ليبيا.. مدينة القلعة "أغرم" حكاية حجر أمازيغي يحرس ذاكرة جبل نفوسة (فيديو)
في أعالي جبل نفوسة، حيث يشتبك الحجر بالريح وتتعانق أشجار الزيتون مع ذاكرة الأرض، تقف مدينة القلعة أو"أغرم"، شاهدة على تاريخ عميق لم يدون في الكتب، لكنه محفور على الجدران.
القلعة ليست مجرد تجمع سكني قديم، بل مدينة أمازيغية متكاملة المواصفات، سبقت الفتح الإسلامي بقرون، وتشكل اليوم إحدى أقدم الحواضر التاريخية في جبل نفوسة غرب ليبيا. مبانيها الصخرية، وأزقتها الضيقة، ومساجدها ومعاصر الزيتون القديمة، جميعها تروي قصة مكانٍ عاش قبل الميلاد، واستمر نابضًا بالحياة عبر العصور.
يقول عبدالله ساسي، الباحث في الثقافة الأمازيغية، في حديث لـ RT، إن مدينة القلعة القديمة تعد واحدة من المدن الأمازيغية الأصيلة في جبل نفوسة، وتمتاز بطراز معماري أمازيغي صرف، يعود إلى ما قبل الفتح الإسلامي، بل ويضم مباني وآثارا تعود إلى ما قبل الميلاد.
ويضيف الباحث أن المدينة كانت متكاملة في حياتها اليومية، إذ احتوت على مساجد، ومعاصر زيتون، وورشا تقليدية لصناعة الملابس والأدوات المستخدمة في الزراعة والصيد والحرث.
لكن المفارقة المؤلمة، بحسب ساسي، أن كل ما هو معروف عن تاريخ القلعة يستند إلى التاريخ الشفهي المتداول فقط في ظل غياب شبه تام للوثائق المكتوبة أو الدراسات الأكاديمية، وعدم تبني أي جهة رسمية أو بحثية لمشروع يوثق تاريخ المدينة ومنطقتها. ومع ذلك، فإن المتداول والمتوارث بين الأهالي يشير إلى أن القلعة مدينة ضاربة في القدم، وتضم رموزا أثرية بارزة، من بينها ضريح صفيت، الذي يعتقد أنه شيد قبل ميلاد المسيح بنحو خمسين عاما، إلى جانب آثار ليبية قديمة أخرى ما زالت صامدة رغم عوامل الزمن.
ومع دخول الإسلام إلى المنطقة، اعتنق أهل القلعة الدين الجديد، وحفظوا القرآن الكريم، وتعلموا اللغة العربية، لتتشكل هوية ثقافية جامعة، تمزج بين الجذور الأمازيغية والبعد الإسلامي، دون أن تفقد المدينة خصوصيتها المعمارية والاجتماعية.
فالطراز المعماري في القلعة، كما يصفه الباحثون وأبناء المنطقة، يقوم على استخدام الحجر الطبيعي والجبس، مع توظيف أشجار الزيتون بعد حرقها في أفران خاصة، قبل إدخالها في عملية البناء، وهو أسلوب تقليدي يعكس انسجام الإنسان مع بيئته وقدرته على تطويع مواردها.
من جانبه، يقول المهدي العريبي، أحد سكان المدينة، إن أهالي القلعة اعتمدوا تاريخيا على الزراعة، واشتهروا بزراعة التين والعنب، إلى جانب تربية الحيوانات، وهو ما شكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي لقرون طويلة.
ويؤكد العريبي أنه لا توجد أي وثائق رسمية تتحدث عن تاريخ المدينة، لكن المتداول بين السكان أن عمرها يتجاوز 850 سنة، وتضم مساجد قديمة، أبرزها مسجد الرصفة، الذي يعد أول مسجد في المدينة.
ورغم هذه القيمة التاريخية والحضارية، يأسف سكان القلعة لغياب الاهتمام الرسمي، وعدم وجود جهود جادة للحفاظ على هذا الإرث، الذي يواجه خطر الاندثار في ظل الإهمال وتآكل المباني القديمة.
تبقى مدينة القلعة (أغرم) قصة مفتوحة، تنتظر من يكتبها بحبر البحث والتوثيق، قبل أن تذروها رياح النسيان. فهي ليست مجرد أطلال، بل ذاكرة حية لجبل نفوسة، وجزء أصيل من التاريخ الليبي الذي ما زال ينطق لمن يصغي.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
الهلال الأحمر الليبي يجلي أكثر من 80 أسرة في بنغازي بسبب سوء الطقس (فيديو)
أعلن مدير إدارة العمليات والكوارث بالهلال الأحمر الليبي إدريس الدرسي عن إجلاء أكثر من 80 أسرة في بنغازي ومناطق أخرى جراء التقلبات الجوية الشديدة التي تشهدها البلاد.
ليبيا.. أطفال القلعة يحتفون برأس السنة الأمازيغية 2976 بعروض تراثية تجسد الهوية والثقافة (فيديو)
احتفل أطفال مدينة القلعة الليبية برأس السنة الأمازيغية 2976، في تظاهرة ثقافية نظمتها روضة سيلين، عكست عمق الانتماء للهوية الأمازيغية وحرص الأجيال الناشئة على صون الموروث الثقافي.
مسجد المجابرة في مسلاتة الليبية ... شاهد على أول جمهورية عربية
في قلب مدينة مسلاتة غرب ليبيا يقف مسجد المجابرة العتيق شامخا حارسا لتاريخ يمتد لأكثر من قرن بين جدرانه شهدت المدينة ميلاد أولى خطوات الجمهورية العربية الطرابلسية في 16 نوفمبر 1918.
زاوية عبدالله الدوكالي: مَعلم تاريخي يجمع التعليم والمجتمع والتاريخ الوطني في مسلاتة الليبية
تقع زاوية عبدالله الدوكالي في قرية زعفران بمدينة مسلاتة الليبية، وتُعد من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المدينة.
ليبيا.. متحف الباروني في جبل نفوسة شاهد حي على التراث الليبي وذاكرة المكان (فيديو)
يواصل متحف المجاهد سليمان الباروني أداء دوره كأحد أبرز الشواهد الحية على الذاكرة الثقافية الليبية في قلب جبل نفوسة، جامعا بين عبق التاريخ وروح المكان.
التعليقات