آفاق اجتماعات جنيف ومن يقف ضد التاريخ؟
عقب حرب الـ 12 يوما يونيو الماضي اتخذت الحكومة الإيرانية خطوة استراتيجية جريئة تجعلها اليوم في موقف تفاوضي يختلف عما كانت عليه المفاوضات من قبل.

ماذا اكتشفنا بعد 19 عاما من خطاب ميونيخ؟
وتشير التقارير إلى أن إيران في الفترة ما بين عامي 2025 ومطلع العام الحالي قد تحولت من نظام تحديد المواقع العالمي الأمريكي GPS إلى نظام الملاحة الصيني بالأقمار الصناعية BeiDou-BDS "بيدو"، وهو تحول يعد جزءا من تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين طهران وبكين، بغرض تأمين الأنظمة الحيوية الإيرانية ضد أي تشويش غربي.
وقد أعلنت إيران رسميا، يونيو 2025، عن تعليق خدمات GPS الأمريكية في عدة قطاعات (النقل والزراعة وبعض الاستخدامات العسكرية)، والتحول رسميا إلى "بيدو" الصيني، والذي يوفر دقة في أنظمة التوجيه للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، ويأتي على خلفية اتفاقية التعاون الشامل لمدة 25 عاما بين إيران والصين الموقعة عام 2021.
ونظام "بيدو" الصيني قد دخل مرحلة التشغيل الكامل عام 2020، وينافس بشكل مباشر نظام GPS الأمريكي ويتميز بقدرته على توفير تغطية دقيقة لا سيما في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
يمثل التحول الإيراني رسالة واضحة ليس فقط للمفاوض الأمريكي ومن ورائه المحرض الإسرائيلي، وإنما أيضا إلى الدول التي تكافح من أجل الموازنة بين سهولة التكنولوجيا وضرورات الدفاع الاستراتيجية والسيادة والاستقلالية، حيث يبدو أن عصر الاعتماد الأعمى على بنية تحتية تتحكم بها الولايات المتحدة، شأنه شأن الاعتماد على الدولار الأمريكي في التسويات المالية، يقترب من نهايته.
وتوفر الصين لإيران أدوات حيوية لتحقيق الاستقلال الرقمي والاستراتيجي والدفاعي الفعلي، وهو ما يمنح إيران القوة والحق لرفض التفاوض مع الجانب الأمريكي في جنيف بشأن أي ملف سوى الملف النووي الإيراني، فيما يطرح الإيرانيون إمكانية التوقف عن تخصيب اليورانيوم مقابل رفع جميع العقوبات عن إيران.
على الجانب الآخر صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل صعوده الطائرة في طريق عودته إلى إسرائيل عقب اجتماعه مع ترامب في المكتب البيضاوي يوم الأربعاء الماضي بأنه "إذا تم التوصل إلى اتفاق، ينبغي أن يتضمن عدة عناصر نعتبرها مهمة ليس فقط لأمن إسرائيل، بل لأمن الولايات المتحدة والمنطقة والعالم أجمع". ومضى نتنياهو يعدد 4 عناصر، يراها من وجهة نظره، ضرورية لإلحاقها بجدول أعمال المفاوضات في جنيف:
1- نقل جميع المواد المخصبة من إيران.
2- ليس فقط وقف عمليات التخصيب بل نزع أي قدرة لدى إيران لتخصيب اليورانيوم.
3- معالجة مسألة الصواريخ الباليستية (أي نزع قدرة إيران على الدفاع عن نفسها!).
4- وقف وتفكيك "محور الإرهاب" الذي بنته إيران ممثلا في دعم إيران لـ "حزب الله" و"حماس".
وهكذا أعرب نتنياهو عن "شكوكه العامة" بشأن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وأعلن صراحة أنه سيقف ضد أي اتفاق لا يتضمن "عناصره الأربعة"، وهو ما يعني بطبيعة الحال أنه سيستخدم "أذرعه النافذة" في واشنطن.
لا شك أن الرئيس ترامب يتلقى بشكل دوري تقارير استخباراتية ودفاعية تحذره من مغبة إشعال شرارة الحرب بالقرب من برميل البارود في الشرق الأوسط، مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، ذلك أن أي حرب في المنطقة، لا سيما مع عدو قوي ولدود مثل إيران، لن تكون خاطفة أو حاسمة كما يتوهم البعض. بل ستكون حربا طويلة مؤلمة لجميع الأطراف، وسيكون الخاسر الأول فيها ترامب في الانتخابات النصفية وهو ما يهم الرئيس في المقام الأول.
لذلك لا أحسد الرئيس ترامب على الموقف الذي يقفه اليوم بين سندان وعوده ووعيده وحركة أساطيله وقواته نحو المتوسط والخليج في تهديد مباشر لإيران بالحرب، بين سندان مفاوضات جنيف، وموافقة إيران فقط على مناقشة الملف النووي وحده، وبين مطرقة نتنياهو وحزب الحرب، الذي يدفع بالولايات المتحدة نحو حرب ضروس، لا يمكن النصر فيها بدون إنزال بري، والإنزال البري للقوات الأمريكية على الأرض، مضافا إلى ضربات دقيقة للقواعد الأمريكية وللمدن الإسرائيلية، باستخدام أنظمة تحديد المواقع الصينية، وربما أسلحة صينية وروسية إلى جانب الإيرانية، وباستخدام غواصات إيرانية ستعجز الاستخبارات الحربية والأقمار الصناعية عن تحديد مواقعها لانسلاخها عن أنظمة تحديد المواقع الغربية، كل ذلك سيؤدي حتما إلى فضيحة أكثر دويا من فضيحة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان أغسطس 2021.
يدرك ترامب ومفاوضوه حساسية وتعقيد المسألة، ويدركون أن الإرادة الإسرائيلية ربما تملي على البيت الأبيض، وعلى الجيش الأمريكي ما قد يقدمون عليه من حماقات قد تشعل المنطقة والعالم أجمع.

روسيا تنتظر الأفعال لا الأقوال
بالتوازي، وأيضا في جنيف، تجري اليوم المفاوضات الثلاثية (روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) بشأن التسوية الأوكرانية، حيث تقف الولايات المتحدة أيضا بين سندان المطالب الروسية بالخروج من منطقة دونباس، والاعتراف بالمناطق الأربع (دونباس والقرم وزابوروجيه وخيرسون)، وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه مع الجانب الأمريكي في أنكوريج بألاسكا أغسطس الماضي خلال لقاء الرئيسين بوتين وترامب، وبين مطرقة الرئيس المنتهية شرعيته زيلينسكي ومن ورائه مموليه ورعاته الأوروبيين الذين يتآمرون علانية على مواجهة روسيا بأيدي أوكرانيا وحتى آخر جندي أوكراني، ويعدون العدة لمواجهة شاملة مع روسيا.
لقد صدر لي كتاب، قبل 3 سنوات، بعنوان "من ضدنا"، ولم يكن جوهر العنوان هو البحث عمن يقف "ضد روسيا" بالتحديد، وإنما من يقف "ضد العالم"، وضد مسيرة التاريخ الموضوعية في الانتقال إلى عالم جديد متعدد القطبية يحترم فيه ميثاق الأمم المتحدة، وتحترم الهيئة بقوانينها وقراراتها ومؤسساتها المختلفة، ومن يقف وراء محاولات إضعاف روسيا، وإنهاء مكانتها كدولة عظمى ذات تاريخ عريق وموطن لثقافات أثرت الثقافة البشرية العامة في جميع المجالات.
بحثت في كتابي "من ضدنا" أيضا عمن يقف ضدنا نحن العرب، وضد تمتع شعبنا العربي الفلسطيني بدولته الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشريف. لم تكن حينها أحداث فنزويلا قد استفحلت للحد الذي يختطف فيه الرئيس الشرعي للدولة وزوجته، لكن السؤال المطروح الآن هو ذاته "من ضدنا"، من يقف ضد الشعب الكوبي، يفرض عليه حصارا وعقابا جماعيا لمجرد أنها دولة لا تمتثل للإرادة الأمريكية. من يقف ضد إيران لمجرد أنها تدافع عن توازنات المنطقة، وعن قضية الشعب الفلسطيني، وتدعم حركات المقاومة التي شرعها القانون الدولي وجعلها حقا من حقوق الشعوب المحتلة.
كان ما توصلت إليه في كتابي منذ ثلاث سنوات هو أنه "الناتو" بزعامة الولايات المتحدة، وأوروبا ممثلة في الاتحاد الأوروبي، الذي يتزعمه اليوم أقزام سياسية تسعى لدور على الساحة الدولية، دون أن تمتلك المقومات لذلك، وتستخدم الحرب، والتضحية بأبناء الشعب الأوكراني الشقيق، من أجل تنفيذ مخطط معلن هو "إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا"، و"عزل روسيا"، وقد فشل هذا المخطط من جميع الجوانب.
النظام العالمي الجديد بالولايات المتحدة أو بدونها
اليوم، وما نراه في جنيف، وما نراه من مبادرات على استحياء للعودة إلى طاولة المفاوضات مع روسيا من جانب بعض الدول الأوروبية، وما نتابعه في أرض المعركة من هزيمة للسلاح الغربي الذي دججت به أوروبا أوكرانيا على مدار أربع سنوات، كل هذا يؤكد هزيمة المتورطين من بلدان الاتحاد الأوروبي في تلك المحاولات الهجينة البائسة.
