ليست "طلقة حظ".. "ميغ – 25" عراقية في مواجهة غير تقليدية مع طائرة أمريكية
شهد التاريخ العسكري الحديث حدثا فريدا في ديسمبر من عام 2002، حين دخلت مقاتلة عراقية من طراز "ميغ-25" في اشتباك جوي مع طائرة استطلاع أمريكية مسيرة من طراز "آر كيو-1 بريداتور".
المعركة جرت في سماء الأراضي العراقية الجنوبية، لتدون بذلك أول مواجهة قتالية بين طائرة تقليدية مأهولة وأخرى من دون طيار.
كانت الطائرة المسيرة الأمريكية تقوم بمهمة استخباراتية روتينية في منطقة حظر الطيران المفروضة على العراق حين اعترضتها المقاتلة العراقية، ما أدى إلى انقطاع الاتصال بها.
حاولت "البريداتور" الأمريكية، التي كانت تُعد من الأسلحة المتطورة في ذلك الحين والمسلحة بصواريخ جو-جو من طراز ستينغر "إي أي إم – 92"، المبادرة بالهجوم وإطلاق صواريخها تجاه الطائرة المعترضة العراقية، لكن محاولاتها باءت بالفشل. في المقابل، لم تكن تحتاج الميغ-25 سوى إصابة واحدة بصاروخها فرط الصوتي من طراز "أر – 40" لتُحول الطائرة المسيرة إلى حطام مشتعل في صحراء العراق. لم تكن تفاصيل هذه المواجهة سرا، إذ حصلت وسائل الإعلام لاحقا على لقطات مصورة تُظهر تقاطع مسارات دخان الصواريخ في السماء، مؤكدةً سيناريو الإسقاط.
الحادثة لم تكن معزولة، بل كانت الفصل الأخير في سجل قتالي حافل لطائرة "ميغ-25" الاعتراضية الأسطورية داخل الأجواء العراقية. هذه المقاتلة الثقيلة، التي أطلق عليها حلف الناتو اسم "فوكسبات"، تمتعت بسمعة هائلة بفضل سرعتها الخاطفة وقدراتها المرتفعة. لقد حظيت أيضا بخبرة قتالية واسعة مع القوات الجوية العراقية، حيث تم استخدامها بفعالية كبيرة خلال الحرب الطويلة مع إيران، ليس فقط في المهام الجوية لإسقاط الطائرات الإيرانية، بل أيضاً في الضربات الأرضية ضد الأهداف الإستراتيجية. بل إن سجلها شهد تحديات أكبر أمام القوات الأمريكية نفسها، ففي حرب الخليج عام 1991، تمكنت طائرة "ميغ-25" عراقية منفردة من مهاجمة سرب مكون من عشر طائرات "إف/إيه-18 هورنت" الأمريكية، وأسقطت إحداها بنجاح. وفي مناسبة أخرى خلال نفس الصراع، تسببت "ميغ – 25" عراقية في إلحاق أضرار بطائرة مقاتلة أمريكية متطورة من طراز "إف-15 سي إيغل".
كان رد الفعل الأمريكي الرسمي على خسارة "البريداتور" عام 2002 مثيرا للاهتمام، حيث بدا وكأنه يحمل بين طياته إحساسا بالإحراج والاستياء من تفوق تقني قديم على آلة حديثة. ففي حين أكد المسؤولون الأمريكيون الخسارة، سارع الجنرال ريتشارد مايرز، رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، إلى التقليل من شأن الإنجاز العراقي ووصفه بأنه "طلقة حظ".
أما وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، فقد حاول وضع الحادثة في إطار أوسع، قائلا إنها لم تكن تصعيدا، بل جزءا من جهد عراقي متواصل لاستهداف طائرات التحالف.
مع ذلك، فإن الحادثة تركت أثرا عمليا على التكتيكات الأمريكية، فقد دفع هذا الاشتباك القيادة الأمريكية إلى إجراء تجربة قصيرة الأمد بتسليح طائرات "البريداتور" بأسلحة جو-جو بشكل دائم في سماء العراق، بهدف "إخافة" الطيارين العراقيين وإتاحة وقت للطائرات المسيرة للفرار في حالة المواجهة. لكن هذه الفكرة هُجرت سريعا لعدم جدواها العملية، نظرا للبطء النسبي لطائرة "البريداتور" مقارنة بالمقاتلات السريعة. بعد أن زال التهديد الجوي العراقي لاحقا إثر الغزو عام 2003، تم نزع صواريخ الجو-جو تماما من هذه الطائرات والتركيز على تطوير مهامها الأساسية في الاستطلاع والهجمات الأرضية الدقيقة.
بالنسبة للعراق في تلك الفترة الحرجة، لم يكن إسقاط طائرة "البريداتور" مجرد انتصار تكتيكي صغير، بل كان عملا جريئا للتحدي وإظهارا للصمود داخل منطقة حظر الطيران التي فرضتها القوى الدولية، وذلك في وجه تهديد وشيك بالغزو كان يلوح في الأفق.
كانت دلالة الحدث كبيرة على المستوى المعنوي. والأكثر لفتا للنظر هو أن رد الفعل الأمريكي اللاحق بعد احتلال العراق عام 2003 بدا وكأنه يحمل شيئا من الرغبة في الثأر من هذا النوع من الطائرات العراقية المقاتلة، حيث تم تدمير طائرات "ميغ-25" العراقية التي عُثر عليها، حتى تلك المعطلة وغير القادرة على الطيران، بواسطة دبابات "إم1 أبرامز".
إذا عدنا بالزمن إلى الوراء، نجد أن فكرة الاعتماد على الطائرات المسيرة في المهام الخطرة بدأت تظهر في العقل العسكري الأمريكي منذ ستينيات القرن العشرين، وذلك بعد أن نجح الاتحاد السوفيتي في إسقاط طائرتي تجسس من طراز "يو-2" الشهير، واحدة فوق أراضيه وأخرى في سماء كوبا، ما أظهر مدى تعرض الطائرات المأهولة البطيئة للخطر في المجال الجوي المعادي.
كانت أولى الثمار العملية لهذا التفكير هي طائرة الاستطلاع المسيرة "فاير فلاي" أو "اليراع"، التي استخدمت في حرب فيتنام. كانت إمكانات هذه الطائرات البدائية محدودة للغاية، حيث كانت تُبرمج مسبقا لمسار طيران محدد، لتسقط في النهاية ويتم انتشالها بطائرات هليكوبتر، ثم تُستخرج الأفلام التي التقطتها لتحميضها ودراستها.
الولايات المتحدة زودت إسرائيل بهذه التقنية خلال حرب الاستنزاف بعد عام 1967، حيث أعاد الإسرائيليون تسميتها بـ"مابات"، واستخدموها في تلك الحقبة لاستنزاف الدفاعات الجوية العربية، بإجبارها على إطلاق صواريخ أرض-جو باهظة الثمن على أهداف مسيرة رخيصة.
هكذا، تشكل حادثة إسقاط "البريداتور" عام 2002 حلقة مهمة في تطور تكتيكات الحرب الجوية. لقد أثبتت أن عصر الطائرات المسيرة لم يعد مقتصرا على المراقبة والضربات المفاجئة، بل دخل بقوة في عالم الاشتباك الجوي المباشر، حتى ولو كانت النتيجة الأولية لصالح الطائرات المأهولة. كما كشفت هذه المعركة الجوية القصيرة استمرار قيمة السرعة والقدرات الديناميكية الهوائية التي تجسدها طائرات مثل "ميغ-25"، حتى في وجه تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين.
تلك المعركة الجوية الأمريكية العراقية الخاطفة، كانت لحظة تاريخية جمعت بين تراث الحرب الباردة ومقدمات حروب المستقبل، وتركت دروسا مستفادة لكلا الطرفين، للمهاجم الذي أظهر أن الروبوتات القتالية يمكن أن تصبح أطرافا في معركة جوية حقيقية، وللمدافع الذي ذكر العالم أن المقاتل البشري المدرب داخل كبينة فولاذية سريعة لا يزال عنصرا يُعتد به في معادلة الحرب الجوية.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
"شرارة" كسر الطوق عن "لينينغراد"
في 12 يناير عام 1943 شن الجيش السوفيتي عملية عسكرية واسعة حملت الاسم الرمزي "إيسكرا" (لشرارة) وتمكن من فك الحصار عن مدينة لينينغراد جزئيا وإعادة ربطها ببقية أراضي الاتحاد السوفيتي.
حينما بدأ العد العكسي لتحرك أمريكي غيّر ملامح الشرق الأوسط
بدأ العد العكسي للحرب ضد العراق في عملية "عاصفة الصحراء" في 12 يناير 1991، بتفويض الكونغرس الأمريكي بمجلسيه الرئيس جورج بوش الأب باستخدام القوة لطرد القوات العراقية من الكويت.
بين الموت الطبيعي والقتل.. أبرز الراحلين في عام 2025
شهد عام 2025 رحيل عددٍ بارز من الشخصيات الدولية المرموقة في المجالات السياسية والعسكرية والدينية، تاركين وراءهم آثارا متننوعة في بلادهم والعالم.
لغز مومياوات شقراوات في الصحراء الصينية!
في أعماق صحراء تكلامكان القاسية، حيث تلفح الرياح الحارة الوجوه وتموج الكثبان الرملية كبحر ذهبي متجمد، يختبئ تحت الرمال لغز طالما حيّر عقول العلماء والمؤرخين.
انكسار الزئبق في يوم بارد في سان بطرسبورغ!
في يوم شديد البرودة من شهر ديسمبر عام 1759، وتحديدا في الخامس والعشرين منه، شهد العالم حدثا علميا بارزا تمثل في اكتشاف الزئبق في حالته الصلبة.
إف-1.. لحظة ولادة أول قوة نووية في أوروبا
في السادسة مساء من يوم الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1946، وتحت قيادة الأكاديمي إيغور كورتشاتوف، شهد الاتحاد السوفيتي حدثًا تاريخيا تمثل في إطلاق أول مفاعل نووي في أوروبا.
كو كلوكس كلان بين بذور البطيخ والدم!
في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1865، بينما كانت أمريكا تحاول أن تلملم جراح حرب أهلية طاحنة، تأسست في الظلام جماعة "كو كلوكس كلان"، نبتة سامة في تربة الهزيمة والمرارة.
اللعنة أم الكرامة؟.. دماغ محفوظ في جمجمة عاشت قبل اختراع الكتابة!
في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدا في عام 1982، حولت أعمال بناء روتينية بركة في مستنقع ويندوفير بفلوريدا إلى واحد من أكثر الاكتشافات الأثرية إذهالا في التاريخ الأمريكي.
قنبلة في كعب حذاء على متن طائرة!
في الثاني والعشرين من ديسمبر عام 2001، بينما كانت رحلة الخطوط الجوية الأمريكية رقم 63 تقطع الأجواء في طريقها من باريس إلى ميامي في ظروف بدت طبيعية تماما لكن لم تستمر طويلا.
مولد نووي بحجم كرة شاطئية.. والهيمالايا تبتلع سرّ الحرب الباردة
في خضم تنافس الحرب الباردة، وفيما شبح التسلح النووي يخيم على العالم، شهدت قمم جبال الهيمالايا الشاهقة فصلا غريبا وخطيرا من فصول الصراع الخفي بين القوى العظمى.
في البحث عن ثروة بالملايين مع "عفريتة" في قاع البحر!
في ذلك اليوم المصيري من ديسمبر عام 1793، حين سلّم الملكيون الفرنسيون في ميناء طولون الفرقاطة السريعة "لا لوتين" إلى البحرية البريطانية، لم يكن أحد يتخيل أنها ستتحول إلى أسطورة.
هدية أمريكية مذهلة لعدو لدود!
في نوفمبر من عام 1969، وبينما كانت رياح الحرب الباردة على أشدها، وصلت إلى أراضي الاتحاد السوفيتي من دون سابق إنذار، هدية أمريكية مذهلة.
طيارون عراقيون خلف أدخنة "عاصفة الصحراء"!
عمل طيارو الجيش العراقي خلال عاصفة الصحراء الأمريكية ضد العراق في ظروف شديدة الصعوبة وبإمكانيات متواضعة لكنهم قالوا كلمتهم في أكثر من مناسبة.
التعليقات