شهادات موظفي منظّمة أطباء بلا حدود.. الحياة في المخيمات في زمن كوفيد-19

أخبار العالم العربي

شهادات موظفي منظّمة أطباء بلا حدود.. الحياة في المخيمات في زمن كوفيد-19
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ob6y

غالبًا ما ينحدر الموظفون الوطنيون في منظّمة أطباء بلا حدود في كركوك من مناطق متشابهة أو يكونون في الواقع من سكان مخيم ليلان نفسه

في ما يلي، نرافق اثنَين منهما في سردٍ يوثّق الظروف المعيشية داخل المخيم والآثار المترتبة عن كوفيد-19 على الناس في العراق.

بالاستماع إلى شهادتهما، يتّضح أن الظروف المعيشية المتردية في المخيم تتفاقم بسبب تأثير مرض كوفيد-19 على البلد - مما يجعل الوضع السيئ أشدّ سوءًا إلى حد كبير. يشعر كلاهما ببالغ القلق إزاء الضغط الاقتصادي المتزايد على النازحين، وكذلك إزاء استحالة الالتزام بالتباعد الجسدي داخل المخيم. يعتبران أن النازحين هم من الفئات الأكثر تعرضًا في العراق للآثار الصحية والمالية الناجمة عن جائحة كوفيد-19.

في حين يقطن حميد فعليًا في المخيم ويعايش الواقع المرير الذي يختبره السكان، تنحدر نرمين من مدينة كركوك وتزور المخيم بانتظام. يعمل كلاهما في فريق أطباء بلا حدود للتوعية الصحية في مخيم ليلان وغالبًا ما يقابلان سكان المخيم ويستمعان إلى الهواجس التي تخالجهم خلال جلسات التوعية الصحية. خلال جائحة كوفيد-19، أدّى كل منهما دورًا مهمًا في تثقيف السكان حول المرض.

حميد هلال، 26 عامًا

مسؤول التوعية الصحية في منظّمة أطباء بلا حدود في مخيم ليلان 1 في محافظة كركوك

الفرار من الديار وملازمة المخيم حتى إشعار آخر

حالي حال العديد من سكان المخيم، هربت من مسقط رأسي - ناحية الرشاد في قضاء الحويجة - قبل ثلاث سنوات عندما كانت المنطقة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

قطعنا مسافةً طويلةً سيرًا على الأقدام قبل أن ينتهي المطاف بنا في هذا المخيم ولم نتمكن حتى الآن من العودة إلى ديارنا. لم يتّسم الفرار من مسقط رأسنا في الرشاد بالسهولة، فعلى كافة مخارج المدينة، نصب تنظيم الدولة الإسلامية نقاط تفتيش وفخاخ وأجهزة متفجرة لردع أي شخص يحاول الفرار أو للقبض عليه أو قتله. وتمثلت الطريقة الوحيدة للهرب بأمان آنذاك في طلب المساعدة من المهرّبين، وما كان منا إلا أن لجأنا إلى هذا الحل.

فرض المهرّب الذي التمسنا مساعدته مبلغ 200 دولار أميركي للشخص الواحد مقابل الرحلة. كنا حوالى 50 عائلة. اصطحبنا إلى خارج المدينة على مقربة من نقطة تفتيش للبيشمركة الكردية حيث تابعنا مسيرنا بمفردنا إلى بر الأمان. عند نقطة التفتيش، تم فصل الرجال والنساء للتحقيق في أمرنا. أخذ الجنود هوياتنا للتحقّق مما إذا كان أي شخص بيننا مدرجًا في قاعدة البيانات الاستخبارية الخاصة بهم لارتباطه بتنظيم الدولة الإسلامية. وعندما انتهت التحقيقات الأمنية، نقلونا إلى هذا المخيم حيث استعدنا هوياتنا والتمّ شملنا بعائلاتنا وحصلنا على خيام نعيش فيها. ومنذ ذلك الحين، يتعذّر علينا العودة إلى مسقط رأسنا كي نعيش في منازلنا في الرشاد.

الحياة في المخيمات في زمن كوفيد-19

مع وصول الجائحة، أضحى العيش في المخيم أكثر إرهاقًا من ذي قبل بالنسبة إلى معظم السكان. فعلاوةً على الصعوبات الحياتية التي تترتب عن العيش في المخيم، تدفع إجراءات الحجر الصحي المتكرّر والقيود المفروضة على الحركة من قبل الحكومة، الناس إلى الدخول في دوامة كفاحٍ للعثور على وظائف أو عمل يومي. والآن، حتى بعد رفع الحجر الصحي، بات العثور على عملٍ أشدّ صعوبة من ذي قبل بسبب الأزمة الاقتصادية – فالركود يطال الأعمال التجارية والأسواق ويتراجع الطلب على العمّال.

