الذكرى الأولى لمحرقة أوديسا ونوايا كييف ضم القوميين المتطرفين إلى الجيش

بقلم أشرف الصباغ

أخبار العالم

الذكرى الأولى لمحرقة أوديسا ونوايا كييف ضم القوميين المتطرفين إلى الجيشمأسة أوديسا.. صورة من الأرشيف
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/gr6v

في الذكرى الأولى لمحرقة أوديسا تعيش أوكرانيا حالة صعبة مع تزايد نفوذ القوى القومية المتطرفة والنازيين الجدد، والخلافات على كيفية إدارة الأزمة في ظل الضعف الواضح للرئيس بوروشينكو.

وتأتي الذكرى الأولى لمحرقة أوديسا في 2 مايو/أيار 2014، التي راح ضحيتها 48 شخصا، وأصيب 214 آخرون، حسب الإحصائيات الرسمية، على خلفية تداعيات مخيفة للأزمة الأوكرانية الداخلية في مجالات عديدة، من بينها الاقتصاد المتردي، وعمليات النزوح المستمرة للسكان، وتزايد نفوذ القوى القومية المتطرفة والنازيين الجدد، والخلافات بين قادة كييف على كيفية إدارة الأزمة في ظل الضعف الواضح للرئيس بيترو بوروشينكو أمام "حزب الحرب" الذي يقوده رئيس الحكومة أرسيني ياتسينيوك بالتحالف مع "القطاع الأيمن" المتطرف وبدعم من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية.

مأسة أوديسا.. صورة من الأرشيف

إن مأساة أوديسا التي اصطلح على تسميها "محرقة أوديسا" لا تكمن في عدد الضحايا، بقدر ما تكشف عن مدى الانهيار الذي وصل إليه المجتمع الأوكراني بعد وصول الليبراليين الجدد إلى السلطة في كييف بدعم واضح من واشنطن وبعض العواصم الأوروبية. إن هذه المحرقة عكست أيضا حالة الانقسام في المجتمع الأوكراني، والتي اتضحت بقوة عندما قام المتطرفون القوميون من عناصر القطاع الأيمن بالهجوم على أنصار فدرلة أوكرانيا الذين لجأوا إلى مبنى النقابات نتيجة المطاردات المسلحة. لقد قام المتطرفون بقلب بارد بإشعال النار في المبنى الضخم في مدينة أوديسا جنوب أوكرانيا. لكن الخطير في الأمر أن غالبية الضحايا وقعوا نتيجة الحرق المباشر أو التسمم بالغاز، وتم العثور أيضا على جثث مصابة بطلقات نارية، ما يوضح – حسب التحقيقات – أن العملية كانت مدبرة ومعدة بدقة. وفي الوقت الذي كان يقوم فيه رجال الإطفاء بإجلاء من تبقى من الناس من المبنى المحترق، كان مقاتلو "القطاع الأيمن" يواصلون الهجوم، ويطلقون النار حتى على الشباب الذي ألقوا أنفسهم من الطوابق العليا هربا من الحرائق دون أن تتدخل الشرطة في الأمر. وكان المتطرفون يهتفون "أوكرانيا فوق كل شيء!" ما يعيد الى الأذهان الذكريات المشؤومة عن النشيد الوطني الهتلري الذي كان يبدأ بعبارة "ألمانيا فوق كل شيء".

لقد تعاملت سلطات كييف مع هذه المحرقة باستهتار واضح. ففي الوقت الذي أعرب فيه رئيس بعثة المتابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بأوكرانيا أرتورغول أباكان عن "أسفه" لسقوط ضحايا في أوديسا، وطالب جميع الأطراف بضبط النفس وتفادي إراقة الدماء، وقفت كييف صامتة بعض الوقت ليتمكن أنصارها من حركة القطاع الأيمن القومية المتطرفة من إنهاء المسألة. وبعد ذلك أعلن الرئيس الأوكراني المعين آنذاك من قبل الرادا العليا (البرلمان) ألكسندر تورتشينوف الحداد العام لمدة يومين على ضحايا ما وصفته كييف بـ "الاشتباكات في أوديسا"، ووعد بمعاقبة المسؤولين عن هذه الأحداث.

مأسة أوديسا.. صورة من الأرشيف

في 24 مايو/أيار ٢٠١٤ أعلن ريتشارد دنبر مدير قسم أوروبا وآسيا الوسطى في منظمة حقوق الإنسان أن التحقيقات التي تجريها سلطات كييف في مأساة أوديسا لا تدعو للثقة بسبب عدم حياديتها. ووصف الكارثة بأنها جريمة كبيرة تستدعي إجراء تحقيق جدي وموضوعي. وقال: "نحن ندرك أنه تم إجراء 4 تحقيقات، لكن الموضوع ليس في عدد التحقيقات، وإنما في مدى دقتها وفعاليتها فيما يتعلق بتقديم المذنبين للعدالة"، مشددا في الوقت نفسه على أن ميل سلطات كييف إلى تبرئة أحد الأطراف المشاركين في المأساة يدعو إلى عدم الثقة.

اوديسا

وطوال عام كامل لم تقم سلطات كييف بتنفيذ وعودها بمحاكمة المسؤولين والمنفذين لهذه المأساة المروعة. بل استخدمتها لاعتقال معارضيها، وتأديب سكان المدينة. فقبل ثلاثة أيام من الذكرى الأولى للمأساة، أوقف جهاز الأمن الأوكراني 12 معارضا في أوديسا. وقالت السكرتيرة الصحفية في الجهاز يلينا غيتلانسكايا إن "مرحلة جديدة في تطهير" المدينة تجري حاليا. وبين الموقوفين ليوبوف دافيدتشينكو، والدة زعيمي حركة "كوليكوفو بوليه" أنطون وأرتيوم دافيدتشينكو، وكذلك أحد منظمي الاتحاد الشعبي "الرادا الشعبية لبيسارابيا" الصحفي أرتيوم بوزيلا. وكانت المدينة قد شهدت في وقت سابق توقيف 20 ناشطا من هذا الاتحاد بمن فيه زعيمه دميتري زاتوليفيتير.

محرقة اوديسا

كييف تنوي منح "القطاع الأيمن" غطاء قانونيا بضمه إلى الجيش

 

وتزامنا مع الذكرى الأولي لمحرقة أوديسا، بدأت وزارة الدفاع الأوكرانية وقيادة "القطاع الأيمن" المتطرف مباحثات حول انضمام وحدات القطاع المشاركة في العملية الخاصة شرق البلاد إلى الجيش الأوكراني. بل وإمعانا في إشعال الحرب الأهلية، أبدت السلطات الأوكرانية رغبتها في مشاركة الكتائب المتطوعة في الدونباس ضمن القوات المسلحة الرسمية. أما حركة "القطاع الأيمن" فأعلنت أنها لن تنضم من حيث المبدأ إلى "الحرس الوطني" التابع لوزارة الداخلية، ولكنها يمكن أن تنضم لصفوف وزارة الدفاع كـ "وحدة عسكرية مستقلة" فقط.

زعيم منظمة القطاع الأيمن المتطرفة في أوكرانيا دميتري ياروش

المراقبون الأوكرانيون والأجانب لا يشككون في اتساع مساحة نفوذ حركة "القطاع الأيمن" المتطرفة حتى أنها باتت تشكل تهديدا حقيقيا لأي تقارب بين كييف وين أقاليم شرق أوكرانيا التي أعلنت استقلالها من طرف واحد نتيجة التهميش وحرب الإبادة التي يتعرض لها سكانها. بل وأصبحت هذه الحركة تشكل ورقة ضغط على الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو نفسه، وتمنعه من أي خطوات على مسار التسوية. وقد شهدت الأيام الأخيرة اعتصاما ضخما نظمته عناصر هذه الحركة المتطرفة، والمسلحة جيدا، أمام المبنى الرئاسي في كييف احتجاجا على محاصرة قطاعات من القوات المسلحة كتيبة تابعة للحركة في مقاطعة دنيبروبيتروفسك. وأعلن المتطرفون أن اعتصامهم حمل صفة تحذيرية إذ سيستمر الاحتجاج "حتى احتراق مبنى الإدارة" الرئاسية.

إن هذه الحركة تمثل ساحة اتحاد للمتطرفين اليمينيين من المنظمات الأوكرانية الراديكالية، وشاركت عناصرها في يناير/ فبراير 2014، في الاشتباكات ضد الشرطة وفي الاستيلاء على المباني الإدارية والحكومية. وبعد وصول الليبراليين الجدد إلى السلطة في كييف بدأت تتعامل مع المجتمع الأوكراني كمؤسسة سيادية، ما أسفر عن مشاركتها في قمع الاحتجاجات بشرق أوكرانيا. بل والمشاركة في العمليات العسكرية ضد سكان دونيتسك ولوغانسك. وقامت المحكمة العليا في روسيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 بإدراج "القطاع الأيمن" في قائمة المنظمات المتطرفة وحظرت نشاطه على الأراضي الروسية. كما تم رفع قضية جنائية ضد زعيم الحركة دميتري ياروش بسبب دعوته إلى عمليات إرهابية في الأراضي الروسية.

