روسيا لا تتاجر بالأراضي

أخبار روسيا

روسيا لا تتاجر بالأراضي مقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hzjn

لخص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موقف بلاده من قضايا ترسيم الحدود بشكل عام مع الدول المجاورة، ومع اليابان تحديدا، بعبارة "موسكو لا تتاجر بالأراضي".

وفي الحقيقة، فموسكو لا تقايض ولا تتاجر بالأراضي فعلا، وإنما تبحث عن حلول وسط ترضي كل الأطراف، ولا تهدد مصالح روسيا أو تنتقص من سيادتها على أراضيها. مثل ما حدث في عملية ترسيم الحدود مع الصين، والتي أرضت الطرفين وعززت الثقة بينهما، وطرحت مشاريع واعدة واستراتيجية طويلة الأمد بين موسكو وبكين.

الرئيس الروسي قال أيضا "نود أن نجد مع أصدقائنا اليابانيين حلا لهذه المشكلة.. وإذا تمكنا من التوصل إلى مستوى عال من الثقة، على غرار ما تم التوصل إليه مع الصين، فمن الممكن ان نجد بعض حلول الوسط". وهذا التصريح تحديدا يعيدنا إلى الماضي القريب، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، حيث بدأت اليابان تحيي موضوع جزر الكوريل. وسارت الأمور بين الشد والجذب واستغلال ظروف روسيا الاقتصادية السيئة في تسعينيات القرن العشرين، كما تم استخدام كل الأوراق الممكنة، بما فيها الضغط على موسكو أثناء مواجهتها الإرهاب في شمال القوقاز. وكانت اليابان دوما تستغل كل الظروف لإحياء فكرتها بملكية جزر الكوريل الأربع (كوناشير وشيكوتان وإيتوروب وهابوماى).

وعلى الرغم من التدهور الاقتصادي والأزمات السياسية والاجتماعية التي أصابت روسيا في مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وضعف السلطة المركزية، وانتشار الفوضى والفساد، إلا أن كل اللقاءات والمباحثات بين موسكو وطوكيو بشأن هذه الجزر لم تسفر عن أي شئ. بل ورفض الرئيس الراحل بوريس يلتسين العديد من عروض الاستثمار اليابانية والغربية التي كان من الواضح أنها مرتبطة بالخلاف على ملكية هذه الجزر، أو بالأحرى بعملية تسليمها لليابان مقابل عشرات من مليارات الدولارات في شكل استثمارات.

وقبل الدخول في أي تفاصيل:

- اليابان بتوقيعها معاهدة الاستسلام في 2 سبتمبر/أيلول 1945 لم تعترف فقط بهزيمتها، بل وأيضا أخذت على نفسها كامل المسؤولية عن تصرفاتها ضد الاتحاد السوفيتي وغيره من القوى الحليفة خلال الحرب العالمية الثانية.

- نتائج الحرب العالمية الثانية وثقت بوضوح في معاهدة سان فرنسيسكو للسلام بتاريخ 8 سبتمبر/أيلول 1951، حيث أكدت المادة الثانية من هذه الوثيقة، أن اليابان تخلت عن جميع الحقوق والأسس القانونية والادعاءات فيما يخص الجزء الجنوبي من جزيرة سخالين وجزر الكوريل، وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي لم يوقع على معاهدة سان فرنسيسكو ليس له أي تأثير على التزام اليابان بالمعاهدة.

- طوكيو تدعي أن جزر كوريل الأربع (إيتوروب وكوناشير وشيكوتان هابوماي) هي ملكية لليابان بمقتضى اتفاقية عام 1855 للتجارة والحدود. فيما ينحصر موقف موسكو في أن الاتحاد السوفيتي ضم  جزر الكوريل إلى أراضيه وفقا لنتائج الحرب العالمية الثانية، ولا يمكن التشكيك في السيادة الروسية عليها لأن هناك صياغة قانونية دولية لهذا الأمر.

