العقوبات الاقتصادية – هل تكرر روسيا مصير انهيار الاتحاد السوفيتي؟

أخبار روسيا

العقوبات الاقتصادية – هل تكرر روسيا مصير انهيار الاتحاد السوفيتي؟
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/k4xq

ما أن خسر ترامب في صراعه مع "حكومة الظل" التابعة للمخابرات المركزية الأمريكية من أجل السيطرة على حكومته حتى انهمرت العقوبات على روسيا كالمطر وسط خريف عاصف.

هناك رأي شائع في الغرب، أن الغرب استطاع أن يفوز في التنافس الاقتصادي مع الشرق جراء سباق التسلح الذي خاضه الاتحاد السوفيتي وأنهكه اقتصاديا، وتسبب في انهياره. والآن توجد رؤية بأن الغرب بصدد محاولة جديدة لتكرار نفس السيناريو، ومستعد للذهاب في مجال العقوبات الاقتصادية ضد روسيا إلى أبعد مدى.

لقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من مرة أن روسيا لن تشارك في سباق التسلح، بعد أن نجحت في امتلاك أسلحة نووية أكثر من كافية لتدمير أي عدو، لذا تتجه روسيا منذ العام الحالي إلى خفض ميزانيتها العسكرية، ولا يوجد خطر على الاقتصاد الروسي من هذا الجانب.

من ناحية أخرى فإن تأجيل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقراره بتأكيد الحزمة الجديدة من العقوبات على روسيا يؤكد حقيقة  أن المشكلة الأساسية في تلك العقوبات هي أنها سلاح ذو حدين، فإلى جانب استنفاذها لجدواها النسبية، فإن ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من إجراءات عقابية يعود عليها بتأثير سلبي موجع. إضافة إلى ذلك، فإن العقوبات ضد روسيا تعضد من جسد الاقتصاد الروسي أكثر مما تضرّه على المدى البعيد، ما يدفع إلى الظن بأن ذلك السبب تحديدا هو ما دفع ترامب إلى تأجيل تنفيذ عقوبات جديدة، كان قد أعلن عنها سابقا عقابا للدعم الروسي لسوريا، فلابد من دراسة مستفيضة لجدوى تلك العقوبات.

ومن أجل فهم مدى عرضة روسيا للعقوبات الأمريكية، علينا العودة إلى الماضي قليلا. كان العالم قبل انهيار الاتحاد السوفيتي ينقسم إلى منطقتين اقتصاديتين تنتج كل منهما كل ما تحتاجه من أجل الحياة، وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، فقدت روسيا دورها المركزي في منطقتها الاقتصادية، وانفرط عقد شبكتها التكنولوجية، وأغلقت الكثير من مصانعها، بل إن روسيا فقدت آنذاك جزءا كبيرا من سوقها الداخلي، الذي غزته البضائع الغربية، وكان ذلك هو السبب المباشر في "القرن الذهبي" الذي عاشت فيه أوروبا طوال فترة التسعينات من القرن الماضي. وبعد عام 1991، تضاعف إنتاج المصانع الغربية عدد من المرات، ليتمكن من تحقيق متطلبات سوق الاتحاد السوفيتي السابق. كانت أوروبا آنذاك تسبح في بحر من النقود، وسعى الكثير من الشركاء السابقين في المنطقة الاقتصادية الشرقية إلى ذلك الحلم الاقتصادي "الغربي" في مقابل التنازل عن استقلالهم. كانت تلك هي الجنة، التي طرد منها الغرب ولن يستطيع العودة إليها مجددا.

على الجانب الآخر، ، فقد ازدهرت روسيا في السنوات الأخيرة القطاعات المطلوبة في الغرب، بينما كانت وظيفة روسيا في منظومة الاقتصاد الغربي هي وظيفة مستعمرة لاستيراد المواد الخام، وسوق لتصدير المنتجات الجاهزة القادمة من الغرب، شأنها في ذلك شأن معظم الدول العربية.

في تلك الظروف كان الحفاظ على القدرة الصناعية الروسية حتى الألفية الجديدة وما بعدها أمرا يقترب من المعجزات التي اشتهرت بها روسيا، ولم تكن دولة أخرى لتتمكن من الحفاظ على ذلك تحت تلك الظروف.

اليوم، وعلى الرغم من التغيرات الجذرية التي طرأت على روسيا في الـ 15 سنة الأخيرة، إلا أن الوضع في قطاعات شتى قد ظل على ما هو عليه فيما يتعلق بسيطرة البضائع الغربية على السوق الروسية الداخلية. وهنا بدأت العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وبدأ الغرب في إزاحة روسيا تدريجيا من المنظومة الاقتصادية الغربية، التي تشغل فيها روسيا مرتبة دنيا لا تحقق من خلالها سوى حدا أدنى من مصالحها، بينما يحقق الغرب الحد الأقصى من مصالحه.

لقد وصل الاقتصاد الروسي في التسعينات إلى القاع، والآن لم يعد لدى روسيا ما تخسره، أما الغرب فلديه الكثير مما يمكن ان يخسره من الإنجازات التي حققها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي،  والتي يحتاجها من روسيا.

علاوة على ذلك فقد نشأ في روسيا في السنوات الأخيرة اقتصاد سوق مرن، يتضمن فئات كثيرة من رجال الأعمال والشركات المتنامية، وهو ما أصبح يميز روسيا عن الاتحاد السوفيتي، لذلك يصبح أي حظر على الاستيراد للبضائع الغربية حافزا لنمو اقتصادي للقطاعات التي يقع فيها الحظر. فعقب العقوبات الروسية التي ردّت بها روسيا على نظيراتها الغربية عام 2014، يلاحظ نمو سريع في القطاع الزراعي، حتى أصبح تصدير المنتجات الغذائية يفوق تصدير السلاح. كذلك سوف يكون الحال في أي قطاع إنتاجي آخر، وسوف تعيد روسيا سيطرتها على سوقها الداخلي. حقا أن التمدد نحو الأسواق الغربية في تلك الظروف سوف يكون صعبا، لكن التمدد نحو الغرب لم يكن مطروحا بالأساس، عقب خسارة السوق الداخلي.

لا شك أن خسارة أسهم عملاق صناعة الألومنيوم الروسية "روسال" هو وضع شائك إلى حد كبير، لكنها تظل مشاكل ليست مرتبطة بالإدارة أو بالإنتاج، ولكنها مرتبطة بالائتمان الذي حظره الغرب. لقد أدى ذلك على الفور إلى ارتفاع أسعار الألومنيوم في العالم بنسبة الثلث، أي أن الغرب لم يسلم من الأذى الذي أراد أن يحيق بروسيا وحدها. سوف تُحل مشكلة الائتمان، وقد أعلنت الحكومة الروسية عن دعمها للشركات المتضررة، أما الغرب وبقية العالم فلن يستطيع بشكل جذري أن يتنازل عن النفط، أو عن الغاز الطبيعي، أوعن المعادن وسائر البضائع التي يوفرها القطاع الروسي من السوق. لن يتمكن الغرب من فعل ذلك دون أن يصيب نفسه بإصابات مميتة لاقتصاده.

بهذه الكيفية فإن المشكلات التي تصيب الشركات الضخمة التي طالتها يد العقوبات هي مشكلات مؤقتة، قد يكون حلّها على أسوأ الظروف من خلال اللجوء إلى أسواق أخرى. بطبيعة الحال سوف يتمكن الغرب من خلق صعوبات للاقتصاد الروسي، بما في ذلك تذبذب العملة المحلية ومؤشرات الأسواق، بل ومن الممكن أن تتراجع معدلات النمو في الاقتصاد أو حتى انخفاض طفيف للناتج المحلي الإجمالي على المدى القصير، لكن الاقتصاد الروسي سوف يستفيد جذريا من تغيير النموذج الاقتصادي، في قطاعات الصناعة والزراعة بالدرجة الأولى.

تستعد الحكومة الروسية – وفقا لتصريحاتها – إلى أكثر السيناريوهات قسوة، حيث تجدر الملاحظة أن السيناريوهات التي تعتبرها الحكومة تهديدا حقيقيا هي العقوبات المالية.

أولا، انقطاع خدمة التحويلات البنكية "سويفت" SWIFT.

لن يؤثر ذلك الانقطاع على وظائف النظام البنكي الروسي، حيث أن روسيا قد أنشأت بالفعل نظاما ذاتيا للتحويلات البنكية خاص بها. لكن الأهم، أن روسيا تتعامل من خلال نظام سويفت مع الغرب، وهو نظام يمثل حياة أو موت بالنسبة للغرب، ولن تتمكن أوروبا من الحياة بدون المواد الخام الروسية، وسوف تنهار السوق الروسية لتصريف البضائع الأوروبية بالكامل. أعتقد أن إجراء كهذا لن يحدث إلا إذا ما بدأت أعمال عسكرية بين الجانبين.

ثانيا، أن تقطع الولايات المتحدة الأمريكية كافة الائتمانات لروسيا والشركات الروسية كأقسى إجراء عقابي ضدها.

من الممكن أن يتم إجراء كهذا، لكن المواقف الروسية بهذا الشأن صلبة بشكل كبير، فلدى روسيا في التجارة الخارجية فائض مستمر، أي أن معدل المكاسب التي تحققها روسيا من التجارة مع الغرب أكثر من معدل الإنفاق الذي تنفقه على هذه التجارة، لكن جزءا كبيرا من هذه الأموال يعود إلى الغرب من خلال شراء روسيا لسندات الحكومة الأمريكية، وخروج مكاسب المؤسسات الغربية من روسيا، وخروج رساميل رجال الأعمال الروس. بإمكان روسيا أن تغلق هذا التيار المتدفق من الأموال، وساعتها سوف يفقد الغرب عشرات المليارات من الدولارات. حقا أن هناك صعوبات محددة سوف تواجه أوساط الأعمال، لكن ذلك الإجراء سوف يعوض الخسارة الناجمة عن العقوبات، وسيوجه في الوقت نفسه ضربة موجعة للغرب.