ياتسينيوك الابن المدلل للغرب يحارب ضد الجميع

 

إن رئيس الحكومة في سلطات كييف أرسيني ياتسينيوك، الذي يصفه المراقبون بالابن المدلل للغرب، يقود حزب الحرب في أوكرانيا. ومنذ وصول سلطات الانقلاب إلى السلطة في كييف، وهو يواصل تضليل الرأي العام الأوكراني بأن "روسيا قاب قوسين أو أدنى من احتلال أوكرانيا"، وأن "روسيا قد احتلت أوكرانيا بالفعل وتريد تقسيمها"، و"يجب أن ننضم إلى حلف الناتو وأوروبا لمكافحة الاحتلال الروسي". غير أن الأخطر في الموضوع أن ياتسينيوك يقود "حزب الحرب" من الصقور وعناصر "القطاع الأيمن" والعديد من المنظمات النازية الجديدة والقومية المتطرفة الأخرى ليس فقط لتأصيل العداء ضد روسيا، بل وضد الروس والناطقين بالروسية والذين يمثلون أكثر من نصف سكان البلاد. ومن جهة أخرى يحكم قبضته على الرئيس بوروشينكو بالتهديد المتواصل عبر رسائل واضحة، إما بشكل مباشر أو عن طريق فعاليات ينظمها أنصاره من القوى المتطرفة. وكثيرا ما أعلن أمام الرأي العام الأوكراني والأوروبي أنه "إذا لم يكن الرئيس قادرا على إخضاع شرق وجنوب أوكرانيا لسلطات كييف، فهناك من يستطيع أن يفعل ذلك".

أرسيني ياتسينيوك

الخبراء الأوكرانيون والغربيون يرون أن التدهور الاقتصادي، وانتشار العنف والتطرف في أوكرانيا في ظل حكومة ياتسينيوك، كفيلان بإبعاد ياتسينيوك عن السلطة في البلاد. ولكن العديد من الأحزاب والمنظمات الإنسانية والاجتماعية في أوكرانيا بدأت تعلن عن قلقها من التوجهات العدوانية التي يعززها فريق الحرب بقيادة ياتسينيوك وقادة الحركات القومية المتطرفة. وأعرب عدد من الأحزاب والمنظمات عن قلقه من مغامرات أرسيني ياتسينيوك بإشاعة الفوضى في أوكرانيا وبناء خطوط فاصلة بين شرقها وغربها، والتشكيك في ولاء المواطنين الأوكرانيين لبلادهم. بل وأعربوا عن مخاوفهم من نبرة العداء ضد روسيا التي يغذيها الغرب في أوكرانيا عن طريق حلفائه من الليبراليين الجدد. وهو ما يمكن أن يورط البلاد في حروب أو مواجهات مع الأشقاء.

وعلى الرغم من كل ذلك، أكدت موسكو أكثر من مرة أنها لا يمكن أن تخوض حرب ضد الشعب الأوكراني الشقيق. وكان آخرها تصريح نائب وزير الدفاع الروسي أناتولي أنطونوف لصحيفة :كومسمولسكايا برافدا" يوم ٣٠ أبريل/نيسان الماضي، أكد فيه أن "روسيا لن تحارب أوكرانيا أبدا في أي ظرف من الظروف. أوكرانيا ليست عدونا! إنني حتى نظريا لا أفترض ذلك، واعتبر أن العقل سيكفي كييف أيضا لعدم استفزازنا". كما عول أنطونوف على تأثير ألمانيا وفرنسا من أجل عدم استئناف كييف الأعمال القتالية جنوب شرق البلاد، مؤكدا أن "روسيا ستساعد أوروبا في ذلك".

مثل هذه التصريحات تأتي في السياق العام الذي وضعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أعلن شخصيا في 16 أبريل/نيسان الماضي أن "موقفه نابع من عدم إمكانية حدوث حرب بين روسيا وأوكرانيا". غير أن فريق الحرب في كييف يعمل بكل الطرق على استفزاز موسكو، وتوجيه الدعوات للغرب بتسليح الجيش الأوكراني لمواجهة روسيا!

تعليق المحلل السياسي قسطنطين سيمين:

فيسبوك 12مليون