متلازمة شارلوتسفيل

أخبار الصحافة

متلازمة شارلوتسفيلالاضطرابات في شارلوتسفيل
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/j69s

يتطرق المحلل السياسي إدوارد لوزانسكي في مقال نشرته صحيفة "إيزفيستيا" إلى الأسباب العميقة التي أولدت الاضطرابات في ولاية فرجينيا.

كتب لوزانسكي:

تتضخم كرة الخلافات السياسية والاجتماعية الداخلية في الولايات المتحدة. ويبدو أن بؤر نيران الحرب الأهلية التي انتهت قبل 150 عاما ما زالت كامنة، وتلتهب بين فترة وأخرى.

فقد فرضت في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا المجاورة لواشنطن حالة الطوارئ، بسبب المواجهات مع اليمينيين المتطرفين الذين يعارضون إزالة تمثال الجنرال روبرت لي (القائد العام لقوات كونفدرالية الولايات الجنوبية التي عارضت إلغاء نظام الرق).

غير أن الاحتجاجات الحالية هي الأكبر خلال العقود الماضية (وتضم مسيرات المشاعل)، حيث يشارك فيها عشرات ألوف الأشخاص بمن فيهم النازيون الجدد وأعضاء حركة كو- كلوكس كلان. وقد سقط خلالها ضحايا، ولقي شخص مصرعه وجرح آخرون بسبب دهسهم بسيارة هاجمت المتظاهرين. كما تحطمت مروحية للشرطة كانت متجهة إلى المدينة، ما تسبب بمقتل شرطيين. وقد صنف بعض أعضاء مجلس الشيوخ هذه الاحتجاجات بأنها "عمل إرهابي داخلي". ويتضح أن خصوم الرئيس ترامب وخاصة من الديمقراطيين سيحاولون استغلال الوضع ليقولوا: هؤلاء يدعمون سيد البيت الأبيض الحالي.

فما الذي يجري في الولايات المتحدة؟

لقد وعد دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية بأنه في حال انتخابه رئيسا للبلاد سوف يولي اهتماما كبيرا للمشكلات الداخلية المتراكمة في البلاد. حيث كان شعاره الانتخابي "أمريكا أولا!" أو "أمريكا فوق الجميع!"، وقد ساعده ذلك في الفوز بالانتخابات.

ومن المشكلات الجدية في الولايات المتحدة: الهجرة غير الشرعية، الصراعات العرقية، "تسرب" ملايين فرص العمل إلى خارج البلاد، ارتفاع مستوى الجريمة، وانتشار المخدرات ومسكنات الألم المسموح بها، التي يعادل مفعولها عند تناول كميات كبيرة منها مفعول المخدرات وتؤدي إلى عواقب وخيمة، وطبعا ديون الدولة البالغة تقريبا 20 تريليون دولار.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الولايات الجنوبية الأخرى تشهد دوريا تظاهرات مماثلة، ولكن بحجم أقل من التي جرت في شارلوتسفيل.

ومن الواضح أن هذه التظاهرات ستمثل سببا جديدا لتوجيه الانتقادات إلى ترامب من جانب خصومه، لأنه حصل على دعم سكان الولايات الجنوبية التي يطلق عليها "حزام الصدأ". وهذا يمنح فرصة كبيرة لخصومه. لقد منح الشعب صلاحيات لترامب كرئيس للبلاد لحل هذه المشكلات الداخلية وغيرها، ولينشر الحرية والديمقراطية في العالم لا بالسيف والنار، بل بالمثال الشخصي.

ولقد قال ترامب في مراسم تنصيبه رئيسا إن الولايات المتحدة ستتخلى عن لعب دور الشرطي العالمي وسوف تسعى لزيادة عدد الأصدقاء وليس الأعداء، ورأى في روسيا حليفا طبيعيا في محاربة الإرهاب. كان هذا يجب أن يحظى بدعم جميع السكان الراغبين في تطور ونمو بلادهم، وليس فقط من جانب الذين أدلوا بأصواتهم لمصلحته. ولكن الملاحظ حاليا وجود انقسام كبير يؤججه السياسيون ووسائل الإعلام.

وإن ما يؤسف له هو أن المواطنين البسطاء يمتلكون بعض الأدوات للتأثير في السلطة لحل المشكلات الداخلية، ولكنهم لا يحددون السياسة الخارجية التي ترسمها النخب التي لديها دوافع أخرى وخطط مختلفة.

وإن أهم مصالح المؤسسة السياسية مرتبطة بالبزنس ورأس المال، وإيديولوجية زعامة الولايات المتحدة للعالم. من هنا يظهر الدور الكبير للمجمع الصناعي–العسكري لدعم تفوقها على أي خصم محتمل وإضعاف الأنظمة، بما في ذلك تغييرها باستخدام القوة في تلك البلدان التي تجرؤ على الوقوف بوجه مصالح النخب الأمريكية. وكل من لا يتفق مع سياسة الهيمنة يعدُّ في أحسن الأحوال ساذجا، وكل من يدعو إلى تحسين العلاقات مع موسكو يعدُّ عميلا لبوتين.  

ومع كل هذا يبقى لدى ترامب مجال للمناورة واتخاذ قرارات مهمة في السياسة الخارجية. إذ حتى في العلاقات مع روسيا باستثناء مسألة رفع العقوبات لم يحدد التعاون مع موسكو في مجالات معينة، مثل سوريا والقطب الشمالي وكوريا الشمالية والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل وغيرها.

كما أنه مع استمرار التحقيقات في قضية "روسيا غيت" رفعت مسألة عزله من جدول الأعمال. ولكننا استنادا إلى هستيريا معاداة روسيا من جانب المؤسسة السياسية الأمريكية ووسائل الإعلام وما يجري حاليا في شارلوتسفيل، يجب أن نفهم أن احتمال بقاء دونالد ترامب في منصبه لولاية ثانية أو انتخاب أحد مؤيديه ضئيل جدا.

ترجمة وإعداد كامل توما