أردوغان ما بعد الانقلاب

أخبار العالم

أردوغان ما بعد الانقلابمقالات رأي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hyix

تتجه كل المؤشرات في اتجاه الاختلاف الواضح بين شخصيتين متناقضتين تماما للرئيس التركي رجب طيب أردوغان: قبل الانقلاب، وبعده.

على الرغم من فشل الانقلاب ضد الرئيس أردوغان، إلا أن النتائج والتجليات التي أسفرت عنها تلك الخطوة انعكست في جوانب كثيرة منها ليس فقط على شخص الرئيس، وإنما أيضا على سياساته، وعلى ردود أفعال الأصدقاء القدامى مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف الناتو، بل والحلفاء الإقليميين للرئيس التركي ولسياساته.

وإذا كانت ردود الفعل الإقليمية على تركيا – الأردوغانية في ما بعد الانقلاب لا تزال في طور البلورة، وفي انتظار خطوات وإجراءات من جانب الرئيس التركي وفريقه الجديد، فإن ردود الفعل الأوروبية تحديدا، تبرز بحدة، وكأن أوروبا كانت تنتظر هذه المرحلة لتعلن عن آرائها بوضوح.

المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل طالبت، الثلاثاء 23 أغسطس/آب الحالي، المواطنين الألمان من أصول تركية بالولاء للدولة الألمانية. وفي الحقيقة كانت نبرتها دبلوماسية للغاية على اعتبار أنها تتحدث في نهاية المطاف مع مواطنيها لا مواطني دولة أجنبية. إذ قالت: "ننتظر من أصحاب الأصول التركية المقيمين في ألمانيا منذ فترة طويلة درجة عالية من الولاء لبلدنا… من أجل ذلك نحاول الإصغاء إلى مطالبكم وتفهمها، كما أننا نقيم علاقات وثيقة أيضا مع جمعيات المهاجرين". ولكنها من جهة أخرى، حذرت أنصار ومعارضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من ممارسة العنف في ألمانيا، مشيرة إلى أن "حرية الرأي والتظاهر تسري في ألمانيا على جميع المقيمين هنا، لكن بالطبع يتعين على الجميع التعبير عن اختلافاتهم في الرأي بسلمية".

هذه النبرة تكاد تكون موجهة إلى ما تبقى من نفوذ الرئيس التركي في ألمانيا، بل وفي أوروبا. بل وتبدو تحذيرا شديد اللهجة للرئيس نفسه. غير أن المهم هنا، أن التوجه الألماني، ورغم حجم العلاقات الاقتصادية مع تركيا، يسير في خط واحد مع خطوط العديد من الدول الأوروبية، وبالذات في ما يتعلق بمسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

أنقرة استدعت سفيرها لدى النمسا مؤخرا، مؤكدة على مراجعة العلاقات الثنائية مع فيينا بعد سلسلة من الخلافات، وفق ما أعلنه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو. ومن الواضح أن مظاهرة أنصار حزب العمال الكردستاني في فيينا، والتي سمحت بها السلطات النمساوية، أثارت غضب تركيا التي ذهبت إلى اتهام النمسا بمساندة الإرهاب.

النمسا من جانبها تطالب بوقف محادثات انضمام أنقرة الى الاتحاد الأوروبي، حيث وصفها وزير الدفاع النمساوي هانز- بيتر دوسكوزيل بـ "الدكتاتورية"، وأن "مثل هذه الدولة لا مكان لها في الاتحاد الأوروبي". وبعد ذلك صرح وزير الخارجية النمساوي سيباستيان كورز بأن بلاده تعارض أية خطوات لتقريب أنقرة من الانضمام الى الاتحاد الأوروبي.

الدول الأوروبية تمارس الآن مع تركيا لعبة "الكراسي الموسيقية"، ما يشير إلى أن هذه اللعبة أصبحت واضحة ومباشرة ومكشوفة بعد الانقلاب، وفقدان أردوغان مساحات من النفوذ والتأثير في الداخل والخارج، على الرغم من فشل الانقلاب وبقاء الرئيس في منصبه.

من الواضح أن الرئيس أردوغان قد بدأ مرحلة تبديل الأولويات. وهي المرحلة التي تحتاج إلى بعض الوقت لبلورة رؤى وسياسات وتوجهات داخلية وإقليمية ودولية. ولكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي تحديدا لا يريد إعطاء أردوغان الفرصة لذلك، ومن ثم يستخدم كل الطرق للضغط عليه من جهة، وتهميش تركيا من جهة أخرى كوسيلة من وسائل الضغط في ملفات تتعلق بعودة الدفء إلى العلاقات الروسية – التركية، وبعض "التباديل والتوافيق" الأخرى بإعادة ترتيب أوراق الولايات المتحدة في المنطقة.

وإذا كان التوجه الأوروبي على هذا الحال، فإن الولايات المتحدة تتعامل مع تركيا باستخفاف شديد قد لا تعكسه التصريحات الرسمية، بقدر ما تعكسه مسارات العلاقة، وما يتسرب من معلومات عن مشادات وخلافات شديدة الوطأة وراء الأبواب المغلقة. وقد تكون زيارة بايدن إلى تركيا مؤشرا على علاقة الاستخفاف والوصاية والضغط التي تمارسها واشنطن على أنقرة. فالأولى تدرك جيدا أن أردوغان ما بعد الانقلاب، ليس أردوغان ما قبل الانقلاب. وهذا أيضا ما يدركه حلف الناتو الذي يحاول قدر الإمكان رأب الصدع مع أنقرة التي تعتبر ضمن خطوطه الأمامية ليس فقط في مواجهة روسيا، بل وأيضا في الشرق الأوسط كله.

على الجانب الآخر، ينتظر العديد من الأطراف مواقف واضحة للرئيس أردوغان بشأن القضايا والأزمات الإقليمية، وعلى رأسها الأزمة السورية وموقف أنقرة الواضح منها، واستعدادها للإسهام على أرض الواقع بنصيبها في تسوية الأزمة التي كانت تركيا نفسها جزءا منها وأحد المحرضين على تفاقمها.

يبدو أن الولايات المتحدة وأوروبا تعولان على خطوات سريعة وحادة للرئيس التركي، لكي تزداد عزلته إقليميا ودوليا، ومن ثم يتأكد بعض ما تحدث عنه أردوغان شخصيا بشأن تورط أطراف غربية في الانقلاب الفاشل ضده. غير أن الخطير هنا أن تركيا هي عضو في حلف الناتو، ودولة إقليمية كبرى تتعرض لضربات إرهابية قوية ومؤثرة. وهذه الضربات بدأت تحديدا خلال الأشهر العشرة الأخيرة، أي قبل الانقلاب بعدة أشهر، وزادت وتيرتها بعد الانقلاب!

وبالتالي، فتعرض تركيا لهزات، سواء كانت انقلابية أو إرهابية، قد يؤثر على إعادة ترتيب أوراق الشرق الأوسط بالكامل. ويبدو أن هذا ما تتجه إليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في حال عدم استجابة أردوغان لضغوطهما.

أشرف الصباغ

فيسبوك 12مليون