كوابيس جيمس جيفري الروسية؟

أخبار الصحافة

كوابيس جيمس جيفري الروسية؟
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/nx4m

بقلم الكاتب والمحلل السياسي رامي الشاعر. أثار مقالي الأخير بعنوان " موسكو لا توجه نصائح للصحافة الروسية!" كثيرا من النقاش والاختلاف في وجهات النظر حول تفسيره.

وقبل أن أوضح الهدف من كتابتي للمقال، أستعرض أهم ما ورد فيه باختصار.
لقد علّقت في المقال على تصريح المبعوث الأمريكي الخاص للشأن السوري، جيمس جيفري، خلال ندوة في معهد هدسون للدراسات الاستراتيجية بأن "موسكو غير راضية عن الأسد، لكن المشكلة أنها لا ترى بديلا". وكتبت أنني لا أعرف إلى ماذا استند المبعوث الأمريكي في تكوين وجهة نظره، واستوقفني عجزه، على الرغم من خبرته الواسعة، عن إدراك أن روسيا دولة ملتزمة بحدود سياستها الخارجية، ولا تتدخل في شؤون الدول، ولا تلجأ للألاعيب الإعلامية والحرب الهجينة وتحريض الشعوب على حكامها وأنظمتها. ثم خلصت في نهاية المقال إلى أن هناك تنسيقا وتصميما روسيا ايرانيا تركيا تنقصه الإرادة الأمريكية لبدء عملية الانتقال السياسي في سوريا، ومنح الفرصة للشعب السوري لتقرير مصيره، مؤكدا على أن ما تسعى إليه روسيا هو تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254 بحذافيره لحل الأزمة السورية.
لقد جاءت التعليقات على المقال مختلفة ومتضاربة، لذلك وودت أن أضع القارئ في سياق هذه الأفكار ووجهات النظر والمواقف الواردة في مضمونه.
• هناك من كتب أنه يستغرب انتقادي لجيفري في الوقت الذي يعلن فيه أن واشنطن تضع مصير الحل السوري في أيدي روسيا، ويرى أن اتفاقا روسيا أمريكيا بشأن سوريا لا شك أمر جيد.
هنا أود توضيح أن روسيا، في حدود معرفتي، لا تهدف إلى منافسة أحد بخصوص دورها في حل الأزمة السورية، لكنها تعوّل بشكل أساسي على الجهد الأممي متمثلا في الأمم المتحدة، والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وكل ما قامت به من دور في القضاء على الإرهاب الدولي في سوريا، وتوصلها بالتعاون مع مجموعة أستانا إلى اتفاقية مناطق خفض التصعيد، ووقف إطلاق النار، إنما يهدف إلى توفير الأرضية المناسبة وخلق الظروف الملائمة لنجاح الأمم المتحدة في لعب دور الوسيط، وضمان تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، والإشراف على مسار حل الأزمة السورية.
•  وأشار البعض الى ان التركيز المستمر على القرار رقم 2254 ليس سوى دس للسم في العسل، وإن القرار لا يمكن تطبيقه إلا بعد تحرير التراب السوري كاملا، سواء في الشمال السوري أو حتى مرتفعات الجولان.
إن من يفكر على هذا النحو لا يعرف مضمون وتفاصيل قرار مجلس الأمن رقم 2254، بل إنه لا يقدر الظروف والوقت الذي صدر فيه هذا القرار، ولا الهدف من صدوره، ولا أهمية تنفيذه اليوم قبل الغد، لإنهاء معاناة الشعب السوري بالدرجة الأولى. وبهذا الصدد أذكّر بأن مأساة هذا الشعب، ستزيد من تفاقمها أزمة جائحة كورونا، التي ستدفع دول الخليج إلى تقليص العمالة الأجنبية لديها نتيجة للأزمة الاقتصادية الخانقة، وسيضطر مئات الآلاف من السوريين للعودة إلى ديارهم، بينما كانوا المورد الوحيد للرزق ودعم الحياة اليومية للملايين من ذويهم داخل سوريا. لهذا أكرر أنه لا يوجد حل آخر سوى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، وتوظيف كل الإمكانيات الدولية من خلال المنظمات الدولية المختلفة، وخاصة التابعة للأمم المتحدة، للمساعدة في تجاوز سوريا، حكومة وشعبا، للأزمة التي تعيشها اليوم. ومن لا يعي ذلك ويعجز عن إدراكه، أو يحاول عرقلته فهو من يدس السم في العسل للسوريين، ليموت المزيد منهم في ظل الجوع والفقر والمرض وغياب أبسط ما تتطلبه مقومات الحياة الإنسانية الكريمة.
• كذلك كان هناك من كتب أن إيران وراء كل شيء، ولن تسمح بأي تغيير في سوريا، وأن محاولات موسكو بائسة، ولن تكلل بالنجاح، لأن تركيا لن تنسحب من شمال سوريا، لذلك فمن الأفضل الالتفاف حول الأسد ودعمه، واستخدام أهداف إيران وإمكانياتها لتحرير الأراضي السورية من إسرائيل و"التوسع العثماني".
إلى هذا الحد وصل التناقض! أوضح هنا أن ذلك التصور أبعد ما يكون عن الصحة، فإيران وتركيا تؤكدان لا بالأقوال والبيانات المشتركة لمجموعة أستانا فحسب، وإنما بالأفعال والواقع على الأرض، على حرصهما على وحدة أراضي سوريا، وصيانة سيادتها. وعلى الرغم من وقوع الكثير من المحاولات الاستفزازية في الجنوب السوري، خاصة في درعا وضواحيها، وكذلك في الشمال السوري، والتي تهدف إلى افتعال صدامات مسلحة لإفشال وقف إطلاق النار، إلا أن مصير هذه المحاولات والمخططات جميعا كان الفشل الذريع بسبب التنسيق في المواقف وعلى الأرض بين مجموعة أستانا (روسيا وإيران وتركيا)، وهذا دليل واضح على صدق النوايا الإيرانية والتركية وتصميمهم إلى جانب روسيا وكل الحكماء في سوريا على مساعدتها في الخروج من أزمتها وعودة الأمن والاستقرار إلى أراضيها، وعودة العلاقات الطبيعية بينها وبين الدول من أجل الازدهار والمنفعة المشتركة.
• من بين ما وصلني أيضا كان رسالة تناشد روسيا بتشكيل هيكل حكم انتقالي كمرحلة وسيطة حتى إنشاء بيئة آمنة ومحايدة تسمح بتعديل الدستور أو الاتفاق على دستور جديد.
بهذا الصدد أود التشديد على أن الركيزة الأساسية التي يستند إليها قرار مجلس الأمن رقم 2254، هي أن الحوار يجب أن يقتصر على الأطراف السورية (حوار سوري سوري)، دون أي تدخل من أي أطراف خارجية، حيث يعتبر القرار الشعب السوري وحده هو صاحب الكلمة العليا لتحديد آلية الانتقال السياسي السلمي من هيئة حكم انتقالي أو مجلس عسكري أو بتشكيل لجنة من بين أعضاء اللجنة الدستورية المنتخبة أو ما شابه. أما روسيا، فليس منوط بها، وفقا لقناعاتي، القيام بأي خطوات فردية أو التدخل في أي قرارات سورية سوى ما يندرج ضمن الجهود الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة، وفي إطار القرار رقم 2254.
• كان هناك أيضا من علق بأني أدافع عن روسيا وأتجاهل حقيقة أنها حوّلت سوريا إلى حقل تجارب لأسلحتها وتدريب ضباطها وجنودها، ما أسفر عن مقتل آلاف المدنيين السوريين.
