ماذا يكشف القلق من فيروس هانتا؟
القلق من فيروس هانتا يكشف أن أمريكا لم تخرج قط من حالة أزمة كوفيد-19. د. هولاند هايني – Newsweek
ينبغي ألا يدفع تفشي فيروس على متن سفينة سياحية الأمريكيين إلى التساؤل فوراً عما إذا كانت الحياة الطبيعية ستنهار مجدداً. ولكن بعد جائحة كوفيد-19، يعرف الكثير من الأمريكيين هذا الشعور جيداً.
وأثناء متابعتي لردود فعل الجمهور على تفشي فيروس هانتا الأخير، لاحظتُ أمراً مألوفاً. فقد أكد مسؤولو الصحة مراراً أن خطر الإصابة على عامة الناس لا يزال منخفضاً. ومع ذلك سرعان ما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بصور الحجر الصحي والتكهنات والتهويل العاطفي لاضطراب عالمي آخر. ولكن هذه هي الحقيقة؛ إنه ليس ذعراً، بل إدراك.
بصفتي طبيباً، قضيتُ معظم حياتي البالغة أعيش لحظات من عدم الاستقرار. ففي بداية مسيرتي الطبية، تطوعتُ في مانهاتن السفلى بعد أحداث 11 سبتمبر، ثم أثناء دراستي للطب، درستُ استجابة المستشفيات لحالات الإصابات الجماعية في إسرائيل خلال الانتفاضة الثانية. وعلى مرّ السنوات اللاحقة عملتُ في مجتمعات ساحل الخليج بعد إعصار كاترينا، وشغلتُ منصب مدير الصحة العامة في المقاطعة خلال تفشي إنفلونزا الخنازير (H1N1)، ثم مارستُ الطب خلال جائحة كوفيد-19.
إن أحد الأمور التي تعلمتها هو أن البشر بارعون بشكل ملحوظ في التكيف مع عدم اليقين المطول. ويستمر الناس في العمل وتربية الأطفال وإعادة بناء روتينهم اليومي حتى عندما يصبح عدم اليقين جزءاً من الحياة اليومية، لكن للتكيف عواقب.
لم يقتصر تأثير جائحة كوفيد-19 على تعطيل الحياة الأمريكية مؤقتًا فحسب، بل غيّر كثيراً من الأمريكيين نفسيًا بطرق لا نزال نجهلها تمامًا. فخلال الجائحة تعلّم الناس توقع الاضطرابات وأصبحت الخطط مؤقتة وشعروا بأن حياتهم اليومية مشروطة. وقد أمضى ملايين الأمريكيين سنوات في إعادة تقييم المخاطر بهدوء فيما يتعلق بالمدارس والسفر والعمل والتجمعات العائلية وحتى التفاعلات العادية. وكان جزء كبير من تلك اليقظة ضرورياً؛ فقد أنقذ بعضها أرواحاً.
إن ردود الفعل العاطفية التي تتطور خلال الأزمات المطولة لا تختفي تلقائيًا بمجرد انتهاء حالة الطوارئ رسميًا. ويبدو أن عديداً من الأمريكيين ما زالوا يمارسون حياتهم اليومية حاملين معهم توقعًا مستمرًا بأن الاستقرار نفسه قد يكون مؤقتًا. فهناك رحلات جوية تُلغى وتتعطل سلاسل التوريد وتُغلق المدارس فجأة وتظهر موجات تفشٍ جديدة وتتصاعد الحروب في الخارج وتُعطّل الهجمات الإلكترونية الشركات وتتكرر الظواهر الجوية المتطرفة بوتيرة متزايدة. وكل حدث من هذه الأحداث يُرسّخ الدرس الأساسي نفسه: الحياة الطبيعية قد تتغير فجأة.
تفاقم بيئة المعلومات الحديثة كل ذلك؛ إذ لم يعد الأمريكيون يعيشون الأزمات بشكل منفرد أو حتى محلياً، بل يستوعبون حالة عدم الاستقرار باستمرار عبر هواتفهم. فالصراع في الخارج أو تفشي فيروس في قارة أخرى أو كارثة طبيعية على بُعد مئات الأميال، كلها أمور يمكن أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من حالتنا النفسية.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في خوف الأمريكيين، بل في أن حالة الأزمات باتت تُعتبر أمراً طبيعياً. ويمكن ملاحظة ذلك بطرق خفية، جيث يتردد الناس قبل وضع الخطط، وتتخلى العائلات عن الروتين اليومي. كما تلجأ المؤسسات إلى ردود فعل دفاعية مفرطة، وتتآكل ثقة الجمهور بسهولة أكبر. وحتى لحظات الاستقرار تبدو مؤقتة، كما لو أن عديداً من الأمريكيين ينتظرون بصمت حدوث اضطراب جديد.
ولا يعني أي من هذا أن الناس ضعفاء. بل على العكس تمامًا في كثير من النواحي. فقد تأقلم الأمريكيون مع واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في الحياة العامة الحديثة. وتعلمنا كيف نعيش في ظل عدم يقين طويل الأمد. لكن عادات البقاء ليست دائمًا أساسًا سليمًا لحياة طبيعية على المدى الطويل.
لا تزال الاستعدادات مهمة، والصحة العامة مهمة أيضاً. وتجاهل المخاطر الحقيقية حماقة. لكن حالة الطوارئ العاطفية الدائمة ليست مرونة. ولا يمكن لمجتمع أن يبقى منظماً نفسياً على أساس التوقع المستمر للاضطرابات إلى الأبد دون أن يدفع ثمناً اجتماعياً باهظاً.
ينبغي لأمريكا ألا تنسى ما علّمنا إياه كوفيد-19 عن المخاطر. لكن علينا أن نتذكر ما كان من المفترض أن تحميه تلك الدروس: القدرة على عيش حياة طبيعية دون أن نعتبر كل تهديد جديد بداية للانهيار.
المصدر: Newsweek
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
التعليقات