الحسابات الأمريكية ودماء "الربيع العربي" .. متى ستغلق واشنطن الجبهة السورية لتفتح المصرية؟

أخبار العالم العربي

الحسابات الأمريكية ودماء
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/608967/

طوال عامين كاملين حذرنا من الحسابات الأمريكية والأوروأطلسية التي لا يمكن أن تكون خاطئة بالنسبة لمصالح هاتين الكتلتين، أو بالأحرى الكتلة الواحدة. فلا حسابات خاطئة عندما تشعل الحروب على أراضي أخرى غير أرضك، ويموت مواطنون آخرون غير مواطنيك.

طوال عامين كاملين حذرنا من الحسابات الأمريكية والأوروأطلسية التي لا يمكن أن تكون خاطئة بالنسبة لمصالح هاتين الكتلتين، أو بالأحرى الكتلة الواحدة. فلا حسابات خاطئة عندما تشعل الحروب على أراضي أخرى غير أرضك، ويموت مواطنون آخرون غير مواطنيك. وفي أسوأ الأحوال، إن لم تتمكن من تغيير تكتيك التسليح والتدمير والتحالفات، فسوف تترك "الجمل بما حمل" وتعود إلى بلادك مخلفا الدمار والحروب الأهلية والعنصرية والأنظمة الاستبدادية والعنصرية.
في 27 فبراير 2013 أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن نجاح أجهزة الأمن في ضبط 60 صاروخا مضادا للدروع هُرِّبت عبر الحدود الليبية وكانت في طريقها إلى شبه جزيرة سيناء. وقالت الوزارة في بيان لها أن "أحد الكمائن الأمنية ضبط 60 صاروخا شديد الانفجار ومضادا للدروع، طول كل صاروخ متر تقريبا، وذلك في مدخل مدينة 6 أكتوبر".
وكشفت شبكة "فوكس نيوز" الإخبارية الأمريكية أن الأسلحة التي ساعدت "الثوار الليبيين" في الإطاحة بنظام القذافي تباع حالياً في مزادات سرية في شبه جزيرة سيناء لممثلين عن تنظيم القاعدة وحركة حماس الفلسطينية. وأكدت أن عملية المزادات تجرى في "كارافانات" سرية ويحضرها أجانب بحوزتهم أموال وفيرة كل جاء لنفس المهمة. وأشارت إلى أن شبه جزيرة سيناء يسكنها حوالي 250 ألف مصري، ولها حدود مع غزة وإسرائيل وتطل على البحر الأحمر، ما يسهل الأمر على المشترين من مناطق مختلفة المجئ والمشاركة في المزادات. وأن هناك الكثير من العقود تجرى بالوكالة لتنظيم القاعدة من قبل جماعات صغيرة في سيناء. وأوضحت الصحيفة أن نفوذ القاعدة أصبح أكبر من نفوذ القبائل في سيناء".
وفي ديسمبر 2012 نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا قالت فيه إن إدارة أوباما وافقت بشكل سري على تزويد قطر "للثوار الليبيين" بشحنات أسلحة، وهو الأمر الذي يبرز تسليح قطر للجماعات الإسلامية في المنطقة. ووصلت تلك الأسلحة بموافقة أمريكية ضمنية. والآن أصبحت هذه الأسلحة توجه ضد المواطنين الأمريكيين والغربيين في الشرق الأوسط وربما في جميع أنحاء العالم.

من جهة أخرى، أقرت المعارضة السورية أنها تلقت اسلحة متطورة وأموالا وصلت إلى سورية عبر تركيا، دون أن تشير إلى المورد الأصلي لهذه الأسلحة والأموال. وأوضحت مصادر في المعارضة أن الأسلحة التي وصلت في شهر يناير تضمنت أسلحة مضادة للطائرات والدروع وقذائف مورتر وقواذف صاروخية. كما أن المعارضة حصلت على أموال لدفعها كرواتب للمسلحين الذين يقاتلون في صفوف المعارضة. ورفضت المعارضة السورية أن تشير أو تسمي مصدر التوريد والتمويل بهدف عدم الإحراج، موضحة أن السلاح وصل من خلال المعبر الحدودي بين سورية وتركيا "باب الهوى" الواقع تحت سيطرة المسلحين.
وفي 26 فبراير 2013 ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن السعودية قامت بتمويل صفقة كبيرة لشراء أسلحة نارية من كرواتيا، ونقلتها سرا بعد ذلك إلى سورية لتزويد مقاتلي المعارضة بها. وقال مسؤولون أمريكيون وأوروبيون إن توريدات السلاح بدأت تصل إلى المقاتلين السوريين في شهر ديسمبر الماضي، وسمح ذلك للمقاتلين بتحقيق بعض النجاحات التكتيكية هذا الشتاء. وتم نقل الأسلحة عبر الأراضي الأردنية. وأشاروا إلى أن الكثير من شحنات السلاح أرسلت من كرواتيا منذ ديسمبر. وبعد ذلك بدأت تظهر في لقطات فيديو ينشرها في الانترنت مقاتلو المعارضة السورية نماذج من السلاح لم تلاحظ هناك في وقت سابق. وأن جزء كبيرا من هذا السلاح صنع في يوغسلافيا السابقة وبقى في كرواتيا منذ النزاعات المسلحة التي شهدتها منطقة البلقان في تسعينات القرن الماضي. وانتشرت تلك الأسلحة (بنادق آلية ورشاشات) منذ بداية الشهر الماضي في منطقة درعا، وبعد ذلك في محافظات حماة وإدلب وحمص.
أما ما يدور خلف الأبواب الموصدة فيؤكد أن الائتلاف الوطني السوري المعارض يواصل خط التسليح من أجل الحصول على مكاسب حقيقية على الأرض. ومن ثم تقديم الطلبات المتتالية بالدعم العسكري النوعي للمعارضة. وهذا ما أكده رياض سيف نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض يوم 27 فبراير، قبل مؤتمر "أصدقاء سورية" في روما بيوم واحد، بقوله: "نطلب من أصدقائنا تقديم كل عون يمكننا من تحقيق مكاسب على الأرض ويسهل عملية الحل السياسي من مركز القوة وليس من مركز الضعف، ونتوقع أن يكون الدعم سياسيا إغاثيا ونوعيا تسليحيا".
إن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي شارك في هذا المؤتمر أعلن قبل وصوله إلى روما أن بلاده لا تذهب إلى ذلك المؤتمر للكلام بل لاتخاذ قرارات حول الخطوات المقبلة لسورية. وأعلن البيت الأبيض قبل المؤتمر بيوم واحد أن الولايات المتحدة ستزيد المساعدة للسوريين والمعارضة السورية سعيا للاسراع بانتقال سورية لما بعد الرئيس بشار الأسد.
لقد أكدت مصادر أمنية واستخباراتية أن نقل الأسلحة والأموال إلى سورية يجري عبر الأراضي والحدود التركية إلى المعارضين المسلحين من قبل دول الناتو، وهؤلاء يسعون لإدخال حكومة موالية للغرب وحلف الناتو. وبذلك تكون تركيا قد دخلت الحرب ضد سورية بتوفير ترانزيت للأسلحة والأموال عبر حدودها. والمعاهدات الدولية تقول: "إن "تقديم أراض لنشر قوات بلدان ثالثة يعني أن هذا البلد دخل في الحرب ضد الدولة التي يتوجه إليها المسلحون من أراضيها". وعلى جانب آخر رأت هذه المصادر أن قيام دول الناتو والسعودية بتدريب مسلحين ومرتزقة وتسليحهم يدل على أن سياستهم قصيرة النظر، إذ أن دعم تنظيم مثل "القاعدة" وغيره من التنظيمات الدينية عادة ما يسفر عن العكس، وبعد وقت قصير توجه الأسلحة إلى من تحالف وقدم الدعم. وحذرت المصادر من أن هذه الأسلحة يمكن أن توجه إلى تركيا نفسها. وبالتالي عليها وعلى السعودية وقطر والولايات المتحدة ودول حلف الناتو أن تفكر في مستقبل بلدانهم.
بعد كل ذلك نرى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يؤكد أنه "لن يسمح بإنشاء كيان منفصل، شرعيا كان أو غير شرعي. وأن بلاده لن تسمح بخرق مبدأ وحدة الأراضي السورية، فهذه الدولة مهمة جدا لنا، وإن حصل ذلك فإنه سيؤدي إلى مشاكل جدية جديدة". وحذر من أن "هذا الكيان، في حال تشكله، سيمنح تركيا حقوقا وصلاحيات مختلفة". ومن الواضح أن أردوغان يتحدث هنا عن "كيان كردي" وهو ما يثير قلقه ومخاوفه. ولكن إذا كان الحديث عن كيانات أخرى، فلا مانع من التسليح والدعم والتمويل.
غير أن الأخطر هنا هو مساعي تركيا ومصر بشأن تشكيل "حكومة انتقالية" لسورية. فقد فشل اللقاء الأول بهذا الصدد في القاهرة بسبب خلافات على الحصص والقيادات والحقائب. وسوف تشرف تركيا على الاجتماع الثاني للائتلاف الوطني السوري المعارض من أجل تشكيل حكومة انتقالية على الأراضي التي "تم تحريرها". أي أنه في حال نجاح هذا المسعى برعاية أمريكية قطرية سعودية سوف تتشكل كيانات في سورية شئنا أم أبينا. وسوف تحصل هذه الكيانات على اعترافات دولية فورية وفقا لقربها من أجندة العمل المستقبلي وآفاق تحقيق السيناريو الأمريكي – الأورو أطلسي للمنطقة في ظل "الإسلام الديمقراطي الجديد" وتحت رعاية أمريكية أوروبية مشتركة!

