روسيا بين إيران وإسرائيل

أخبار الصحافة

روسيا بين إيران وإسرائيل
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/in5f

رأى موقع "برافدا.رو" أن نجاح روسيا في نزع فتيل الصراع بين إيران وإسرائيل يمكن أن يشكل قاعدة متينة لتسوية شاملة وطويلة الأمد في المنطقة.

  جاء في المقال:

يبدو أن تطور الأحداث في سوريا وحولها يدفع بالسياسة الروسية إلى مرحلة جديدة. ويدور الحديث هنا عن بلورة بيئة إقليمية ملائمة للوصول إلى تسوية طويلة الأمد. وإحدى أهم المهمات في هذا الصدد هي العمل على تسوية الخلافات بين إسرائيل وإيران. وإذا ما نجح الكرملين في العثور على حل مرض لها، فإن هذا سيهيئ الظروف لتسوية طويلة الأمد في منطقة الشرق الأوسط كلها.

فلم يعد سرا أن سوريا أصبحت ساحة لتصادم مصالح العديد من اللاعبين الخارجيين، وكان ذلك مرتبطا إلى حد بعيد بطول ووحشية الحرب الأهلية في هذا البلد العربي. في مثل هذه الظروف، فإن الشرط الأساس لوقف تصعيد الصراع هو الحد من عدد المشاركين الخارجيين النشطين في النزاع، لإمكان التوصل إلى حل وسط بينهم. وإن أفضل نموذج يتمثل في أن يكون الحديث عن عدوين أساسيين فقط، يمكن أن توائم بين مصالحهما قوة ثالثة هي الأكبر نفوذا.

وإذا قيمنا خطوات روسيا في سوريا، فلا يمكن إلا أن نلاحظ أن موسكو بالذات تدفع القضية نحو صيغة "المثلث"، مستفيدة بمهارة من مزايا الوضع الراهن.

ومن بين كل اللاعبين الخارجيين في ساحة الملعب السوري، وعلى اختلافهم، يكون على روسيا التعامل مع لاعبين اثنين فقط، ولكنهما الأكثر خطورة، وهما: إيران وإسرائيل.

فهاتان القوتان الإقليميتان، ومنذ زمن بعيد تلعبان لعبة شائقة: كلتاهما تسعى لإعادة هيكلة الشرق الأوسط بصورة، تصبح هي فيه المركز الأساس للقوة والاستقطاب والنفوذ المؤثر في سير الأمور. وذلك بمساعدة آليات تشبه آليات "الحرب الباردة". ولقد تم بالفعل تنفيذ خطة مماثلة من قبل الدولتين في السنوات الـ 60 - 70 من القرن الماضي قبل الثورة الإسلامية في إيران. آنذاك قام شاه إيران وإسرائيل معا بتطوير الأسلحة الصاروخية-النووية.

ومنذ ذلك الوقت، ظهر فيه لدى إسرائيل صواريخ "أريحا"، التي تحمل رؤوسا نووية (رسميا اسرائيل لا تعترف بوجودها)، وظهرت بعد ذلك أيضا "ألعاب" مماثلة لها لدى الجمهورية الإسلامية: وهي أيضا تنكر وجود الصواريخ، وتنكر وجود السلاح النووي لديها.

وهكذا، فتل أبيب وطهران المسلحتان، تلعبان بمثابرة في تمثيلية تحمل عنوان "أوه، كم أنا غاضب!"، وبشكل دوري تتبادلان التهديدات. وحصيلة كل ذلك اليوم هي أن العلاقات المتبادلة بين البلدين أصبحت تدريجيا الموضوع الأهم في عموم المنطقة، وعلى الأقل في سوريا.

وليس مصادفة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاول، في زيارته الأخيرة إلى موسكو، إقناع الرئيس بوتين بممارسة النفوذ على الإيرانيين لوقف تزويد حلفائهم الشيعة في سوريا من "حزب الله" بأسلحة متطورة، وإلا فإن الإسرائيليين لن يتمكنوا من ضبط أنفسهم، ولن يكون بمقدورهم الحفاظ على الحيادية في النزاع السوري.

ويبدو جليا هنا أن المقصود في حديث نتنياهو لم يكن فقط مسألة تسليح "حزب الله". وعلى الأرجح أنه طلب من بوتين الحد من الدعم الايراني لـ "حزب الله". ومن المثير جدا أن وسائل الإعلام العربية سجلت بعد وقت قصير من ذلك انخفاضا ملموسا في تمويل "حزب الله"، وهذا ما انعكس بصورة خاصة على وسائله الإعلامية، التي اضطرت بشكل حاد إلى التقليص من عدد موظفيها ومطبوعاتها.

بكلمات أخرى، يوجد مبرر للاعتقاد بأن موسكو أبدت تفهما لطلب نتنياهو هذا، وبدأت باتخاذ الخطوات، التي تتناسب مع هذا الوضع. وعلى الأرجح فإن العمل في هذا الاتجاه سوف يتواصل أخذًا بعين الاعتبار أن الرئيس الإيراني روحاني ينوي زيارة موسكو رسميا في شهر مارس/آذار الجاري، وإن الرئيس بوتين سيحاول الحصول على تنازلات أكبر من الجانب الإيراني حول هذه المسألة، وذلك من أجل أقناع إسرائيل بنجاعة وساطته.

بيد أن الإسرائيليين قرروا "المجازفة" أكثر، وفي نهاية الأسبوع الماضي، نفذ الطيران الإسرائيلي غارة جديدة على الأراضي السورية، بذريعة توجيه ضربة إلى مواقع "حزب الله" ومخازن له تحتوي على أسلحة حديثة. واللافت هنا أن اسرائيل وجهت سابقا ضربات عديدة مماثلة، ولم تثر قلقا جديا لدى أي أحد كان، سوى دمشق بطبيعة الحال. غير أن الاختلاف هذه المرة عن الحالات السابقة، قد وجد انعكاسه في تصدي الدفاعات الأرضية السورية، وما نجم عن هذا الحدث من تبعات في استدعاء السفير الإسرائيلي إلى مقر الخارجية في موسكو لاستيضاحه، ما يؤكد أن الغارة الإسرائيلية الأخيرة في سوريا شكلت عن حق مفاجأة لموسكو. ومن الممكن تفسير ذلك كمحاولة من تل أبيب لممارسة الضغط على موسكو، قبيل زيارة الزعيم الإيراني، لكي تلعب الأخيرة دورا أكبر في الحصول على تنازلات منه، بشأن دعمها لـ "حزب الله"، أو في أسوأ الأحوال هكذا: "نحن الإسرائيليين لن نستطيع النظر بتفهم بعد الى العملية العسكرية الروسية في سوريا، كما كان في السابق". 

وهنا، يطرح السؤال نفسه حول توقيت الغارة الإسرائيلية الأخيرة؟ - لقد اختار الإسرائيليون توقيتا مناسبا جدا: ما بين زيارة نتنياهو وروحاني إلى موسكو، والهدف من كل هذا المخطط هو التحقق من مضمون السلوك الروسي في حال تدهور الوضع العسكري فجأة بين إسرائيل و"حزب الله"، وعلى من ستمارس روسيا الضغط، وكيف؟

وفي الوقت نفسه، وتوازيا مع ذلك، تم أمام موسكو استعراض أن نجاح استراتيجيتها في سوريا يعتمد إلى حد كبير، إن لم يكن بشكل حاسم، على اللعبة، التي تتقاسم أدوارها كل من طهران وتل أبيب.

بم تجيب على ذلك موسكو؟ الجواب في الأيام القليلة المقبلة!