مختارات من أنطولوجيا الشعر الروسي - الحلقة الأولى - إجمال مختصر

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/30213/

إجمال مختصر

كان من البديهي أن تتنامى المشاعر الوطنية إثر الهجوم النابليوني على روسيا، وقد وجدت هذه المشاعر متنفسا لها من خلال الإصلاحات التي قام بها القيصر الكسندر الأول . بيد أن تشكل البرجوازية وتناميها ظل في إسار جبروت السلطة القيصرية والقنانة المستبدة، وكون الطابع الزراعي هو الشكل الرئيس للإنتاج آنذاك مما انعكس في تشعبات رديفة في المجال الأدبي، حيث برزت القضية الفلاحية في هذه التوجهات على وجه الخصوص .
تكرس الاتجاه الكلاسيكي أواسط القرن الثامن عشر، كان ذلك ردا طبيعيا  على الأشكال المتهالكة القديمة المليئة بالخرافات والطابع الكنسي.

-2-

ولا يلبث الشعر الروسي أن يخطو خطوات أعمق على يد نيقولاي كارامزين الذي يوسع من المدى الوجداني محاولا سبر العالم الداخلي للإنسان، ثم يتابع غافريل ديرجافين عملية التطوير هذه على تخوم القرن التاسع عشر عاكسا بعض ملامح الأجواء التنويرية التي بدأت تتنامى .
وتلعب ثورة الديسامبريين – 1825 – دورا تحريضيا هاما، فاتحة المدى للتعبير عن المشاعر المكبوتة، ومرهصة لتنامي اتجاهين رومانسيين: انطوائي يعتمد تصوير الآلام وجراح النفس الإنسانية عبر الخيال والطبيعة، وأبرز ممثليه فاسيلي جوكوفسكي .وخاصة عبر محاورة واستنطاق أجواء الطبيعة كالبحر :

أنت تخفق وتعوي
وترفع الموج ، تتألم وتتمزق
في الغيهب العدائي
كاذب هذا المظهر الهادئ
ففي الهوة الهادئة تخفي انفعالك
وأنت تنشغف بالسماء وترتجف من أجلها.
وتوجه رومانسي مواجه متحد يدعو للثورة بوضوح، ومن أبرز ممثلي هذا التيار  كوندراتيريليف الذي شارك بثورة الديسامبريين:
فلتهتز أيها المستبد
سيهب الشعب كالوحش ضد الطغاة
يكفي فلتهتز أيها المستبد
من شرِّك وخداعك
تأتيك أجيالنا بالحكم الذي تستحقه

-3-

وتظهر بوادر الواقعية على أغصان الرومانتيكية مشربة بيخضورها، ولا شك أن ظهور بوشكين كان حدثا مخصابا في تاريخ الشعر الروسي، فبنتاجه الثري المبدع تنفتح صفحة معطاءة في سفري الشعر والنثر على حد سواء .ويحمّل بوشكين قصائده روحا وثابة مليئة بالثقة والأمل، متميزا في الشكل والمضمون عبر إبداع يلعب دورا تاريخيا على الصعيدين الفني والمضموني بآن معا:
ياصديقي ، ياصديقي سنمنح أوطاننا
مطامح أرواحنا الرائعة
ثق أيها الرفيق أن نجمة السعادة الآسرة
ستشرق حتما
ستنهض روسيا من نومها
وعلى حطام السلطة المستبدة
ستكتب أسماؤنا

-4-

ويقيض للشعر الروسي جناحا آخر لا يقل قدرة على التحليق، وهو الشاعر العملاق الشاب ميخايل ليرمنتوف الذي يسعى إلى مزج الواقعية بالرومانتيكية، معمقا الأحاسيس الشفافة ،وعمق الأفكار الإنسانية غوصا في جوهر الظواهر، مما يعطي أشعاره في معظم الأحيان مسحة رمزية تأملية:
يزداد الشراع الوحيد بياضا 
من خلل ضباب أزرق وسط البحر
عن ماذا يبحث في الوطن البعيد
وماذا أبقى في موطنه الحميم
تتلاعب الأمواج والريح تصفر
والصاري يتمايل ويصر
أسفا .. إنه لا يبحث عن السعادة
ولا يركض بعيدا عنها
هاهي انبجاسات المياه مشعة
من تحته تضاهي اللازورد
وينهض فوقه شعاع الشمس الذهبي
إنه مضطرب يسعى إلى العاصفة
كما لو أن في العاصفة الهدوء .

-5-

ويلعب النقاد الديمقراطيون دورا بالغ الأهمية في إنضاج الملامح الإبداعية لهذه المرحلة، وخاصة من خلال فهم تأثير الأدب في الوعي الاجتماعي
وخصوصية الفن كشكل تعبيري متميز ، وأن القيمة الجمالية تكمن في الأسلوب أولا. ومن أشهر نقاد تلك المرحلة فيساريون بيلينسكي ونيقولاي تشيرنيشفسكي، كما يلعب الشاعر الكبير نيقولاي نيكراسوف أواسط القرن التاسع عشر دورا هاما في  تعميق هذه التوجهات مناوحا بين الرومانتيكية والواقعية وإبراز دور الجماهير لا السلطة في صنع الحياة.
وإلى جانب كل ذلك تتنامى نهاية القرن التاسع عشر التوجهات الفلسفية المثالية، والخوف من المجهول عبر

زحف الصناعة وطغيان الآلة كما في القصيدة "غرنوق" لفيليمير خليبنيكوف، حيث الطائر الحديدي يأكل البشر، ويقوم الشاعر ساشا تشورني بإسقاط على إسطورة الطوفان، مركزا على عنصر الشر في الطبيعة الإنسانية.
وقد ساهمت المرحلة التجريبية والتنوع الكبير في مسارب فهم الحياة إبان الإرهاصات المتنامية في إغناء التجربة الشعرية حيث جرى بدايات القرن العشرين تجديد جوهري في إيقاع الشعر، وتنويع القوافي ومزج الفنون الشعرية ، وتطورت بنية الصورة الشعرية، وتعمقت الوجدانية في الشعر الغنائي، وتنامى التوجه نحو إحياء الفولكلور والغوص في النفس الإنسانية ،إلى جانب الاهتمام لدى العديد من الشعراء باللغة الحية وبنبض الشارع وهمومه، وتوسعت ظاهرة الأمسيات الحاشدة الكبرى ما عمق من تفاعل الناس العاديين بالشعر، ودفع الشعراء أيضا للاقتراب من الناس وحياتهم وهمومهم. وخلال عقود منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تتكرس المدارس والتيارات والتوجهات الإبداعية المختلفة، متناغمة حينا متنافرة آخر ومتداخلة في بوتقة الواقع المتأجج ، بحيث يتنقل معظم الشعراء متأثرين بزخم الواقع من مدرسة إلى أخرى، او مازجين بعض التوجهات الفنية في قصائدهم لتواكب نكهة الزمن الذي يعيشونه.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)