بوتين.. 15 عاما في قمة السلطة

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/grlp

منذ 15 عاما تسلم فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في روسيا وذلك في مراسم تنصيبه رئيسا، والتي جرت في 7 مايو/أيار عام 2000.

وخلال هذه الفترة التي عمل خلالها بوتين في منصبي الرئيس ورئيس الوزراء، شهدت البلاد تغييرات جذرية عديدة، منها  تغييرات واضحة للعيان وتغييرات أخرى، لا يلاحظها إلا من يراقب الأحداث باهتمام بالغ.

السيرة الذاتية للرئيس بوتين

تخرج فلاديمير بوتين، وهو من مواليد مدينة لينينغراد عام 1952، تخرج من كلية الحقوق في جامعة لينينغراد الحكومية عام 1975، وبدأ العمل بعد ذلك في جهاز "كي جي بي"  - لجنة الأمن القومي في الاتحاد السوفيتي. وعمل بوتين في أجهزة الاستخبارات سنوات طويلة، وتولى مناصب مختلفة متعلقة بالشؤون القانونية في فرع "كي جي بي" في لينينغراد وفي جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية). لكن بعد بدء عملية تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1990 ركز بوتين على عمله كأستاذ في جامعة لينينغراد، ثم في بلدية المدينة التي ترأسها أناتولي سوبتشاك. وبعد محاولة الانقلاب على السلطة في أغسطس/آب عام 1991، استقال بوتين من لجنة الأمن القومي نهائيا.

ومن اللافت أن العديد من أعضاء ما يسمى بـ "فريق بوتين" أي مجموعة السياسيين والمدراء الذين تولوا مناصب رفيعة في الحكومة وفي الشركات الحكومية خلال ولاياته الرئاسية الثلاث، عملوا في الماضي أيضا في بلدية لينينغراد تحت قيادة سوبتشاك.

وفي عام 1996 بعد فشل أناتولي سوبتشاك في انتخابات عمدة لينينغراد انتقل بوتين إلى موسكو، حيث بدأ العمل في الديوان الرئاسي. وفي عام 1998 تولى منصب مدير جهاز الأمن الفيدرالي، حيث بادر لإجراء إصلاحات عميقة. وفي عام 1999 عين بوتين  في منصب أمين عام مجلس الأمن الروسي، مع بقائه في منصب مدير جهاز الأمن الفيدرالي.

وكانت روسيا تعيش منذ  صيف عام 1998 أزمة اقتصادية وسياسية عميقة مع تراجع سعر صرف الروبل، وتزايد عدد الفقراء، وانهيار القدرات الصناعية وفقدان السكان ثقتهم بالرئيس بوريس يلتسين. وفي هذه الظروف اختار يلتسين بوتين خليفة له، وعينه في أغسطس/آب عام 1999 رئيسا للوزراء.

في البداية لم ير أحد مستقبلا سياسيا لبوتين الذي كان شخصية غير معروفة وبدون شعبية تذكر، ومن اللافت أنه كان خامس رئيس حكومة خلال 18 شهرا.

وقال عنه يلتسين آنذاك:

"اليوم قررت أن أشير إلى شخص أعتبره قادرا على توحيد المجتمع وضمان مواصلة الإصلاحات في روسيا مع الاعتماد على قوى سياسية واسعة. كما أنه يستطيع أن يجمع حوله أولئك الذين سيمثلون روسيا العظمى في القرن الحادي والعشرين".

لكن غينادي سيليزنيوف رئيس مجلس الدوما آنذاك استبعد فوز بوتين بالرئاسة، قائلا: "إذا أعلن يلتسين شخصا ما خليفة له، فذلك يعني أنه يقضي على المستقبل السياسي لهذا الشخص، لقد حصل ذلك مرات عديدة".

تعليق أندريه باكلانوف مستشار رئيسة مجلس الاتحاد الروسي

التحديات الأمنية وتنامي شعبية بوتين

بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية العميقة، عاشت روسيا في عام 1999 تدهورا حادا للوضع الأمني.

وجاء تعيين بوتين رئيسا للوزراء بالتزامن مع توغل مسلحين شيشان في أراضي داغستان.

وفي  سبتمبر/أيلول عام 1999 أسفرت سلسلة تفجيرات قوية استهدفت عمارات سكنية متعددة الطوابق في بويناكسك الداغستانية وفي موسكو عن مقتل أكثر من 300 شخص.

ورد بوتين على هذه التحديات بحزم بالغ إذ أطلق عملية عسكرية في الشيشان التي كانت تتمتع باستقلال شبه كامل منذ الحرب الشيشانية الأولى (1994-1996).

ونال رئيس الوزراء بفضل موقفه هذا تأييدا شعبيا متزايدا، إذ كان 31% فقط من المواطنين الروس يؤيدون خطوات بوتين في أغسطس/آب عام 1999، لكن عدد مؤيديه إزداد بحلول يناير/كانون الثاني عام 2000 إلى 84%.

بوريس يلتسين وفلاديمير بوتين

وبعد مرور 15 عاما على بدء الحرب الشيشانية الثانية (استمرت المرحلة النشطة منها لمدة عام لكن نظام عملية مكافحة الإرهاب في الشيشان ألغي بعد 10 سنوات فقط أي في عام 2009)، نرى أن نجاح بوتين في مهمته هذه كان يعتمد ليس على القوة العسكرية فحسب (علما بأن الجيش الروسي كان آنذاك في أسوأ حالاته)، بل أيضا على مهاراته الدبلوماسية وعلى قدرته على بناء علاقات طيبة مع النخبة المحلية. وهو لم يتمكن من استعادة السيطرة على الجمهورية المتمردة فحسب، بل وساهم في إعمارها واستعادة الاستقرار الأمني وإطلاق عملية النمو الاقتصادي المستدام في الأراضي الشيشانية.

وعانت روسيا خلال الأعوام الماضية من عمليات إرهابية كثيرة أسفرت عن مقتل الآلاف، وكانت السلطة المحلية في العديد من جمهوريات شمال القوقاز على حافة الانهيار، في ظل التخلف الاقتصادي المستمر وتنامي خطر التطرف الإسلامي. لكن بوتين تمكن من الحفاظ على وحدة أراضي البلاد. وتشهد روسيا على مدى السنوات الماضية تراجعا حادا لعدد الأعمال الإرهابية، فيما تعمل الحكومة على اجتثاث جذور القضية ليس بالوسائل العسكرية، بل بالمساهمة في تطوير المنطقة بشتى المجالات.

تعليق أندريه كوشكين الأستاذ في جامعة "بليخانوف" الاقتصادية الروسية

الحياة السياسية

أعلن  بوريس يلتسين تخليه عن السلطة في الرسالة الرئاسية التقليدية إلى الشعب بمناسبة حلول سنة 2000 الجديدة. وأصبح بوتين قائما بأعمال الرئيس ومرشحا بارزا في الانتخابات الرئاسية المبكرة.

كانت النخبة السياسية الروسية قبيل الانتخابات المبكرة التي جرت في مارس/آذار عام 2000 مفتتة ومقسمة، إذ كان جزء من محافظي الأقاليم يؤيد كتلة شكلها السياسيون المخضرمون يفغيني بريماكوف ويوري لوجكوف ومنتيمير شايمييف، أما الأوليغارشي ميخائيل خودوركوفسكي فكان يدعم بوتين.

ميخائيل خودوركوفسكي

لكن مع مرور الوقت تحول العديد من أعداء بوتين إلى مؤيدين متحمسين له، بينما انتقل بعض أنصاره الأوائل إلى معسكر المعارضة، ومن أشهر هؤلاء كان ميخائيل خودوركوفسكي الذي قضى 10 سنوات في السجن بعد إدانته بالعديد من الجرائم الاقتصادية. لكن من اللافت أن قضية خودوركوفسكي جاءت أيضا على خلفية طموحاته السياسية، إذ بدأ بوتين بعد مرور فترة قصيرة على توليه السلطة حربا لا هوادة فيها مع حكم الأوليغارشية في البلاد.

وكان الأوليغارشي بوريس بيريزوفسكي يقول قبل انتخابات عام 2000: "يعد بوتين بلا شك شخصا يمكنني أن أعيش في روسيا في ظل حكمه. نحن الأوليغارشية، سنؤيد بوتين في الانتخابات الرئاسية". وتوفي بيريزوفسكي في عام 2013 في المنفى ببريطانيا بعد أن هرب من روسيا في عام 2003 حيث وجهت إليه تهم جنائية كثيرة.

فاز بوتين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المبكرة بحصوله على 53 % من أصوات الناخبين. وخلال فترة قصيرة نسبيا، تمكن من إعادة بناء منظومة الإدارة وتعزيز مؤسسات السلطة المركزية والمحلية وتشكيل فريق من المدراء الفعالين.

وتغير وجه الحياة السياسية في البلاد جذريا خلال السنوات الماضية، وذلك بعد تشكيل حزب "روسيا الموحدة" الحاكم، وظهور أحزاب قوية جديدة، وتراجع حاد لشعبية الأحزاب الليبرالية القديمة. ومنذ سنوات تسيطر على الدوما (مجلس النواب) بأكمله 4 أحزاب فقط، هي "روسيا الموحدة" والحزب الشيوعي والحزب الليبيرالي –الديمقراطي بقيادة فلاديمير جيرينوفسكي وحزب "روسيا العادلة" اليساري بزعامة سيرغي ميرونوف.

مظاهرة مؤيدة لبوتين

النجاحات والقضايا الاقتصادية

لم يكن أحد يشك بفوز بوتين بالولاية الرئاسية الثانية في انتخابات عام 2004، إذ بلغت شعبيته مستويات غير مسبوقة على خلفية حربه على الأوليغارشية والنجاحات الاقتصادية التي حققتها البلاد بعد تجاوزها الأزمة الاقتصادية.

تجدر الإشارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد تضاعف منذ عام 2000 مرتين، أما مداخيل السكان فازدادت 3 مرات.

www.gazeta.ru

وفاز بوتين في الانتخابات ونال 71.3% من أصوات الناخبين. تجدر الإشارة إلى أن الدستور الروسي يمنع الرئيس من الترشح بعد قضائه ولايتين رئاسيتين متتاليتين.

ولذلك بعد انتهاء ولايته الرئاسية الثانية، انتقل بوتين للعمل في منصب رئيس الوزراء، فيما تولى دميتري مدفيديف منصب الرئاسة.  وركز بوتين في الفترة 2008-2012 على المسائل الاقتصادية بالدرجة الأولى، وعلى إصلاح الحكومة والمؤسسات المرتبطة بها.

وتجاوزت البلاد خلال هذه الفترة الأزمة الاقتصادية عامي 2008 و2009، وهي تواجه حاليا أيضا صعوبات اقتصادية كبيرة، على خلفية تراجع أسعار النفط والعقوبات الغربية.

وأظهرت السنوات الماضية وجود قضايا مبدئية أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في البلاد، منها تبعية الاقتصاد لتصدير النفط، وتخلف قطاع الأعمال المتوسطة والصغيرة والقيود الإدارية القاسية المفروضة على القطاع، والصعوبات التي تمنع تنمية الصناعات ذات المستوى التكنولوجي العالي.

السياسة الخارجية.. أوكرانيا.. القرم..

بلا شك يعد خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن في عام 2007 من أهم وأشهر تصريحاته العلنية في منصب الرئيس.

بوتين يلقي خطابا في مؤتمر ميونخ للأمن في عام 2007

وأظهر هذا الخطاب تعديل بوتين لنهجه السياسي، علما بأنه كان خلال ولايته الرئاسية الأولى ينطلق من ضرورة وجود تحالف بين روسيا والغرب. وجاء تعديل موقفه على خلفية التدخل الأمريكي في العراق، والدعم الغربي لما عرف بـ"الثورة البرتقالية" في أوكرانيا، والانتقادات التي وجهها الغرب بشأن قضية خودوركوفسكي والتطورات الأخرى في السياسة الداخلية لروسيا.

وتساءل بوتين في خطابه الشهير:

"ما هو العالم أحادي القطب؟ مهما كانت المحاولات لتجميل هذا المصطلح، إنه يعني في نهاية المطاف شيئا واحدا: ليس هناك إلا مركز واحد للسلطة وللقوة ولاتخاذ القرارات، إنه عالم يسيطر عليه سيد واحد، هذا أمر هدام ليس بالنسبة لأولئك الذين يعيشون داخل هذا النظام، بل بالنسبة للسيد نفسه، الذي يجري تدميره من الداخل، ولا يوجد شيء يجمع بين هذا النظام والديمقراطية".

ولم يكتف بوتين بإلقاء الخطاب فقط، بل تصدى لضغوط الغرب، وأصر على معارضته للتدخلات العسكرية الأمريكية في مختلف مناطق العالم. وبرز الموقف الروسي الحازم بوضوح خلال الحرب القصيرة مع جورجيا في عام 2008، عندما أثبتت موسكو استعدادها للدفاع عن مواطنيها، وأخفق الغرب في تقديم الدعم الواقعي لحلفائه الجدد.

وتمسك بوتين بموقفه هذا بعد عودته إلى كرسي الرئاسة في عام 2012، على الرغم من تنامي الضغوط الأمريكية على خلفية أحداث الربيع العربي، ومع بروز قضية التنصت الإلكتروني لواشنطن، وقرار موسكو منح اللجوء لمسرب المعلومات عن حملة التنصت إدوارد سنودن.