أما في مصر، فمقدمات ذلك وإن اختلفت في بعض التفاصيل تتضح يوما بعد آخر. إذ أن الأسلحة تتراكم في سيناء وغيرها من كل الجهات، والتنظيمات الجهادية تعلن عن نفسها من حين لآخر، بينما ينتشر "العصيان المدني" في المحافظات المصرية، وتتوالى الاحتجاجات والاشتباكات يوميا في أنحاء البلاد. بل وبدأت تظهر تحذيرات من داخل الإخوان المسلمين والسلفيين وقيادات الجماعات الجهادية من أنه في حال سقوط حكم الإخوان في مصر فسوف تتحول البلاد إلى "سورية" أو "ليبيا".
من الواضح أن الإدارة الأمريكية ليس لديها القدرة حاليا على فتح الجبهة المصرية قبل الانتهاء من المأزق السوري. وبالتالي كان على وزير الخارجية الأمريكي الجديد جون كيري أن يحذر، قبل وصوله إلى القاهرة بأيام قليلة، من أن "الولايات المتحدة لم تعد تتحمل حالة عدم الاستقرار في مصر، والتي تنعكس على المنطقة وتسمح للعناصر الجهادية بتشكيل خلايا نائمة لها بالمنطقة، الأمر الذي من شأنه تهديد دول المنطقة والمصالح الأمريكية"! وكأن واشنطن لم تكن تعرف منذ البداية أن أجهزتها الأمنية تساعد على ذلك، وأن استخباراتها واستخبارات دول حلف الناتو ساعدت، أو في أحسن الأحوال أغمضت عينيها عن التسليح والدعم المالي وعودة المجاهدين إلى مصر وسورية وغيرهما.

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

 

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم

الأزمة اليمنية