حكاية السائق (أبو وحيد)

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/j5ud

ربما لم يدر في خلد أبي وحيد (محمد وحيد همهم) أن يأتي يوم أو لحظة يكون فيها عرضة لاستهداف بقذيفة أو ما شابه، كونه امتهن سياقة سيارة أجرة لنقل الركاب كمسار لحياته وليس أكثر.

جل ما كان يخامره من تصورات تدور عند احتمال وقوع حادث سير خلال عمله وهو الذي طاف البلاد بحكم مهنته شرقا وغربا جنوبا وشمالا، أبو وحيد الخمسيني الشاب والأب لسبعة أبناء أكبرهم سنا في الرابعة والعشرين وأصغرهم طفلة بعمر ست سنين، أجبرته الحرب على مغادرة بيته في حي الزهراء بحلب منذ أربعة أعوام مع عائلته ليصبح لاجئا في حي السيدة زينب قرب العاصمة السورية دمشق.

لم يغير مهنته واستمر عليها متنقلا في أسفاره لنقل الركاب في أي اتجاه كان ممكنا في البلاد، بقي متعلقا بحلب وبحي الزهراء تشده ذكريات الأهل والدار والجيران والأصدقاء إليها على مدار أيامه، لم يتردد يوما في تلبية دعوته لمهمة إلى حلب وهي في أوج حربها، يعرف دروبها وأزقتها وحواريها ومداخلها ومخارجها الآمنة، فكان ذلك يبعث في النفس الطمأنينة لمن يرافقه إلى حلب، لم يتوان مرة عن ولوج ممرات وعرة وخطيرة تحت القصف وتحت هدير الطائرات وأصوات الانفجارات وهو إلى جانب الزملاء الإعلاميين في تلك الساحات.

أكسبته المهمات العديدة مع طاقم العمل الإعلامي نوعا من الجلد إضافة إلى صبره الذي كرسته في دواخله مهنة سياقة السيارة على مدار ساعات متواصلة وأحيانا على مدار أيام.

عشية استهداف طاقم العمل التابع لقناة آر تي، وكان يوم السبت المصادف للتاسع والعشرين من شهر تموز الماضي، كان أبو وحيد على موعد مع قدر مجهول، استعد لمرافقة الزميل المراسل خالد الخطيب رحمه الله والمصور معتز الخطيب صباح اليوم التالي في مهمة إعلامية باتجاه مدينة السخنة في الريف الشرقي لحمص، مرورا بعمق البادية السورية.

كان موعد الانطلاق مع ساعات الصباح الأولى من يوم الأحد الواقع في الثلاثين من شهر تموز من مدينة السلمية باتجاه ميدان العمل، في منتصف الطريق إلى المكان المنشود توقف موكبهم لتصوير بعض المشاهد المتعلقة بمجريات الحرب الدائرة هناك، انهمك المراسل الراحل بترتيب لقاءاته مع المعنيين في تلك النقطة بينما كان المصور يجهز أدوات عمله في حين أمسك السائق أبو وحيد بجهاز اتصال تلفوني (آيفون) لتصوير عمل المراسل والمصور في بادرة لتوثيق هذه اللحظات على المستوى الشخصي، دقائق معدودة وينجز العمل، لكن قذيفة صاروخية مفاجئة قادمة من مواقع مسلحي تنظيم "داعش" مزقت سكون الصحراء وأحالت الزميل المراسل إلى جثة هامدة، ووزعت شظاياها على المصور وكادت أن تودي بحياة السائق "أبي وحيد" لكنها أصابت أنحاء متفرقة من جسده.

نجا أبو وحيد من الموت بأعجوبة، لكنه لا يزال مسكونا بلحظات الرعب التي وثقها بكاميرته الخاصة، وبقيت جراحه شاهدا عليها.

المصدر: RT