بشكل عام، يعتمد معظم السكان على العمل اليومي لتأمين احتياجاتهم الأساسية. والآن، بعد تراجع فرص العمل وانخفاض الأجور، أصبح إيجاد عملٍ لإعالة الأسرة عوضًا عن البقاء بأمان في المنزل أولويةً قصوى. بالأمس قالت لي امرأة، "قبل ظهور فيروس كورونا المستجد، كنت أعمل يوميًا وأجني مبلغًا بين 10,000 و15,000 دينار عراقي (8-12 دولارًا أميركيًا) في اليوم الواحد يسمح لي بتأمين لقمة العيش. ولكن حاليًا، انخفض دخلنا بشكل كبير بسبب تباطؤ وتيرة الأعمال التجارية والحجر الصحي المتكرّر. لا يمكنني أن أهتم كثيرًا بحماية نفسي من الإصابة بالمرض. إذا وجدت عملًا في أي مكان، فسأذهب لأن تلبية احتياجات عائلتي أهم من حماية نفسي".

وعلاوةً على مسؤولي التوعية الصحية الذين يزورون بانتظام المخيم لتثقيف العائلات بشأن كوفيد-19، تتوفر أمام معظم الناس في المخيم إمكانية الوصول إلى الإنترنت والتلفزيون. وبالتالي، هم يعرفون ما هي العوارض والمخاطر والتدابير الوقائية. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم حصول الناس على الدعم الذي يسمح لهم بملازمة منازلهم. نظرًا إلى حجم المساعدة الممنوحة، لا يتوفر أمام الناس خيار سوى الخروج والسعي وراء أي عمل متوفر لإعالة أسرهم.

في الواقع، إن إمدادات معدات النظافة الصحية ليست كافية وظروف النظافة العامة داخل المخيم ليست على المستوى الملائم. ولكن بسبب الضغط المالي، لا يطيل الناس التفكير بالنظافة، بل يصبّون تركيزهم عوضًا عن ذلك على كيفية تأمين المال لتلبية احتياجاتهم في اليوم التالي أو على من سيؤمن لهم الطعام واحتياجاتهم الأساسية في حال تعذّر عليهم إيجاد أي عمل.

اعتاد الناس قبل بضعة أشهر أن يحصلوا على الإمدادات الغذائية بانتظام، ولكنهم الآن يتلقون المال بدلًا من الطعام. يُمنح كل شخص 17,000 دينار عراقي (14 دولارًا أميركيًا) شهريًا، ويحدث أحيانًا أن يتأخر توزيع الأموال حتى حدود شهرَين. وعلى أي حال، فإن مبلغ 17,000 دينار عراقي للشخص الواحد يعني أكثر بقليل من 500 دينار عراقي (0.40 دولار أميركي) يوميًا، وهو مبلغ يستحيل أن يكون كافيًا بأي شكلٍ من الأشكال. معظم السكان مديونون مسبقًا بالمال لمحلات البقالة، ولذلك عندما تصلهم الأموال، فإنهم يسدّدونها على الفور إلى أصحاب المتاجر. هذا هو حجم المصاعب التي يواجهها الناس، ولذلك، لن يضحّوا بسهولة بالعمل من أجل تنفيذ التباعد الاجتماعي واتباع توجيهات الحجر الصحي.

بصفتي أحد سكان المخيم، أرى التوترات العائلية وأسمع عنها هنا وهناك. بسبب الحالة المالية الحرجة التي تمر بها العائلات، ترتفع مستويات الإجهاد، ما يؤدي إلى نشوب التوترات داخل العائلات وفيما بينها. ويأتي الغموض الذي يلف المدة المحتملة لاستمرار هذا الوضع ليُضفي المزيد من الضغط والخوف حيال المستقبل. يفكّر سكان المخيم – من دون أي بصيص أمل - بالمدة التي سيضطرون فيها للتعامل مع صعوبات الحجر الصحي ونقص العمل بالإضافة إلى الصعوبات القائمة من قبل ظهور المرض. في بعض الأحيان يدخل الناس في مشادات وشجارات لأصغر الأسباب.