لا أريد هنا أن أكرر الحديث عن دور التدخل العسكري الروسي في الوقت المناسب لإنقاذ سوريا وشعبها من الإرهابيين، فقد شرحت ذلك من قبل في الكثير من مقالاتي، لكني أريد التعليق على تحويل سوريا إلى "حقل تجارب للأسلحة الروسية". وأقول بصراحة إنه من الممكن أن تكون روسيا قد قامت باختبار بعض التقنيات العسكرية الروسية الحديثة أثناء أدائها المهمة العسكرية في سوريا، لكن الهدف من ذلك، إذا ما كان قد حدث بالفعل، فإنه لتفادي سقوط المدنيين قدر الإمكان، ممن كان الإرهابيون يستخدمونهم كدروع بشرية، ولتفادي إحداث دمار واسع في المباني والمنشآت التي كان الإرهابيون يتحصّنون بها. أما بخصوص تدريب ضباط وجنود الجيش الروسي، فذلك هو الآخر أمر وارد الحدوث، وبدلا من تخصيص ميزانية جديدة للعملية العسكرية في سوريا، كانت بعض القوات الروسية ترسل من ضمن البرامج المخصصة للتدريب على مهمات قتالية محددة على أرض الواقع، والنتيجة هي ما نراه اليوم من تحرير لمعظم المدن السورية، لا عن طريق القصف العشوائي، كما يدعي البعض افتراء، وإنما من خلال عمليات قتالية محددة، كانت التعليمات فيها واضحة وصريحة وصارمة بتفادي وقوع أي ضحايا من المدنيين.
لكن ما يدهشني حقا في التعرض للدور العسكري الروسي في سوريا هو تصريح جيمس جيفري الأخير حول التواجد العسكري الأمريكي في سوريا، الذي يراه مهما على الرغم من صغره، "ما لا يقل عن 500 جندي أمريكي، يرابطون إلى جانب القوات المحلية الحليفة، لدعم العمليات ضد ما تبقى من مقاتلي الدولة الإسلامية" على حد تعبيره. بل ويحث جيفري الكونغرس والشعب والرئيس الأمريكي على الإبقاء على هذا التواجد على الأراضي السورية مبررا ذلك بأن سوريا "ليست أفغانستان أو فيتنام. فليس هذا مستنقعا، لكن مهمتي أن أجعله مستنقعا للروس".
وتماما كما في أفلام رعاة البقر الأمريكية، يعلن (راعي البقر) الأمريكي بكل وضوح وفجاجة عن الإطار "الإنساني والأخلاقي" الذي يحدد مهمته ودوره الوظيفي في منظومة الإدارة الأمريكية، فيقولها صراحة إن مهمته هي "إغراق الروس"، ومعهم السوريين وربما غيرهم أيضا، فيما أسماه "المستنقع".
فعن أي دور أمريكي بنّاء في إعادة الإعمار وإنهاء معاناة الشعب السوري وشعوب المنطقة يمكننا أن نتحدث إذن، إذا كانت السياسة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية هي سياسة الأرض المحروقة، وتحويل البلدان إلى "مستنقعات" لإغراق خصومها، وخدمة أهدافها الإقليمية والاستراتيجية؟!
لهذا السبب أتوجه لجميع السوريين في جميع أماكن تواجدهم بمراجعة مواقفهم والتفكير مليا بمنطق لا ينفصل عن الواقع في الأوضاع الراهنة وما يجري داخل سوريا وحولها، وفيما يمكن أن يقوم به المواطن السوري بمن فيهم من هو في موقع القيادة، لتغيير الوضع بدلا من مشاهدة مآلات هذه الحملات الإعلامية في الداخل والخارج، والاجتهاد في التحليلات السياسية حول مواقف موسكو أو واشنطن أو طهران أو أنقرة. لقد أصبح الآن كل شيء واضحا للجميع، لن يكون حل الأزمة السورية سوى على النحو الذي يقرره ويريده السوريون أنفسهم، ولن يتم تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254 سوى بإرادتهم الحرة وجهودهم، وهم الأولى بواجب إنقاذ بلادهم وشعبهم.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا