لماذا يتهم ماكرون اللبنانيين بالخيانة؟

أخبار الصحافة

لماذا يتهم ماكرون اللبنانيين بالخيانة؟
آثار الدمار الذي خلفه انفجار مرفأ بيروت بلبنان
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/p6rl

اتهم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، القيادات السياسية اللبنانية التي اجتمع معها أثناء زيارته إلى بيروت بـ "خيانة" تعهداتهم في تجاوز الخلافات وتشكيل حكومة اختصاصيين.

كان ماكرون، في زيارته الثانية، يأمل أن يتمكن مصطفى أديب من تشكيل حكومة اختصاصيين، عقب استقالة رئيس الوزراء، حسن دياب، من منصبه إثر انفجار مرفأ بيروت، خلال فترة قصيرة لا تتعدى بضعة أيام.

ربما كان الرئيس الفرنسي يأمل أن تنجح الصدمة في توحيد اللبنانيين، وتجاوز خلافاتهم، على غرار ما حدث في حكومة نجيب ميقاتي، التي تشكلت في أجواء الصدمة التي عاشها لبنان عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، حينما نجح اللبنانيون في تجاوز جميع خلافاتهم في لحظة فارقة.

هل كان أديب سينجح لو بقي ماكرون عدة أيام في بيروت؟ ربما.

بالفعل شعر اللبنانيون أن الرئيس الفرنسي، ووزن فرنسا وإمكانياتها يمكن أن تمثّل ضامنا أساسيا وعاملا فعالا في معالجة أزمتهم الاقتصادية، والتخفيف من الضغوطات الدولية، وخاصة الأمريكية، على الوضع الداخلي اللبناني، وربما أيضا التوقف عن الربط بين قضايا الداخل اللبناني وشروط خارجية معينة مثل ترسيم الحدود مع إسرائيل، بما فيها الحدود البحرية، أو الموقف الأمريكي من حزب الله وسلاحه، أو الأزمة السورية.

نعم، أضاع اللبنانيون وماكرون الفرصة لاستغلال أجواء ردة الفعل على انفجار المرفأ بتشكيل الحكومة ساعتها. أما الآن، وقد عادت الأجواء إلى هدوئها المعتاد، عادت القيادات والشخصيات السياسية اللبنانية لالتزاماتها التي تربطها بالأطراف الدولية، سواء على مستوى الدول، أو على مستوى القنوات الاستخبارية المختلفة، فتعقدت الأمور، وتشعبت المواقف وعادت معضلة تشكيل الحكومة اللبنانية لمربعها الأول.

وعلى الرغم من كل شيء، فلابد من الاعتراف بأن لبنان، وبعد طريق طويل شاق من المعاناة والحرب والموائمات والصراعات، يتمتع بأرقى أجواء الديمقراطية الحقيقية في المنطقة، في ظل تكتلات تعبر عن مصالح كافة الأعراق والطوائف والقوى السياسية، وهو ربما ما يميزها عن الكثير من الدول العربية الأخرى.عاد سعد الحريري مكلفا بتشكيل الحكومة، وأعلن أنه سيشكل حكومة من الاختصاصيين، بالتشاور مع القوى السياسية الأساسية في لبنان، وبشكل مؤقت لمدة 6 أشهر، لتكون بمثابة حكومة طوارئ، تخرج لبنان من أزمتها.

اليوم، لا زلنا نشهد الكثير من العراقيل التي تقف أمام سعد الحريري، على الرغم من انه أكثر شخصية ملائمة، في ضوء المعطيات اللبنانية الراهنة، لتشكيل الحكومة التي يمكن أن يتوافق عليها الجميع، وتكون قادرة على إقالة لبنان من عثرته، في هذه المرحلة العصيبة.

فما هي الأسباب التي تمنع ذلك؟


هناك شخصيات لبنانية تتمتع بالتأثير المباشر على الوضع اللبناني ومستقبله مثل: حسن نصر الله، نبيه بري، سليمان فرنجية، جوزيف عون، سعد الحريري، وليد جنبلاط، الجنرال ميشال عون، سمير جعجع، فؤاد السنيورة، جبران باسيل.

لقد أصبح مصير لبنان مرتبطا بهذه الشخصيات، وأصبح العامل الشخصي هو أساس كل ما يدور في لبنان، بصرف النظر عن آرائنا وتصوراتنا عن الوضع ورغباتنا الشخصية. هذا هو الواقع. حيث تمكنت هذه الشخصيات على مدار سنوات مضت من تكوين شبكات وهياكل معقدة من العلاقات، يضيق المقام هنا بالحديث عنها، أثرت وتؤثر وسوف تؤثر حتما في مستقبل لبنان.. أما وأن هناك ارتباطات خارجية لبعض هذه الشخصيات، وتحديدا بالولايات المتحدة الأمريكية، فيتعين أولا أن تتوافق هذه الشخصيات فيما بينها، وأن تتحرر من الإملاءات الخارجية التي تفرضها عليها الدول، وإعلاء المصلحة القومية اللبنانية، ومصلحة الشعب اللبناني فوق أي اعتبارات أخرى، والتخلي عن أي رهانات شخصية، أو مشاريع خاصة تخدم سياساتهم وسياسات أحزابهم، حتى لا تعود الأمور إلى الوراء.

لابد من تجاوز الضغوطات الأمريكية التي تحاول جعل لبنان أداة لتشديد العقوبات الاقتصادية التي تتخذها الإدارة الأمريكية الحالية ضد سوريا وإيران، حيث تعتبر واشنطن أي انفراج في لبنان، لابد وأن يمر عبر تغيير النظام في دمشق، والتخلص من سلاح حزب الله في جنوب لبنان، وضمان أمن إسرائيل. كذلك تقوم واشنطن، مع الأسف، بالضغط على دول الخليج، التي التزمت بعدم تقديم أي مساعدات مالية لوقف تدهور الاقتصاد اللبناني، ومحاولات إنعاشه، على الرغم من أن الدعم المالي الذي يحتاجه لبنان، لا يمثل مبالغ طائلة بالنسبة لدول الخليج الغنية. إلا أن الواقع السياسي يفرض نفسه بكل وضوح، فهذه الدول لم تعد تتمتع بأي استقلال سياسي أو اقتصادي، ولم تعد تتحكم في ثرواتها.

يبدو أن دول الخليج تعجز عن التصرف في أي مبالغ دون تعليمات أمريكية، حتى وإن كان الحديث يدور حول مليون دولار. وهذا هو السبب الأساسي في التردد، وإعاقة تشكيل الحكومة الآن، لعدم وجود ضمانات بأن تشكيل الحكومة سيتبعه وصول قروض وأموال ومساعدات للحكومة اللبنانية، لمساعدتها على التعافي والنهوض الاقتصادي من جديد.إن الخلاف الخليجي ليس سوى مشكلة اختلقها الأمريكيون، لعرقلة أي جهود عربية مشتركة، في وقت الحاجة الماسة إلى التضامن العربي والوحدة العربية، وتفعيل دور الجامعة العربية في معالجة مشكلات المنطقة، بدلا من أن تتحول دول الخليج إلى قواعد عسكرية أمريكية ضخمة، تتحكم في مصير الشرق الأوسط، وتهدف إلى تركيع العرب قسرا للتطبيع الإجباري مع إسرائيل على حساب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفقا لما تهدف إليه "صفقة القرن"، بل وتستخدم هذه القواعد في تعزيز الاستراتيجية العسكرية الأمريكية ضد روسيا، في ظل تصدرها لقائمة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب تصريحات الإدارات المتعاقبة، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي الروسي.

إن استضافة مثل هذه القواعد وبهذه الأحجام الضخمة، إنما يهدد الأمن الخليجي مباشرة ففي ظل هذه الظروف المتوترة بين واشنطن وموسكو، وإذا ما حدث أي ظرف طارئ يهدد الأمن الروسي، ولو بطريق الخطأ، ستقوم روسيا بتدمير القواعد في دول الخليج، القريبة للغاية من الحدود الجنوبية لروسيا، وهو ما يجعل جميع المدن القريبة من التواجد العسكري للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في الناتو في مرمى الصواريخ الروسية. فهل فكّر أحد في ذلك؟


تثار أسئلة عن السر وراء عدم تدخل روسيا بشكل فعّال لحل الأزمة اللبنانية..والواقع أن ما يحتاجه لبنان هو الإرادة السياسية الفاعلة من جانب هذه الشخصيات لمساعدة الحريري على أداء مهمته وتشكيل الحكومة، وذلك بلا شك هو أمر أهم من المساعدات المالية على الرغم من أهميتها بطبيعة الحال. فتشكيل الحكومة اللبنانية بمثابة انتصار لتلك الإرادة وتحديها لكافة الجهات الدولية التي تحاول العبث بالسيادة اللبنانية، وبحريتها في اتخاذ قراراتها السياسية المستقلة، وتحديد أولويات سياستها الداخلية والخارجية.

ليس لروسيا أن تتدخل في شؤون الدول ذات السيادة، بل هي تحترم قرار اللبنانيين، وتتمتع بعلاقات جيدة مع كل القوى والشخصيات السياسية اللبنانية، وكان من بين أهداف النشاط الدولي الذي بادرت به روسيا من خلال الدعوة لمؤتمر دولي يعالج مشكلة اللاجئين السوريين، هو رفع المعاناة عن لبنان، الذي يستضيف مليون ونصف المليون لاجئ سوري، وعودتهم إلى وطنهم.إننا نأمل أن تغير الإدارة الأمريكية الجديدة بوصلة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، وتتوقف عن استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية ضد الدول، لأن من يتضرر من هذا دائما هي الشعوب وليس الأنظمة. كذلك نأمل من دول الخليج أن تتحرر من القيود الأمريكية المفروضة عليها للتحكم في ثرواتها، حتى تستطيع مساعدة أشقائها في لبنان وسوريا واليمن، التي تعاني من أزمات اقتصادية خانقة، وتحتاج إلى مساعدات لتعافي اقتصادها، وإعادة بناء البنية التحتية التي دمرت بالكامل، ومعالجة مشكلات ملايين اللاجئين والنازحين العرب.

إن لدى دول الخليج الإمكانيات المطلوبة لذلك، لكنها تقف عاجزة عن ذلك، في ظل هجرة مئات وآلاف الكوادر العربية الموهوبة من لبنان وغيره من الدول العربية إلى خارج المنطقة العربية، وهو ما يمثل خسارة لا تعوض، ليس للبنان وحده، وإنما للمنطقة بأسرها.

لقد أدرك ماكرون أنه يعجز عن اختراق حائط الضغوطات الأمريكية على الداخل اللبناني، ويبدو أن محاولاته لاختراق هذا الحائط لا تحقق نجاحا حتى اللحظة، خاصة في غياب مساندة دولية، إلا أنه من المناسب أيضا في هذه الحالة، وحتى إشعار آخر، استخدام ذريعة "خيانة" التعهدات السياسية.


رامي الشاعر - كاتب ومحلل سياسي

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا