بايدن ينفض غبار الملفات العربية

أخبار الصحافة

بايدن ينفض غبار الملفات العربية
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ps8k

بدأت ملامح النهج السياسي الذي سوف تتخذه الإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس، جو بايدن، ترتسم على جميع الأصعدة.

يبدو ذلك جليّاً فيما يتعلق بعودة الولايات المتحدة الأمريكية لتحمّل المسؤولية التي ترقى إليها الدول العظمى، بما لها من دور رئيسي ومحدد في رسم مستقبل البشرية والبيئة والفضاء.

فعلى مستوى الشرق الأوسط، أصدر الرئيس بايدن تعليماته بتشكيل فريق من المختصّين ذوي الخبرة، لإحياء دور الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في حل القضايا الإقليمية بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة وروسيا والأطراف المؤثرة الاخرى.

وعلى الرغم مما يبدو من أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تضع الشرق الأوسط في صدارة أولوياتها، إلا أن اتصالاً هاتفياً جرى بين المبعوث الروسي الخاص بالتسوية في الشرق الأوسط، فلاديمير سافرونكوف، ونائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي، هادي عمرو، يوم أمس الاثنين، بشأن آفاق التعاون الثنائي واهتمام الطرفين بتفعيل عملية السلام في الشرق الأوسط. حيث جاء في بيان الخارجية الروسية في أعقاب الاتصال أن الجانبين "بحثا آفاق التعاون بين موسكو وواشنطن فيما يخص التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، بما في ذلك في إطار الرباعية الدولية الخاصة بالتسوية في الشرق الأوسط". وأضاف البيان أن الجانب الروسي رحّب باستعداد الولايات المتحدة لاستئناف مشاركتها في عمل الرباعية بشكل كامل.

وقد شارك سافرونكوف وهادي يوم أمس في اتصال للجنة الرباعية بمشاركة مبعوثة الاتحاد الأوروبي لعملية السلام في الشرق الأوسط، سوزانا تيرستال، وممثل هيئة الأمم المتحدة، تور فنيسلاند، كذلك تم الاتفاق على أن تعقد تلك الاجتماعات على هذا المستوى بصفة دورية كل شهر، وهذا دليل على اهتمام الإدارة الأمريكية الجديدة باتخاذ خطوات جدّية نحو استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية المباشرة برعاية الرباعية الدولية، والتزام تلك الإدارة بحل الدولتين، وتسوية القضايا الأساسية الخاصة بالوضع النهائي على أساس مرجعيات الشرعية الدولية.

من جانبه أبدى نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي، عمرو هادي، اهتماماً بالوضع الإنساني الذي يعانيه الشعب الفلسطيني وكيفية المساعدة في ظروف انتشار جائحة كورونا، كما ركّز المشاركون في الاتصال على أهمية استعادة الوحدة الفلسطينية لتفعيل مهمة الرباعية الدولية من جديد.

وكانت الفصائل الفلسطينية قد اجتمعت في القاهرة الثلاثاء الماضي، وتوافقت جميعاً على المضي قدماً في إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، كما حددها المرسوم الرئاسي الصادر منتصف يناير الماضي، كما تعهدت الفصائل باحترام نتائج الانتخابات وقبولها، فيما اعتبر بارقة أمل لاستعادة اللحمة الفلسطينية.

من الضروري للغاية أن تعرف كل القوى والتنظيمات والشخصيات الفلسطينية بمجريات هذا التطور في سياسة واشنطن، وبداية تفعيل عمل اللجنة الرباعية مطلع هذا الأسبوع، وهو ما يلقي بالمسؤولية الرئيسية اليوم على عاتق فتح وحماس لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في القاهرة، حيث يسود انطباع لدى المختصين في اللجنة الرباعية بأن الانقسام الفلسطيني لم ينته بعد، وأن لقاء القاهرة الأسبوع الماضي تمخّض فقط عن إجراء الانتخابات، بينما لا تزال الخلافات داخل تنظيم فتح قائمة، ويمكن أن تعرقل ما تم التوصل إليه.

أن أي مماطلة أو تعطيل لإنهاء الانقسام الفلسطيني ، لن يكون سوى مشاركة مباشرة من قبل تلك القيادات في تعطيل عمل الرباعية الدولية، وهو ما يعني إطالة أمد معاناة الشعب الفلسطيني وحرمانه من التمتع بدولته المستقلة والعيش بحرية وكرامة.

على صعيد آخر، أصدر الرئيس بايدن تعليماته بوضع تصور للدور الذي يجب أن تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية إزاء الأزمة السورية، إلا أن ذلك سيحتاج إلى شهرين على أقل تقدير، لكن بعض الاتصالات بهذا الشأن قد بدأت مع موسكو، وهو مؤشر إيجابي، وإذا كانت إدارة الرئيس بايدن لم تبد اهتماماً بالمشاركة في الاجتماع الخامس عشر لمجموعة أستانا المنعقد اليوم الثلاثاء في مدينة سوتشي الروسية، فأنها سوف تشارك في الاجتماعات المستقبلية الخاصة بالملف السوري.

المطلوب ، أكثر من أي وقت مضى، أن تبادر القيادة في دمشق، وأطراف المعارضة السورية، باتخاذ خطوات نوعية ليتجاوب معها المجتمع الدولي على الفور بتقديم المساعدات الإنسانية للشعب السوري، ذلك أن المؤشرات ترسم صورة قاتمة لما يهدد سوريا خلال شهرين أو ثلاثة من تفاقم وتدهور في الأوضاع المعيشية في البلاد.