علاوة على ذلك فإن روسيا للشهر الثالث على التوالي تقلّل من استثماراتها في الديون الأمريكية، التي بلغت في فبراير الماضي إلى 93.8 مليار دولار، وتلك أحد أوراق الضغط التي لم تستخدمها روسيا حتى الآن بالشكل الكافي، بل إن تحويل روسيا للسندات الأمريكية التي تمتلكها إلى الذهب، فإن ذلك كفيل بتدمير الاقتصاد الغربي. فالدولار يحتفظ بقيمته فقط بينما تحافظ البنوك الغربية، من خلال تلاعباتها، على الذهب رخيصا، دون أن تسمح له كي يعود ويصبح الوسيلة الأساسية لخلق الاحتياطيات التي تغطي العملة الورقية، كما كان الحال قبل تغيير ارتباط الذهب بالدولار عام 1971.

إن الذهب هو "القنبلة الذرية" الاقتصادية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، فاستثمارات روسيا في الديون الأمريكية (93.8) تعادل وفقا لأسعار اليوم حوالى 2160 طنا من الذهب، كذلك فإن احتياطي روسيا من الذهب في يناير 2018 بلغ 1826 طن (السابعة على مستوى العالم بعد الصين 1842 طن، فرنسا 2435 طن، إيطاليا 2451، والولايات المتحدة "وفقا لمزاعمها! يقول الخبراء أن هذا الرقم مبالغ فيه للغاية" 8133 طن)، كما بلغ احتياطي روسيا من العملة الصعبة في بداية العام الحالي 345.5 مليار دولار، ما يعادل 7960 طن من الذهب، وهو ما يعادل تقريبا احتياطي الذهب للولايات المتحدة الأمريكية.

إن لدى روسيا إمكانية قلب موازين السوق العالمية للذهب، من خلال مضاعفة سعره وتحطيم الدولار بهذه الآلية، إن روسيا تستطيع أن تدمر الولايات المتحدة الأمريكية بدون قنبلة ذرية، فقط باستخدام آليات اقتصادية، كل ما يوقفها عن ذلك هو أن انهيار الدولار سوف يسبب ضررا شديدا لها إلى جانب سائر دول العالم، لكن في حالة عزلها عن الغرب، فإن آلية كهذه من الممكن أن تصبح مقبولة.

هناك أيضا نظرة بعيدة المدى، فالفوضى الحالية والصراعات القائمة في العالم هي نتاج لسقوط الغرب على المستوى العسكري، وقبله على المستوى الاقتصادي، أي أننا نعيش اليوم على تخوم تحولات حادة، فقد كان الغرب لقرون مضت يسيطر على الاقتصاد العالمي، والآن سوف يسيطر الشرق، بقيادة الصين، على الاقتصاد العالمي. ومثلما كان وقوع أي دولة داخل منظومة الاتحاد السوفيتي الاقتصادية يمثل خسارة اقتصادية لها أثناء انهياره، فإن الوقوع داخل المنظومة الاقتصادية الغربية الآن، أثناء سقوط تلك المنظومة، سيمثل صعوبات كبيرة للدول المحسوبة على تلك المنظومة. فالتخصص الدقيق الموجود في إطار المنظومة الغربية لن يكون مطلوبا في الشرق، وكل من يتمكن الآن من الدخول مبكرا إلى المنطقة الاقتصادية الشرقية سوف يحصل على الحظ الأكبر من المكاسب. المدهش أن الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها هي من يسرّع بتلك العملية من خلال إجراءاتها التي لا تنظر، كالعادة، لمدى أبعد من أربع سنوات.

بهذه الطريقة فإن أي تطور ممكن للأحداث، وحتى بافتراض سيناريو العقوبات الغربية القصوى على روسيا، فإن روسيا لن تكرر مصير الاتحاد السوفيتي. وحتى لو أصاب الضرر الاقتصاد الروسي على المدى القصير، فإن الاقتصاد على المدى الاستراتيجي ، سوف يحصل على دفعة للنمو الاقتصادي المستقل عن المنطقة الاقتصادية الغربية وفقا لأسوأ الافتراضات، ووفقا لأفضلها، وهو الأقرب احتمالا، سوف يصبح جزءا من الاقتصاد المستقبلي البديل لتلك المنطقة الاقتصادية.

بالإضافة إلى أنه إلى جانب تحقق الاستقلال الاقتصادي، سوف تنمو لدى روسيا القدرة والرغبة في سياسة أكثر حزما وصرامة مع الغرب، بما في ذلك فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط. فالغرب نفسه هو من يدفع روسيا مجددا نحو مصير الدولة العظمى.

المحلل السياسي الكساندر نازاروف

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا

دور غريب لطائرات فرنسية.. تفاصيل ساعات القذافي الأخيرة!