أوروبا بين تشريح الأسود وزواج المثليين

أخبار العالم

أوروبا بين تشريح الأسود وزواج المثليين
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hb8n

أدهشت الدنمارك العالم من جديد حينما نظمت تشريح أسد أمام مئات الأطفال في "تقليد" أطلقته مؤخرا عندما جرى سلخ زرافة قتلت في حديقة الحيوان، حيث أصبحت هي الأخرى مادة تعليمية للتلاميذ.

وأثار "الدرس" التوضيحي الجماعي الذي نظمه اثنان من خبراء البيولوجيا في واحدة من حدائق الحيوانات الدنماركية، موجة غضب وتذمر عارمين في روسيا التي اعتاد فيها الصغار قبل الكبار على الرفق بالطير والحيوان والنبات.

وشكل هذا "الحادث" كما يصفه الروس، مادة للبحث والتعليق في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تداولتها مختلف الأوساط التربوية في روسيا.

ففي مقدمة عبارات التعجب والدهشة التي تناقلها المدونون في التعليق على تشريح أسد، وقبله زرافة، في الهواء الطلق أمام مئات الأطفال في الدنمارك، أن الجميع اعتادوا في روسيا على تربية الأطفال منذ الصغر على أن الحيوان "هو الشقيق الأصغر" للإنسان في الطبيعة، وأنه لا بد من العناية والرفق به لأنه كائن حي ومخلوق يسكن الأرض التي هي بيت مشترك للناس والحيوان والنبات.

وبين التساؤلات التي طرحها المدونين في تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، كيف يمكن تشريح أسد أو زرافة أو أي حيوان آخر أمام الصغار، في وقت تزخر فيه الكتب المدرسية برسوم الحيوانات الجميلة وألوان فروها وجلدها الرائع، وكيف لهم أن يقطعوا جثة أسد هامدة ليشوهوا بذلك جميع التصورات البريئة لدى الطفل ويزيلوا من قلبه أي رحمة بالحيوان؟

وكيف للدنماركيين كذلك، أن يحملوا السكاكين ويقطعوا بها الحيوان أمام الطفل، ويضمنوا أنه لن يترسخ في ذهنه مشهد الدم، أو يعجبه ليتلذذ به حينما يكبر ويتشفى بتقطيع قطة أو أسد أو زرافة، أو حتى إنسان؟

وكيف يمكن للبالغين المجيئ بأطفالهم لرؤية معلمة البيولوجيا بحلة الجزار وهي تسلخ حيوانا، يتنطط الطفل فرحا لرؤيته في حديقة الحيوانات وينشد له الأغاني ويردد الأشعار.

وأشد ما أدهش الروس حينما شاهدوا هذه "العملية التشريحية التعليمية"، كما وصفها القائمون عليها، أن أولياء الأطفال الذين جاؤوا بأبنائهم إلى "مسرح" السلخ هذا، اعتبروا في التعليق للصحفيين على خطوتهم "الترفيهية" لأبنائهم، أنه لا ضير أبدا في تشريح الأسد أو الزرافة أمام الأطفال، إذ أنه يتم سلخ البقرة أو الخنزير أو الدجاجة ويمكن لهم رؤية ذلك!

ومنه، وبالوقوف على درس الدنماركيين التشريحي لتلامذتهم، والصدى الواسع الذي تركه لدى الأوساط الروسية، تستعيد الذاكرة "موجة" تشريع زواج المثليين والسباق المحموم الذي انطلق بين بعض الدول الغربية في تطبيق القوانين التي تساوي بين الرجل والمرأة وبين الرجل ومثله، وبين المرأة ومثيلتها، بما لا يترك أي فوارق أو تباينات تذكر، ولو حتى شكلا. فظهور كونتشيتا ورست وفوزها بمسابقة "يوروفيجين" بعد التعاطف الكبير معه، أو معها، على الغموض الذي يلف جنسه فهو امرأة ورجل في آن، أي جامع للجنسين في كساء واحد، فمؤخرته أنثوية ووجهه ملتح تعبيرا خالصا عن انعدام جميع الفوارق وبلوغ "المثالية".

كونتشيتا ورست

وتستحضر الذاكرة في هذه المناسبة أيضا، كيف صب الإعلام الغربي و"المدافعون" عن حقوق الانسان والحريات والديمقراطية جام غضبهم على روسيا والقضاء الروسي والتشريعات الروسية، وحتى على الرئيس فلاديمير بوتين شخصيا، حينما قاضت روسيا ثلاث فتيات دنسن كاتدرائية "المسيح المخلص" في موسكو، حينما رقصن داخل حرمها  و"صدحن" بأغان صاخبة مقززة، وصلت بهن جميعا إلى الحبس لسنتين مع النفاذ.

وبين ما يعجز الروس عن فهمه أيضا على صعيد التربية في أوروبا، وفي إطار ما يسمى بـ"القيم الأوروبية" عموما، تعليم مادة التربية الجنسية لتلامذة المدارس الإبتدائية على كيفية ممارسة الجنس والمداعبة وتفادي العدوى، وما إلى ذلك من صغائر الأمور لا تخطر على بال الكبير قبل الصغير، مع الشرح المفصل في قاعات خاصة وباستخدام "وسائل تعليمية" هي دمى ومجسمات للأعضاء الجنسية.

والأهم في هذه الدروس، وما يثير امتعاض الأوساط المحافظة في أوروبا، ويذهل عموم روسيا، أنها تركز بشكل رئيس على استكشاف ميول الطفل والاستشعار منه إذا ما كان سيصبح رجلا في المستقبل أم امرأة، أي استكشاف جنسه وتحريضه منذ نعومة الأظفار على تقمص جنس يراه أفضل، أو يتبنى الجنسين معا، ليحب في المستقبل أمثاله بغض النظر إن كانوا ذكورا أم إناثا.

لائحة "السلوكيات" و"الحريات" المندرجة بين "القيم الأوروبية" تطول وتطول، فيما يؤكد الخبراء والمراقبون على أن جميع هذه "القيم" المعلبة، إنما تهدف إلى ترويج وترسيخ ما يسمى في الغرب بـ"مبدأ التعدد الثقافي" خدمة لنهج الولايات المتحدة ومبدأها في العيش، في وقت أخفقت فيه على أراضيها في التوفيق ما بين الأعراق والقوميات والثقافات والأديان بسبب "مبدأ التعدد الثقافي" حصرا.

فبوسع أي إنسان وفقا لهذه اللائحة تدنيس ما يحلو له، وحتى حرق الكتب السماوية أمام الكاميرات، والمناداة بمنع جميع المسلمين مثلا من دخول الأراضي الأمريكية، فكيف لا والحرية متاحة للجميع، وحتى لمرشحي الرئاسة؟

ومما تقدم، يتبادر إلى الأذهان السؤال: ألم يترعرع في أوروبا أشد القتلة والسفاحين بطشا بين الذين توافدوا على أراضي سوريا والعراق ليمثلوا بالناس ويدنسوا مقدساتهم فيها، ويجعلوا من ذلك استعراضات "شيقة" يروجونها عبر ما أتيح لهم من وسائل؟ أم أن هؤلاء القتلة والسفاحين حينما امتهنوا ذبح البشر إنما يعبرون بجرائمهم عن ثورات في داخلهم على عالم عاشوه في أوروبا كان مليئا بحريات الآخرين على حساب حرياتهم؟

صفوان أبو حلا

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب)

فيسبوك 12مليون