هذه النقاط الثلاث تشكل الموقف العام بين موسكو وطوكيو بشأن هذه الجزر. ويبدو أن رئيس الحكومة الياباني شينزو آبي يريد أن يحرِّك الأمور قليلا بعد فترة ركود. ومنذ عام 2015 هناك إشارات جيدة من طرف اليابان، وهناك خارطة طريق من 8 نقاط تجري دراستها وبلورتها بين الخبراء من الجانبين. وبالتالي، فمن الصعب أن يحدث أي اختراق سريع أو فوري، لأن المسألة بحاجة إلى مناقشة العديد من التفاصيل، وإرساء قواعد بناءة للحوار ليس فقط فيما يتعلق بملكية الجزر، وإنما حوار الطاقة، ومشاريع "سخالين 1" و"سخالين 2"، ومشاريع صيد وتعليب الأسماك، والسياحة، ومشاريع البنية التحية لموانئ الشرق الأقصى الروسية، وموانئ اليابان القريبة من الحدود الروسية. إضافة إلى الاستثمارات المتبادلة والتعاون في إنتاج واستخدام التكنولوجيا الرفيعة. وفي نهاية المطاف المصادقة على "اتفاقية السلام" بين البلدين.

هناك مقترح ياباني يقضي بأن تقوم روسيا بالتنازل عن الحقوق في "جزر الكوريل" الجنوبية لليابان مقابل أن تسمح سلطات طوكيو للروس الموجودين في الجزر بمواصلة الإقامة فيها والإبقاء على ممتلكاتهم وضمان احترام حقوق الإنسان. بينما ترحب موسكو بفكرة تطوير مشاريع مشتركة في هذه الجزر، وبالدرجة الأولى مشاريع مشتركة مع اليابان.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال إن روسيا مستعدة لتطوير البنية التحتية للموانئ مع اليابان في حال الضرورة، من أجل توريدات الغاز المسال. والمعروف أن نسبة 70% من إجمالي حجم ما تنتجه روسيا من الغاز المسال في ساخالين في إطار مشروعي "ساخالين 1" و"ساخالين 2"، يجري توريدها إلى السوق اليابانية. وبذلك فتح بوتين الباب أمام الاستثمارات اليابانية في مشاريع تهم الجانبين، ورحب بانضمام اليابان الى رأسمال شركة "روس هيدرو"، بعيدا عن أي قيود سياسية. أي أن موسكو تفتح جميع الأبواب للتعاون المثمر مع طوكيو من أجل تثبيت أرضية من الثقة والبرغماتية. ولكن يبدو أن القرار الياباني مرتبط بدرجات ما بحركة الولايات المتحدة التي أعلنت أنها تعترف بسيادة اليابان على جزر الكوريل الجنوبية الأربع. وفي الوقت نفسه اكدت أنها تدعم جهود الحكومتين اليابانية والروسية من أجل توقيع معاهدة السلام التي طال انتظارها، وترسيخ العلاقات بين البلدين ككل.

وعلى الرغم من هذه التصريحات المطاطة، إلا أن المواقف الحقيقية لطوكيو وواشنطن لا تتغير بشأن ملكية اليابان لتلك الجزر. وكثيرا ما تستخدم الولايات المتحدة هذا الملف لإشعال الأوضاع وتوتير العلاقات بين موسكو وطوكيو. وكثيرا ما تستجيب الأخيرة لتوجهات واشنطن.

وفي حال إذا ما كان رئيس الوزراء الياباني يرغب باستخدام ملف الجزر لأسباب داخلية تتعلق بالانتخابات، فإن المباحثات الحالية ستلقى مصير كل المباحثات السابقة. ولكن إذا كانت هناك إرادة سياسية فعلى اليابان أن تعترف بنتائج الحرب العالمية الثانية، وتنظر بواقعية إلى المشاريع الواعدة التي تطرحها روسيا، وأن تتعامل بعقلانية واستقلالية بعيدا عن التطرف في المواقف، والعمل على مبدأ "كل شيء، أو لا شيء"!

أشرف الصباغ

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة
مباشر.. عشرات الآلاف من أنصار صالح يتجمعون في صنعاء في ذكرى تأسيس حزب المؤتمر الشعبي العام