ومازال الخلاف الجيوسياسي بين القوى الراغبة في بقاء العالم أحادي القطب والقوى المعارضة لهذا النظام، بعيدا عن الانتهاء، ومازال بوتين يلعب دورا مهما في هذا الصراع، وقد قضى نصف ولايته الرئاسية الثالثة التي تنتهي في عام 2018 (جاء تمديد الولايات الرئاسية في روسيا من 4 سنوات إلى 6 بعد التعديلات الدستورية عام 2008)، خاصة بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية في أواخر عام 2013 وأوائل عام 2014، عندما أدت الاحتجاجات المؤيدة للتكامل الأوروبي والمناهضة للرئيس فيكتور يانوكوفيتش إلى انقلاب على السلطة في فبراير/شباط عام 2014.

ورفض بوتين الانقلاب غير الشرعي رفضا قطعيا، وأكد على عزم روسيا الدفاع عن مصالح أبناء الوطن الروسي والناطقين باللغة الروسية في أوكرانيا. ومرت الأزمة الأوكرانية خلال العام الماضي بمراحل عديدة منها أحداث القرم  التي خرجت شبه الجزيرة نتيجتها من قوام أوكرانيا وانضمت إلى روسيا، واندلاع النزاع المسلح في شرق أوكرانيا.

وبعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في أوكرانيا في مايو/أيار من العام الماضي، اعترف بوتين بنظيره الأوكراني بيترو بوروشينكو ووافق على لعب دور الوسيط في عملية تسوية النزاع المسلح، ما سمح بالتوصل إلى اتفاقات مينسك السلمية والشروع في إزالة فتيل المواجهة المسلحة في منطقة النزاع.

لكن أحداث القرم وشرق أوكرانيا تسببت بأزمة غير مسبوقة في العلاقات بين روسيا والغرب، يقارن كثيرون بينها وبين الحرب البادرة. وبذريعة الأحداث في أوكرانيا، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات على روسيا، تستهدف ليس "المتورطين في أحداث القرم وشرق أوكرانيا" بل الاقتصاد الروسي، وبالدرجة الأولى قطاعه المالي والقطاعات التي تعتمد على التقنيات المتطورة والابتكارات.

وقطع حلف الناتو كافة علاقات التعاون التي كانت تربطه بروسيا، وكثف تدريباته قرب الحدود ، وبدأ بنشر المزيد  من القوات والأسلحة في المناطق الحدودية.

وتدفع كل هذه الإجراءات بموسكو إلى تقديم رد مناسب.

تعليق سعيد دودين مدير مؤسسة عالم واحد للبحث والإعلام

تعليق عمار قناة أستاذ العلوم السياسية في جامعة "سيفاستوبول"

تعزيز القدرات العسكرية

في هذا السياق ذكرت صحيفة "ذي تلغراف " البريطانية أن الجيش الروسي وصل خلال الأشهر الماضية لأرفع مستويات التأهب، وحصل على الأسلحة والمعدات الأكثر حداثة منذ تولي بوتين السلطة في روسيا في عام 2000.

فلاديمير بوتين

وذكرت الصحيفة أن عدد أفراد الجيش الروسي وصل إلى 766 ألف فرد، بالإضافة إلى 2.5 مليون من جنود الاحتياط. وقارنت الصحيفة بين القدرات العسكرية لروسيا والولايات المتحدة وبريطانيا ووصلت إلى استنتاج أن القوات المسلحة الروسية تتقدم على الجيشين الأمريكي والبريطاني كثيرا من حيث عدد الدبابات والمدافع ذاتية الحركة والراجمات الصاورخية.

وفي الوقت نفسه، أشارت الصحيفة إلى أنه مازالت هناك فجوة على الجيش الروسي تجاوزها ليقترب من مستوى الجيش الأمريكي فيما يخص القدرات العسكرية والإجمالية، ونطاق استخدام التكنولوجيا العالية. لكنها أعادت إلى الأذهان أن الحكومة الروسية زادت النفقات العسكرية في عام 2009 بمقدار الثلث، على الرغم من الأزمة الاقتصادية التي عانى منها الاقتصاد الروسي آنذاك، ومازالت النفقات في ازدياد.

تأتي تلك النفقات تنفيذا للبرنامج الحكومي طويل الأمد لإعادة تسليح الجيش الروسي، لكن من الواضح أن تعزيز القدرات العسكرية يعد ضامنا لمواصلة موسكو اتباع سياستها المستقلة على الساحة الدولية، حيث تدافع عن مصالحها الوطنية وترفض الرضوخ لمطالب واشنطن.

تعليق وفيق إبراهيم الباحث الاستراتيجي في شؤون الشرق الأوسط 

تعليق عماد آب شناس الصحفي والمحلل السياسي الإيراني

المصدر: RT

 

 

تويتر RT Arabic للأخبار العاجلة