اليوم، يعيش كل هؤلاء "الزعماء" لحظة الفشل الذريع، لذلك نستمع إلى هستيريا معاداة روسيا، ونرى جنون البعض، وتصريحاتهم غير المتزنة، التي تصدر في اجتماعات رسمية مدونة وموثقة بالصوت والصورة. بل ويحاول البعض تبرئة أنفسهم من الجريمة التي ارتكبوها ضد الشعب الأوكراني، والشعوب السلافية بشكل عام، بعد أن زرعوا الشقاق بين الإخوة الذين تربطهم الثقافة والجغرافيا والتاريخ والمصير.
اليوم، تبدأ الحكومات في كشف حساب اللجوء والمعونات لملايين المواطنين الأوكرانيين الذين اضطروا إلى النزوح والهجرة إلى أوروبا. اليوم تبدأ أوروبا في الاستفاقة، بعدما تنازلت طوعا عن الغاز والنفط الروسيين، وبعدما تدهورت الصناعة ولم تعد تنافسية كما كانت في ظل موارد الطاقة الروسية الرخيصة.
اليوم، وكرد فعل، تبدأ أوروبا في مهاجمة السفن التجارية الروسية، بذريعة ما يسمونه "أسطول الظل" في انتهاك صارخ للقانون الدولي، تبدأ أوروبا في عمليات قرصنة تستهدف التجارة الخارجية الروسية، بعدما فشلوا في "عزل روسيا"، وفشلوا في "إلحاق هزيمة استراتيجية" بها.
ترى هل يقدر لمحادثات جنيف، سواء فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، أو بالأزمة الإيرانية، أن تنزع فتيل الحرب المزمعة والعملية العسكرية المستمرة منذ أربع سنوات؟ أو على أقل تقدير تتمكن من إحداث أي اختراق يمكن البناء عليه في المستقبل؟
لا أشك في نوايا المفاوضين أو في إرادة القيادة السياسية في روسيا والولايات المتحدة وإيران، لكنني أرى خارج قاعات المفاوضات ذئاب في إسرائيل وأوروبا لا يروقها أن تنجح المفاوضات، ولا يعجبها أن تتوقف الحروب، فصميم مصالحهم في الحرب، وارتفاع أسهم بورصاتهم مرتبط بمزيد من القتل وسفك الدماء. فهل تتمكن القوى العظمى ممثلة في روسيا والصين والولايات المتحدة في نزع فتيل الأزمات، والعبور بالعالم من عنق الأزمات الراهنة؟
الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
إقرأ المزيد
جنيف.. وصول ممثلين عن الولايات المتحدة وأوكرانيا استعدادا لبدء محادثات تسوية الأزمة الأوكرانية
أظهرت مشاهد لحظة وصول ممثلين عن الولايات المتحدة وأوكرانيا إلى مدينة جنيف السويسرية، استعدادا لبدء محادثات تسوية الأزمة الأوكرانية مع الوفد الروسي.
"سي إن إن": واشنطن قد تطالب طهران بأولوية الوصول إلى الثروات الباطنية الإيرانية خلال مفاوضات جنيف
أفادت شبكة "سي إن إن"، بأن الولايات المتحدة قد تناقش خلال مفاوضاتها المرتقبة مع إيران، إمكانية حصولها على "الأولوية في الوصول" إلى الثروات الباطنية في الجمهورية الإسلامية.
ترامب قبيل مفاوضات جنيف: إيران تريد إبرام صفقة ولا تريد مواجهة "العواقب"
أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اعتقاده بأن السلطات الإيرانية تدرك العواقب المحتملة لرفض التوصل إلى اتفاق، مؤكدا رغبتها في إبرام صفقة مع الولايات المتحدة.
جولة ثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيف
تنطلق اليوم الثلاثاء الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة قرابة الساعة التاسعة صباحا بتوقيت جنيف، في مقر سفارة سلطنة عُمان في سويسرا.
مسؤول أمريكي: واشنطن متفائلة بمفاوضات جنيف حول التسوية في أوكرانيا
نقلت مراسلة قناة CNN هايلي بريتسكي عن مسؤول أمريكي قوله إن الجولة الثالثة من مفاوضات تسوية أزمة أوكرانيا التي تنطلق اليوم في جنيف تبعث التفاؤل لدى واشنطن.
اجتماعات في جنيف تمهيدا لمفاوضات طهران وواشنطن النووية في السفارة العُمانية
أجرى وزير خارجية إيران عباس عراقجي مباحثات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في إطار المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بسفارة عمان في جنيف اليوم.
التعليقات