يتعيّن على المسؤولين السوريين أن يتخلوا عن أوهام إنقاذ سوريا من المأساة الإنسانية التي تعيشها، والشتات الذي يعيشه الشعب السوري، والانقسام الحاصل، دون تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، بإشراف هيئة الأمم المتحدة، وبدعم من مجموعة أستانا، وتنفيذ خارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها أثناء مؤتمر الحوار الوطني السوري السوري في سوتشي عام 2018.

بالإضافة لذلك، اهتمام القيادة في دمشق بعودة العلاقات الطبيعية مع البلدان العربية وجامعة الدول العربية، وقد ظهرت بهذا الصدد مؤشرات إيجابية للغاية من قبل المملكة العربية السعودية، التي أبدت استعداداً للتجاوب والمساهمة في مساعدة سوريا وسائر قضايا الشرق الأوسط، وهو ما تبدّى جلياً في المكالمة الهاتفية بين الرئيس بوتين وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، امس الاثنين.

وبخصوص الأزمة اللبنانية، فمن الواضح أن غالبية القوى السياسية تؤيد رئيس الوزراء اللبناني المكلّف، سعد الحريري، في تشكيله لحكومة من المختصّين، في ظل رفض رئيس الجمهورية، ميشال عون، لتشكيلة الحكومة.

وبينما كان عون هو من كلّف الحريري بتشكيل حكومة اختصاص غير حزبية، أصبح يعرقل كل الجهود لتشكيل هذه الحكومة، رغبة منه وفريقه في التحكّم بالثلث الثالث المعطّل للحكومة، في الوقت الذي أعلن فيه الحريري أثناء إحياء ذكرى مرور 16 عاماً على اغتيال والده، رفيق الحريري، ، أن هناك استعداداً وحماساً لمساعدة لبنان، لوقف الانهيار وإعادة إعمار بيروت، من الدول العربية والمجتمع الدولي، بيد أن ذلك ينتظر من لبنان "كبسة زرّ" على حد تعبيره، حيث قال إن "الزرّ حكومة اختصاصيين غير حزبيّين"، مؤكّداً أنه قدم لعون تشكيلة حكومة 14 مرة، دون أن تلقى محاولاته أي نجاح. وقال الحريري إنه لا يمكن إنقاذ البلاد من أزمتها الحالية دون دعم الدول العربية والمجتمع الدولي.

على الرئيس ميشال عون التجاوب بشكل أكثر جديّة وعدم المماطلة واستبدال الأولويات والتذرّع بالتحضير للانتخابات الرئاسية، التي من المزمع أن تجرى خلال سنة من الآن، بدلاً من الموافقة على تشكيل حكومة إنقاذ، تمهيداً لخروج لبنان من أزمته الاقتصادية الطاحنة، والتي تقع مسؤوليتها على عاتق الرئيس وفريقه، الذي سوف يكون الخاسر الرئيسي، في ظل تدهور مريع للوضع الاقتصادي والإنساني في لبنان لا كل يوم بل كل ساعة، فالصراع من أجل التمسّك بالرئاسة قنبلة موقوتة سيدفع ثمنها الشعب اللبناني بأكمله، ولا أحد في المنطقة بأسرها يمكن أن يتحمل تبعات دخول لبنان في صراعات داخلية عميقة، خاصة وأن الفرصة لا تزال سانحة، ولم تنزلق الأمور بعد إلى نقطة اللاعودة.
ووفقاً لبعض المصادر فإن حزب الله يؤيّد تشكيل الحريري للحكومة، كما ترى إيران في ذلك مخرجاً لبداية مساعدة المجتمع الدولي للبنان.

يبشر الوضع الليبي بالتفاؤل، حيث يتضح من نتائج الحوار السياسي الليبي الذي دعت إليه هيئة الأمم المتحدة بمشاركة 75 شخصية ليبية، أن هؤلاء قد تحلّوا بالمسؤولية الوطنية الرفيعة، ووضعوا مصلحة شعبهم وبلادهم فوق أي اعتبار آخر، ونحن بانتظار الحكومة التي سوف تتشكل خلال أيام، حيث ستشارك جميع القوى الوطنية الليبية في بناء ليبيا الجديدة، على أن يظل الأمل في أن تقبل بعض الشخصيات التي لم تتمكن من الحصول على الأصوات المطلوبة بالوضع الراهن، وتحاول من خلال إمكانياتها الشعبية المتاحة، المساعدة في خدمة المصلحة العامة وبناء الوطن.

كذلك فقد وضعت إدارة بايدن اليمن على مرتبة الأولويات من حيث الوضع الكارثي هناك، والمأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب اليمني. وقد اتخذت الإدارة الأمريكية الجديدة إجراءات فورية لوقف القتال، ولا شك أن التقارب الذي حدث مؤخراً بين دول الخليج، سيترك أثراً ملموساً من خلال المساعدات التي سيتم ضخّها في اليمن، كما أنه من الواضح أن العودة لتفعيل الاتفاق بخصوص الملف النووي الإيراني هو ما سيخلق أجواءً جديدة مواتية للتعاون بين جميع بلدان المنطقة، وهو ما كانت ولا زالت روسيا تسعى إليه دائماً، وهو ما تتفهمه الإدارة الجديدة في واشنطن. إن هذا سيساعد بشكل مباشر على إنهاء الأزمة اليمنية، وإنقاذ الشعب اليمني.

إنها مرحلة تاريخية مفصلية ، يبدأ خلالها صراع مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وعلى القيادات المختلفة في المنطقة العربية أن تحسم أمرها، وتحدد خياراتها، وأولوياتها، وتتخذ قراراتها وإجراءاتها، سعياً لإنهاء معاناة شعوبها، وهو ما سيخضع اليوم لرقابة المجتمع الدولي، وغداً لمحكمة التاريخ.
رامي الشاعر

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا