق حاجز المستحيل.
الأعجب من ذلك، أن أول رحلة طويلة في التاريخ بهذه السيارة لم يقم بها المخترع نفسه، بل قامت بها زوجته الشجاعة بيرثا بنز في عام 1888، عندما قادت العربة من مانهايم إلى بفورتسهايم ذهابا وإيابا، في رحلة جريئة أثبتت للعالم جدوى هذا الاختراع وقدرته العملية.
لم يكن وصول كارل بنز إلى هذا الإنجاز العظيم وليد الصدفة أو لحظة عابرة من الإلهام، بل كان تتويجا لمسار طويل من العمل الدؤوب والتطوير المتواصل. حصل قبل ذلك، في الحادي والثلاثين من ديسمبر 1878، على براءة اختراع لمحرك بنزين ثنائي الأشواط. وتوالت بعدها ابتكاراته الأساسية التي شكلت لبنات السيارة الحديثة، حيث حصل على براءات اختراع للعديد من المكونات الحيوية مثل المسرع، ونظام الإشعال بالبطارية وشمعة الإشعال، والمكربن، والقابض، وعلبة التروس، ومبرد المياه. كل هذه الاختراعات الجزئية كانت قطع أحجية انتظرت عقلا عبقريا ليضمها في كل متكامل.
مع تزايد الإقبال على الفكرة، ظهرت الحاجة الملحة لتطوير مركبة أكثر راحة وموثوقية لضمان النجاح التجاري. جاءت سيارة "بنز فيكتوريا" رباعية العجلات في عام 1893، بمحرك قوته ثلاثة أحصنة وسرعة قصوى عشرين كيلومترا في الساعة، لتبيع 45 وحدة في عام واحد، وهو رقم قياسي مبكر ذلك الوقت. لكن الاختراق الحقيقي في الإنتاج التسلسلي حدث في الأول من أبريل 1894، مع بدء إنتاج سيارة "بنز فيلو" أو "فيلوسيبيد"، التي أصبحت أول سيارة في العالم تُصنع وفق معايير تقنية موحدة وبكميات كبيرة نسبيا، معلنة بداية عصر تصنيع السيارات بصورة جماعية.
كان لبراءة اختراع بنز وتجسيد فكرته على أرض الواقع آثار بعيدة المدى، تتجاوز بكثير مجرد تقديم وسيلة نقل جديدة. حظي الحدث بتغطية إعلامية واسعة، ساهمت في نشر المعرفة بالاختراع وإثارة فضول الجمهور. كما أن ظهور السيارة أعطى دفعة هائلة لتطوير البنى التحتية، فشُقت الطرق الأفضل، وانتشرت محطات الوقود ومراكز الخدمة، ما أدى إلى تحفيز الاقتصادات المحلية والعالمية على حد سواء. لم يقتصر إرث بنز على سيارات الركاب، فسرعان ما وسع شركته "بنز وشركاه" خط إنتاجها ليشمل الشاحنات والحافلات منذ أواخر القرن التاسع عشر.
من المدهش أن السيارات الحديثة، رغم تطورها التقني الهائل، ما تزال تستند في جوهرها إلى العديد من المبادئ الأساسية التي وضعها كارل بنز، خاصة في محركات الاحتراق الداخلي وأنظمة نقل الحركة والتحكم. الأكثر طرافة أن رد الفعل الأولي من بعض الصحفيين تجاه اختراعه لم يكن إيجابيا، بل سخر البعض منه ووصفوه بأنه "عديم الفائدة وغير ضروري". لكن التاريخ كان له القول الفصل، فأثبت أن هؤلاء النقاد كانوا على خطأ فادح، وتحول كارل بنز إلى أسطورة في سجل الابتكار الإنساني.
كان بنز يدرك تماما طبيعة الابتكار وصعوبته، وصاغ هذه الفلسفة في مقولته العميقة: "الاختراعات التوجيهية لا تولد في مساحة خالية من الهواء، ولكن في تفاعل نشط بين الأفراد والمجتمع. وظيفة المخترع هي ربط الأجزاء في كل جديد". لم يكن اختراع السيارة مجرد منتج تقني، بل كان ثمرة حوار بين رؤية فرد استثنائي وحاجات مجتمع على أعتاب تحول تاريخي.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
أمثولة هاواي ومصير غرينلاند!
بحلول نهاية القرن الثامن عشر، بينما كانت القوى الأوروبية توسع نفوذها عبر محيطات العالم، بقي مكان واحد في المحيط الهادئ بمنأى عن وطأة القدم الأوروبية، إنه أرخبيل هاواي الساحر.
محتال أجرى 16 عملية جراحية ناجحة!
في عالم الاحتيال والخداع، تبرز أحيانا شخصيات تبلغ من الفرادة والغرابة حدا يدفع إلى التساؤل عن الحد الفاصل بين الواقع والخيال وبين البراعة والجنون.
اليوم الذي توقفت فيه الخرائط عن الكذب
حين يدور الحديث عن الاكتشاف التاريخي للقارة القطبية الجنوبية، يتردد اسمَا القبطان ثاديوس بيلينغسهاوزن وميخائيل لازاريف، قائدَيْ البعثة الروسية الرائدة التي حققت هذا السبق الكبير.
وفجأة سطع بريق أخاذ من أعماق منجم!
شهد عالم المجوهرات والأحجار الكريمة في 26 يناير عام 1905 حدثا استثنائيا، تمثل باكتشاف واستخراج أكبر ماسة عرفها التاريخ حتى ذلك اليوم.
بقايا جنرال بريطاني في مستودع بالخرطوم!
كان الجنرال تشارلز غوردون ضابطا شهيرا خدم الإمبراطورية البريطانية في أكثر من منطقة، قاد جيوشها في الصين وعرف هناك بـ "غوردون الصين" وتولى إدارة السودان وعرف بـ "غوردون الخرطوم".
التعليقات