مختارات من أنطولوجيا الشعر الروسي - الحلقة الثانية - العهد الفضي في الشعر الروسي وأهم تياراته الإبداعية (الرمزية)

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/30214/

العهد الفضي في الشعر الروسي وأهم تياراته الإبداعية

الرمزية

 

ظهرت الرمزية في الشعر الروسي متأثرة بالفلسفة المثالية، وببعض التوجهات الصوفية ،وتقدمت في الوقت الذي تراجعت فيه الكلاسيكية ومع تنامي الرومانتيكية الجديدة ، وتغلغلت بواعثها روسيا عن طريق أوروبا (وخاصة فرنسا) وبعض المفاهيم الجمالية السائدة في الغرب آنذاك، ودعت الرمزية إلى أدب منزه عن السياسة وأحداث العصر، وإلى مناهضة النفعية في العمل الفني، وقد أولع الرمزيون في البدايات بشوبنهور ونيتشه لا من حيث فلسفة القوة بل من حيث التشاؤم والمسحة الصوفية، وأن إرادة خفية تتحكم بجوهر العالم. ويعتبر فلاديمير سولوفيوف الأب الروحي للرمزية الروسية، وكان يرى أن للعالم روحا أنثوية خالدة، وكانت آراؤه مناقضة لأطروحات النقاد الواقعيين ومفهومهم عن الجمال الذي يقدسه الرمزيون في خلوده الصوفي الغامض الأمر الذي يصوره سولوفيوف بعمق:
الموت والوقت يسيطران على الأرض
فلا تستدعيهما بالأرباب
كل شيء سيدور وسيفنى في الغيهب
وشمس الحب وحدها لا تزول
كانت الرمزية الروسية محاولة لسبر العالم المحسوس نحو الماورائيات وجمال أسرارها ، متكئة على اتساع آفاق تأويل الرموز، وهم ينطلقون من أن صورة العالم المادي مجرد نافذة نحو اللامحدود وحيث لا تكتمل عناصر

-2-

الجمال  بسريتها، حتى أن الرمزيين يرون أن الفن الراقي يعبر عن نفسه  حين تغدو الصورة مجرد رموز كما عند فيودور سالاغوب:
أنا إله العالم السري
كل العالم في أحلامي
لن أخلق وثنا لي
لا في الأرض ولا في السماء


على أن الرمزية الروسية استطاعت تكريس نكهتها الوطنية الخاصة من خلال تعميق دور الكلمة الموحية والاعتماد على الأنا الوجدانية، والشاعر الرمزي هو بطل أشعاره حيث يغدو ( هو ) محور العالم عبر مشاعره السرية . ويتحلق الرمزيون حول عدد من دور النشر والمجلات وخاصة الميزان والجزة الذهبية ، ومن أشهر وأكبر شعراء هذه المدرسة: أندريه بيلي وألكسي ريميزوف ودميتري ميرجكوفسكي وزيناييدا غيبوس وكانيفسكي. وتتألق الرمزية على يد الشاعر الكبير ألكسندر بلوك حيث تتنوع موضوعاتها ، خاصة أن ظهور الرمزية ترافق بعواصف اجتماعية نوعية وإرهاصات تاريخية، وظهور أفكار متناقضة في تحليل الواقع والتعامل معه من قلق وقدرية واستسلام إلى تفاؤل مفرط ، فظهرت فروع وتنويعات في توجهات الرمزية نفسها وخاصة إثر ثورة 1905 .
ويمكن القول أن الرمزيين تألقوا حتى عام 1910 تقريبا كأهم تيار إبداعي، وعلى الرغم من تشظيات الرمزية إلا أنها كانت تؤثر باعتراف ماياكوفسكي على معظم التوجهات الشعرية الروسية في تلك المرحلة، وكان (بلوك) الفارس المجلي في هذا التوجه.

-3-

وكان الكسندر بلوك الفارس المجلي في هذا التوجه:
.. وكل مساء بوقت محدد
وعلَّ الرؤى محض حلم تكون
أرى قد أنثى حريرا تضفر
تماوج عبر الزجاج
ببطء تمر
وتعبر بين السكارى وحيدة
... أحدق فيها بتوق غريب
 وعبر الخِمار الضبابي
أرى شاطئا آسرا كالمحال...
وقد ترك بلوك بصمات كبرى في مجمل تكوين الصورة الشعرية، وذلك من خلال الحفاظ على الطابع الرمزي حتى إبان تطرقه إلى معطيات الحياة التي بدأت تتبدل أمام ناظريه بقوة واندفاع .
وتبدأ الرمزية بالانهيار وتغلق مجلة الميزان أبوابها ثم الجزة الذهبية، ومنذ بداية العقد الثاني من القرن العشرين تزداد الانتقادات للرمزية، وتتهم بأنها ظلت بعيدة عن حركة الواقع الذي بدأ تتجاوزها كرد عملي على إهماله من قبل شعرائها ،ثم تضمحل هذه المدرسة تاركة المجال لولادة مدرسة أخرى

-4-

من رحمها ومناقضة لها، لكن الأجواء الإبداعية للرمزيين لا تتلاشى بل تأخذ أنماطا جديدة وتظل المدرسة الأكثر تأثيرا على مجمل الحركة الشعرية حتى العشرينات.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)