أحد المخاوف التي أتشاركها أنا وسكان المخيم يتمحور حول أولئك الذين يخرجون من المخيم ويعودون إليه. نحن نعلم أنه لا يمكن للفيروس أن يصل إلى المخيم إذا لم يُصب شخص ما بالعدوى من الخارج، ولكن يمكن لتنقل الأشخاص بين المخيمات وأماكن أخرى أن يفضي إلى وصول الفيروس إلى المخيم.

سنشعر براحة أكبر إذا خضع أي شخص يغادر المخيم للفحص عند المدخل لدى عودته مجددًا. في حال تفشي المرض في المخيم، نحن نعلم جيدًا أن ذلك سيحصل على نطاق واسع للغاية. سبق وبدأت أنا وعائلتي التفكير في استئجار منزل في المدينة لتُقيم فيه زوجتي وأطفالي بحيث نكون في وضعٍ أكثر أمانًا مقارنةً بالبقاء هنا محاطين من كل حدب وصوب بخطر الاحتكاك بالمرض.

نرمين عباس

مسؤولة التوعية الصحية في منظّمة أطباء بلا حدود في مخيمَي كركوك وليلان

الظروف المعيشية في مخيم ليلان

يطال أبرز أثر للجائحة دخل سكان مخيم ليلان بحيث أنه يشهد تراجعًا كبيرًا. عندما نسأل الناس "كيف تؤثر جائحة كوفيد-19 على حياتك؟"، يقولون لنا إن إجراءات الحجر الصحي والقيود المفروضة على الحركة - بالرغم من كونها إجراءً وقائيًا - تمنعهم من الخروج من المخيم للعمل، مما يجعل حياتهم اليومية تسبب لهم ضغوطًا نفسية أكثر من ذي قبل.

كانت غالبية السكان من العمّال المياومين. اعتادوا الخروج من المخيم للعمل من أجل إعالة أسرهم بشكل أفضل. والآن، حتى في الفترات التي لا يُنفذ خلالها الحجر الصحي، بات النازحون داخليًا يواجهون صعوبةً في العثور على عملٍ خارج المخيم. أمّا السبب الرئيسي الكامن خلف ذلك فهو تراجع الطلب على العمال المياومين، بما أن العديد من الأماكن التي اعتادوا العمل فيها أغلقت أبوابها. اعتاد النازحون الاعتماد على كل من الدخل الذي يجنونه من عملهم والمساعدات التي يحصلون عليها لتغطية نفقاتهم. ولكن الآن بما أنهم لا يجدون أي فرصة عمل، أضحت المساعدة التي يتلقونها غير كافيةٍ وحدها لتأمين جميع احتياجاتهم. وليزداد الطين بلة، يترافق انخفاض الدخل مع ارتفاع في الأسعار الإجمالية في سوق المخيم منذ بداية جائحة كوفيد-19 ليتضاعف حجم الضغط الواقع على عاتق السكان.

على الرغم من الجهود التي تبذلها فرق التوعية الصحية لتثقيف سكان المخيم حول الحماية الذاتية، إلا أن العيش في المخيم يجعل من تنفيذ بعض النصائح أمرًا صعبًا إن لم يكن مستحيلًا. في الحقيقة، لا يسهل تنفيذ التباعد الجسدي والاجتماعي داخل المخيم. كيف يمكن للعائلات منع أطفالها من الاحتكاك بالآخرين عند خروجهم من الخيام؟ ولا يمكن لهذه العائلات أيضًا أن تبقي أطفالها حبيسي الخيمة طوال الوقت. زدّ على ذلك، كيف يمكن لأي شخصٍ أن ينأى بنفسه عن الآخرين إذا اضطرّ إلى الخروج من الخيمة إلى مساحةٍ مفتوحة يتشاركها مع جميع جيرانه لكافة الأغراض تقريبًا؟ معظم الأشخاص الذين يعيشون على مقربة من بعضهم بعض في القسم نفسه من المخيم يتشاركون المرحاض والمطبخ. ليس من السهل بتاتًا تنفيذ التباعد في مكان مزدحم نسبيًا كهذا.

وفي حين أن لوازم النظافة الصحية المُوزّعة على العائلات كافية أحيانًا، إلا أنه ليس الحال غالبًا. تتعدّد العوامل الكامنة خلف ذلك؛ أولاً، تُقدم سلة لوازم موحدة إلى جميع العائلات، أي أن كل عائلة تتلقى المجموعة نفسها بغض النظر عن عدد أفرادها، ما يجعل السلة غير كافية للأسر الكبيرة. ثانيًا، يبيع الناس أحيانًا بعض الأغراض من هذه السلل لشراء السلع التي تشتدّ الحاجة إليها مثل الطعام، ما يؤدّي إلى نقصٍ في كمية مواد النظافة التي يمتلكونها.

وفي ما يخص عمليات التوزيع، تنصح إدارة المخيم والمنظّمات العاملة في المخيم الناس بتنفيذ التباعد الاجتماعي والجسدي أثناء وقوفهم في الطوابير لتلقي المساعدة. ولكن بسبب خوف الناس من نفاذ المساعدات قبل أن يحين دورهم، يميلون إلى التدافع ويحاولون الوصول إلى أقرب موقع ممكن من نقطة التوزيع. ومع ذلك، نادرًا ما يحدث أن تنفد المساعدات قبل أن يأخذ الجميع حصتهم.

التعديلات التي أجرتها منظّمة أطباء بلا حدود داخل المخيم في زمن كوفيد-19

ما زالت أنشطة المنظّمة مستمرة في مخيم ليلان. أنشأنا نقطة فرز في العيادة حيث يتم فحص المرضى بحثًا عن أي علامات أو أعراض مرضية مترابطة بكوفيد-19 أو أي احتكاك سابقٍ بمريض أو سفرٍ إلى مكان ينتشر فيه المرض.

هذا وتم تقسيم عيادة أطباء بلا حدود إلى عدة أقسام، بحيث يقدم أحدها الخدمات إلى المرضى الذين إمّا تظهر عليهم علامات أو أعراض المرض أو سافروا أو احتكوا بمريضٍ مصابٍ بكوفيد-19، في حين توفر الأقسام الأخرى خدمات للمرضى الذين لا تظهر عليهم أي علامات ولكن يُحتمل أن يكونوا حاملين للعدوى.

تُنفّذ المنظّمة أيضًا التباعد الجسدي في قسم الانتظار المخصّص للمرضى. ونحاول أيضًا تزويد المرضى بإمدادات لثلاثة أشهر من أدوية الأمراض المزمنة أو علاجات تنظيم الأسرة لخفض عدد الزيارات إلى العيادة، وبالتالي تقليل إمكانية الاحتكاك بأشخاص آخرين في العيادة. كما قامت المنظّمة بزيادة جلسات التوعية الصحية لسكان المخيم مع التركيز على رسائل التوعية بشأن كوفيد-19.

بدأت الطواقم الطبية في المنظّمة بالتفكير أيضًا في الأوقات التي سيتعذّر فيها الوصول إلى المخيم. وللاستجابة في مثل هذه الظروف، قرّر الطاقم الطبي ترك الأدوية في الصيدلية، بحيث يقوم موظفي أطباء بلا حدود من سكان المخيم، عندما يتعذّر على الطاقم الطبي الوصول إلى المخيم، بإعطاء الأدوية الأساسية للمصابين بالأمراض المزمنة وذلك بدعم عن بُعد من الطاقم الطبي.

ردة فعل النازحين داخليًا تجاه كوفيد-19

نشهد أنواعًا مختلفة من ردود الفعل تجاه كوفيد-19 داخل المخيم تمامًا مثلما يحدث أي مكان آخر. لم يكن سكان المخيم قد سمعوا حتى وقت قصير عن أي إصابة داخل مخيم ليلان ولم يُصب أحد من معارفهم بالمرض، ولذلك فإن اهتمام بعضهم بالمرض تراجع تدريجيًا. وهذا بدوره يؤدّي إلى تراجع في مستوى الحماية الذاتية ويزيد احتمال الإصابة بالعدوى. أمّا من ناحية أخرى، فيبذل سكان آخرون قصارى جهدهم لتنفيذ الإرشادات الوقائية، ونراهم يأتون إلى العيادة وهم يرتدون الكمامات أو يغطون وجههم بالحجاب.

يمكننا أن نشعر ببعض الخوف في نفوس الناس والناجم عن فكرة الحجر الصحي إذا اشتُبه في إصابتهم بالمرض أو إذا أُصيبوا به فعليًا. وهذا بدوره يتسبّب ببعض التردّد في طلب المشورة الصحية عندما يعانون من أعراض شبيهة بأعراض كوفيد-19. ومع ذلك، نحاول تشجيع الناس على التماس الرعاية الصحية كلما شعروا بتوعك.

موافق

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا